"ستموت وأنت تركض عاريًا في الشوارع". تنبأ لي أبي ذات صباح حين وُضع الإفطار على المائدة، وكنا يومها، جميعنا بلا استثناء، قد هيأنا نفسنا لرحيله الحتمي خلال أيام قليلة. ظلت الصورة الأكثر حيوية في ذهني، حتى بعد تراكم ما يزاحمها من لقطات أخشى البحث عنها في ذاكرتي: كل الأحاسيس المريرة، كل الألم اليائس والأحزان، كل العبارات الجارحة والفظة كسارينة الإنذار المحمومة، وكل البغض الممكن في الحياة. وظل غريبًا ألا تملك أي من تلك الإحباطات القارسة القوة ذاتها للحفاظ على نفسها ضد هجمات النسيان المستمرة كما فعلت هذه الصورة الصلبة والمخزية في عقلي. سمع ساعتها، هناك في الخارج، وقع المطر المتزايد يطرق النافذة المواربة فقالها محملًا بالسخط، قبلما يلتفت إلى الجميع باكيًا يطلب المغفرة منهم على إثمه الذي رماه في رحم أمي فاكتسى لحمًا وصار أنا. أنا بهيئتي الحالمة وقلبي الناعم كالنسيم، وعينيَّ اللتين صارتا مطابقتين بقسوة لعينيه. كنت أعرف أن ثمة شبحًا يسكنه، يعبث بعقله فيُردي روحه وينطلق هو قافزًا فوق لسانه وبين حركات محجريه الغائرين، لكن الشبح هنا كان من نوع آخر، استوطن جسده على هيئة ورم بدأ في البنكرياس ومن ثَمَّ راح، لقرابة السنوات الخمس، ينشر أتباعه في كل وريد وشريان حتى استقر أخيرًا في الكبد والرئتين والدماغ. بعدها، مع توترات العجز، والواقع الرهيب الطارئ على عقله، لم يعد ينتبه لكلماته. ولا حتى لشغفه القديم الذي ورثتُه منه كأي عامل روحي مشترك بين أب حنون وولد مطيع. شغف التقليل من الآخرين.
كاتب مصري، يكتب القصة والرواية والشعر. يدرس بكلية طب قصر العيني. من مواليد محافظة الجيزة ١٩٩٢. حصل على عدة جوائز منها: - جائزة أخبار الأدب عن مجموعته القصصية "انشطار الطير" ٢٠١٦ - جائزة مركز طلعت حرب الثقافي عن مجال القصة القصيرة ٢٠١٧ - جائزة إبداع لشباب الجامعات في مجال القصة القصيرة ٢٠١٦ - جائزة إبداع شباب الجامعات في مجال الرواية ٢٠١٨ - جائزة إبداع لشباب الجامعات في مجال القصة القصيرة ٢٠١٩ - اختار المعهد الأوروبي قصته "دفتر العائلة" ضمن أفضل ١٥ قصة قصيرة لكتاب شباب من دول حوض المتوسط ٢٠١٩ - اختار المعهد الأوروبي IEMED قصته "قلب ملاك" ضمن أفضل ١٠ قصص لكتاب شباب من دول حوض المتوسط ٢٠١٩ أعماله: - انشطار الطير "مجموعة قصصية" عن دار اكتب ٢٠١٨ - "كاجو" مجموعة قصصية عن دار تبارك ٢٠١٨ - "أحوال العالم الزائل" رواية عن دار تبارك ٢٠٢٠
"وإن أعادوا لك المقاهي القديمة.. فمن يعيد إليك الرفاق؟". - محمود درويش
الرواية في نظري فن من فنون النحت، يتوقف نجاحها وجمالها في عيون الناظرين على براعة يد الناحت ومدى تحكمه في أدوات النحت.. (اللغة، السرد، الحوار، الفكرة، البناء)، وأحسبه أجاد إلى حد كبير في استخدام أدواته.
(أحوال العالم الزائل) انتصار لجيلنا الذي يعاني من المخلفات الأدبية المتهالكة والتقليدية، منتظر بكل شغف العمل التالي للكاتب.
أحوال العالم الزائل، نوفيلا رائعة للكاتب أحمد عبد العاطي، صاحب المجموعتين القصصيتين: انشطار الطير، وكاجو، وتأتي أحوال العالم الزائل لتكون روايته الأولى، التي أثبت فيها براعة كاتب يوضع بثقة في مصاف المبدعين الخالدين. بداية مبشرة للغاية، ونقطة انطلاق لمزيد من العالم الروائي.
لدى عبد العاطي نفس طويل في السرد، وقدرة تحليلية تمتزج بلغة شاعرية في آن واحد، فتجده يصف لك التفاصيل، وتفاصيل التفاصيل، برشاقة، وانسيابية، ولغة جمالية تجعل العقل يبتسم، والقلب يرتجف؛ قدرة فائقة في التعبير عن المشاعر، تصل المعاني مباشرة كما أرادها الكاتب لتصب في وجدان المتلقي، وتداعب عقله بقدرتها التحليلية والمشهدية المدهشة.
تحكي الرواية عن حازم، الذي يتفاجأ في كل مرة باختفاء أقرب أقربائه، ليس ضياعًا، لكنه اختفاء من العالم الخارجي، لا يعلم الأصدقاء المشتركون مع حازم أي شيء عن ذلك الشخص المختفي، وتتبقى لدى حازم أصداء ذكريات لحياة كاملة عاشها مع الشخص. لا يدع عبد العاطي مجالا لفتح الأسئلة، فيجيب عن كل الاحتمالات الممكنة: في البدء لا يصدق حازم تكذيب المحيطين به، وادعاءهم عدم معرفة عمن يتحدث، فيتحسس مسدسه، ويتوقع حدوث مؤامرة ممن حوله، اتفاق جماعي يصل حد الأصدقاء المشتركين في مواقع التواصل الاجتماعي، لا أحد في العالم يعرف شيئًا عن الشخص المختفي، حتى أن حازم يعتقد أنها مؤامرة كونية اتفق عليها العالم أجمع، إذ أن الذاكرة حقيقة أقوى من الواقع، فلا يستطيع حازم تصديق أن ابنه مثلا قد اختفى من العالم، ولا يعترف بوجوده أحد، ليس هو المجنون، بل كل الناس مجانين ولا شك. ثم يبدأ في البحث عن دلائل مادية على وجودهم، كالصور مثلًا، فيجد أماكنهم فارغة. كذلك وصل لسجلاتهم الحكومية، فلم يكن هناك أثر لهم. وفي غمرة تفكيره يجد نفسه مزجوجًا في مصحة نفسية، وهو مصير منطقي حدث في توقيت مثالي، ولكن تستمر المشكلة، ويستمر الأشخاص والمعارف في الاختفاء، والوقوع في البئر، "تفرمهم الفرامة" على حد قوله.. حتى نصل للنهاية التي لا أريد أن أحرقها على قارئ هذا الريفيو.
بدأ لسرد بتكنيك كنت أتمنى أن يستمر للنهاية، لكنه ظهر في بداية الرواية، ولم يعد سوى في أماكن طفيفة جدا من بقية الرواية، وهو تكنيك إعادة الزمن، وإعادة الأحداث، والحديث عن النتيجة، ثم عودة في الزمن للحديث عن السبب الذي أدى للنتيجة، بطريقة سحرية بين الفقرات تنقلك في الزمن دون أن تدري، نتتبع الأسباب، حتى نصل للنتيجة التي ذكرناها آنفا، ونسوقها من بدايتها مرة أخرى لنصل لنتيجة أخرى، ثم نعود بالزمن للبحث عن أسباب النتيجة الثانية، وهكذا... هذا الأسلوب أعجبني، ولمست شبيها له في رواية "شيطان الخضر" للكاتب الأستاذ محمد إبراهيم. كنت أحب أن أجد هذا التكنيك على طول الرواية، لكنه ودعنا سريعا.
الرواية أتت بتكنيك مغاير، وهو الصعود في الأحداث، كما ذكرت القصة نفسها تحكي عن اختفاء الأشخاص، ففي كل فصل يختفي شخص أكثر أهمية لحازم، وللقارئ، أيهما أقرب، على حد سواء، يمكن مثلا أن يختفي شخص كان يستنكر حازم حين يسأله عن اختفاء شخص ما، فيسأله هذا الشخص "عم تتحدث؟"، هذا السائل نفسه يمكن أن يختفي من حياة حازم ولم يعد له وجود في عالم الواقع. استمرت الرواية في التصاعد، حتى وصلت للفصل الأخير، وهو السابع، قبل فصل "الخاتمة". الذي يعتبر كسر في القاعدة. فاصل من الهدوء والسكينة. كتصاعد اللحن الموسيقي عند مؤلفين الإلكترونيك، تصاعد مستمر، تنتظر نهايته، لكنه قبل أن يأتي بالذروة، يقوم بتهدئة الريتم لثانية أو ثانيتين، فيما يعرف بالهدوء الذي يسبق العاصفة، وبالفعل، يأتي الختام ليقضي على كل شيء، بجمل وفقرات، براقة ومدهشة، ونهاية عظيمة، كتبت بمزاج رائق. أتى هذا الفصل السابع كسلاح ذو حدين: فهو إن كان يفصل التصاعد المضطرد، إلا أنه من أفضل فصول الرواية في الكتابة، كوحدة قائمة بذاتها. كنت مستمتع بقراءته، رغم أنني لم أكن أحب وجوده في هذه اللحظة من الرواية بالذات. يغطي جانبًا مهما من ماضي البطل، يصقل رسم شخصيته، ويهدينا نوستالجيا جميلة لفترة التسعينات. كنت أكره وجود هذا الفصل في هذا التوقيت من الرواية، إلا أنني أحببت الفصل لذاته، فقد شفعت له لغته ومواقفه المكتوبة بصدق جميل، يسري في النفس كمسكن مسكر عن كل آلام الحياة، وآلام الشخصية الروائية "حازم" على حد سواء.
التأويل قد يتخذ منحى نفسي، وقد يتخذ منحى فلسفي. لكن مع المعطيات التي نواجهها في الرواية، قد ينتصر التأويل النفسي في رأيي. وإن كانت هناك -ولا يخلو شيء تقريبا في الحياة من التفلسف- بعض الجمل والفقرات اللامعة، التي تضرب العقل بين الفينة والأخرى، لتعطيه تساؤلا وجوديا عن الحياة وغاية الإنسان فيها.
الحوار مكتوب بحرفية عالية، يذكرني بطريقة كتابة محفوظ للحوار، وهي الكتابة بألفاظ عامية فصيحة، بحيث تقرأ لغة عربية، وتستنتج بأذنيك وخيالك المقابل العامي له. في الحقيقة برع أحمد في لغة الحوار باقتدار، وجعل لكل شخصية صوتها المميز.
من المشاهد التي أعجبتني جدا، مشهد لجوء حازم إلى الله، لحل الحل في الهداية، والصلاة، فأتى المشهد بالتناوب بين صلاة حازم، وقراءة الفاتحة، والركوع، والسجود، وبين ما يدور بخلده بشكل آني أثناء الصلاة. كان مشهدا عظيما.
من تحديات العمل كذلك هو اختيار نوع الراوي، الذي هو راو مشارك، بضمير "أنا". في رواية نفسية لشخص يكذبها جميع من حولها، ومع ذلك لا يصدقهم ويتمسك بموقفه طوال الوقت.. الضمير المتكلم تحد كبير لكتابة مثل هذا النوع من الروايات. ومع ذلك نجح عبد العاطي في إقناع القارئ بصدق البطل، الذي قد تكرهه في البداية، لكنك ستشفق عليه حتما في النهاية.
أحوال العالم الزائل، رواية تحفر بعمق في أنفاق النفس البشرية، وتغوص في تلافيفها، كُتبت بيد طبيب نفسي، أو هكذا أظن أنه سيتخصص في المستقبل، لغتها محكمة وبراقة، تخلق توازنا حكيما بين المشهدية، وبين إضفاء لغة شاعرية أصيلة، وصادقة، تعطي كل ذي حق -في فنيات الكتابة وجمالياتها- حقه. أرشحها للقراءة بقوة.
ماذا لو استيقظت في أحد الأيام ولم تجد زوجتك، ابنك، أو أى شخص من دائرة معارفك؟ وبعد عناء البحث والسؤال تكتشف بكل بساطة أنه اختفى نهائيا من ذاكرة العالم والأشخاص، وكأنه وهم أو . كأنه لم يكن سوى نسج من خيالك تم تسجيله في ذاكرتك. حين تصبح أكثر مخاوفك حقيقة واضحة ومسلم بها من الجميع إلا أنت فهذا درب من الجنون والجزع. تحكى رواية أحوال العالم الزائل عن حازم، شابٌ عادى لديه زوجة، أولاد، أصدقاء، عمل ومقهى يهرب إليه من روتين الحياة الممل.استيقظ من النوم بعد يوم عصيب ولم يجد إبنه، وبعد محاولاتٍ كثيرة من البحث لم يجد له أثر ولا أحد يتذكره غيره حتى زوجته وإبنته وأصدقائة. جزع، خوف، صدمة واتهامات بالجنون وكانت هذه فقط مجرد البداية. اللغة هي سيدة الرواية، يظهر ذلك بوضوح منذ بداية الرواية وحتى نهايتها، استخدمها أحمد عبدالعاطى بذكاء حيث ساهمت في نقل التدرج الشعورى لبطل الرواية، فى البداية تجد شعور بالصدمة والتوتر، ثم الجزع والخوف وسرعان ما يتحول ذلك إلى استسلام تام ممزوج بالحزن واليأس. لم يذكر أحمد في الرواية أى تفاصيل عن ملامح بطل الرواية وفي. رأيي كان ذلك مساهما في جعل القارىء يغوص أكثر في الشعور. تجد الأمر ينعكس الأمر عليك بشكل مخيف، لازلت أذكر هذا الشعور بالخوف الذى انتابتني فور إنتهائى من الفصل الرابع، الخوف من ذاكرتى. حتى بعد انتهائى من الرواية لازمنى هذا الشعور لأيام، انعكس على رؤيتى للحياة، لا شيء حقيقي إلا اللحظة التى أعيشها الآن كل ما مضي انتهى وذاكرتى الخائنة الواهمة تحتفظ ببعض الصور التي ستتلاشي في يوم ما.كل شيء سينتهى حتي أنت الوهم الأكبر بكل ما تكنزه من ذكريات وأموال لا تملك من نفسك شيء غير لحظة عليك عيشها بكل صدق، بكل ما تقتضيه سواء حزن، فرح، حب. أحوال العالم الزائل هي العمل الثالث لأحمد عبد العاطي، ولكنها جاءت مختلفة تمامًا من حيث اللغة والسرد عن "انشطار الطير" و"كاچو" وهذا لا يقلل منهما ولكنه يوحى بمدى ليونة الكاتب وتماهيه بشكل سلس مع خياله مما يجعله يحدد اللغة المناسبة التي تخدم هذا الخيال حتي يخرج في صورته الأدبية الأفضل.
هذه الرواية فخ وتبطن أكثر مما تظهره، وجدتها في زيارة خاطفة للمكتبة تحدق بي و أكثر ما شدني بعد العنوان هو اقتباس كونديرا أول الصفحة من رواية الخلود "يفقد العالم شفافيته شيئاً فشيئاً، يصبح كتيماً وعصياً على الفهم، يهوى في المجهول، بينما يهرب الإنسان الذي خانه العالم، إلى داخل نفسه، إلى حنينه، إلى أحلامه، إلى ثورته، فلا يعود بإمكانه سماع الأصوات التي تسائله من الخارج بعد أن أصَمَّهُ الصوتُ الأليم الذي يرتفع في داخله" قلت في نفسي " هذا الكاتب عرف من أين تؤكل الكتف، كتفي على الأقل"
" اذ ظل بيني وبين الجنون خطوة واحدة للأمام لو اتخذتها لما عدت للوراء ابدا " حازم يستذكر ايام جامعته اللحظة التي انقذته فيها الكتابة ولعله اذ يسرد سيرته هنا يحاول أن ينقذ حاله مما يسميه الأطباء النفسيون بالذهان ويسميه هو بفقدان ذاكرة للجميع، لا يمر حازم بحالة إنكار الا في أول الرواية ثم يتعايش مع فكرة أن يختفي كل من يحبهم واحدا تلو الآخر كأن شيء لم يكن يقول بنفسه " طوال عمري لم أفلح في تبني هذا الإنكار الذي يسبق لحظة انهيار عارمة دأبي في المواقف المشابهة الصمت التام حتى تتسرب بعدها تساؤلاتي المشوشة" يغرق في فجيعته وحده ولعل هذا الغرق هو ما يعمق جرحه اذ ان الحزن هنا فردي متوغل في الخاطر ولا يختفي لأن لا أحد يساند حازم فيه.
وعليه أن يعترف على كل حال كيف يكتب واقعة لم تتجسد إلا في ذهنه وحده ما الذي عليه ان يأتي به حتى تكون هذه الذكرى الواضحة جدا حقيقة يصدقها الأخرين، هل تخون الذاكرة ياحازم؟ لا انها تتلاعب فقط هذا ما كنت تظنه وتعيشه حتى لا تفقد توازنك في هذه الحياة" كائنات رخوة با هدف تعيش الحياة مثل من يرغب الرحيل ولا يرغب ينشد النسيان ولا يريد أن يقربه" اذ ان لا مخرج وكل الطرق التي قد نسلكها حتى نتخلص من هذا العبث هي عبث آخر!
شعرت في لحظات كثيرة أن هذه الرواية كانت مشروع مسرحية من كل قطع يمر بها كأن ما أقرأ ليس سردا بل مشهدا مونولوجي لحازم يفلسف فيه الحياة والوحدة والجنون، حياة تضيع بالترهات مثلما يقول.قصة لهزيمة رجل تخلى له البلاد من غلظته.
إذا يا أستاذ أحمد هل هذه رواية عن رجل عانى الذهان أم تضامن ضد النسيان ؟ لكننا ننسى لنعيش، لعلك لم تغني مع ميادة نعمة النسيان، انها تطالب بها بالقدر الذي افعله ونفعله جميعا ومالذي قد يعشش بالذاكرة الا الالم، لا اظن ان مادفع حازم على حافة الجنون هي ذكريات طفولته أو فقدان أعز الناس عليه في قدر عبثي من الحياة لكنها رغبته في أن يعيش هذا الوهم الذي يضخ الدم في الباقي من مشاعره، هل أقسو عليه الآن ؟ أظن ذلك.
أما الواجب الأخلاقي الذي فرضه حازم على نفسه تجاه العالم بدل أن ينتحر كان أرق خاتمة لهذه الرواية، وليت اننا كلنا يا حازم نعيش في ذاكرتك تطهرنا من الجشع والطمع والحقد والكراهية إن كانت ذاكرتك سلّمت بأن تمحي كل ما تمسه فلتفعل ياحازم ولا تحتقر اللغة أو تمحو النهر فبدونهم لن اسمع او اوبخك أو حتى اصدقك.
كان عندي من الحدس ما يكفي لأقول بأن هذه الرواية مشروع أول للكاتب، وغفرت لكل الأخطاء والهفوات في النص اذ ان اللغة كانت على مستوى شعري رقيق و مريح جدا، كنت اشعر بتردد بعض الأفكار وخوف بعضها من الظهور بشكل مباشر او غير مباشر ولعل الكاتب لم يرغب بابتذال حازم فعجل بنهايته رغم انني شعرت بأن عنده الكثير ليقوله ولكن مع ذلك كانت رواية خفيفة وجميلة و اتطلع لأعمال جديدة.
مساء الخير، نادراً لما بكتب مراجعة لعمل حبيته واستمتعت بيه، لكن ده شيء ضروري لإن عندي بعض التعليقات كدة، مبدأيا العمل زي ما قرأت المراجعة اللي كتبها خليل انتصار لجيلنا، وأنا متفقة معاه من ناحية الفكر والمضمون، اللغة بسيطة وسهلة جدا لكن الكاتب كان بيناوب بين اللغة الفصيحة نوعا ما ولغة الحكاية بشكل محبيتوش، والنزوع لإضافة حكم وكلام فلسفي كتير وسط الحكاية فصلني كتير عن القصة، العمل تقريبا مش متراجع في أخطاء كتير لغوية وإملائية ميصحش تكون موجودة في عمل زي ده، أخيراً الرواية ممتعة جدا وحركت أشياء جوايا وغيرت نظرتي لأشياء، ولقيت مواقف كتير عايشتها في طفولتي أشار ليها الكاتب، وبالنسبة للعنوان، متهيألي أول مرة التفت لعنوان عمل بالشكل ده وقد أيه فعلا معبر ومناسب، والغلاف جميل جدا.
3.5 هو اللاشيء الذي يقودنا إلى اللاشيء. الجملة فضلت تتردد كتير في دماغي بعد ما خلصت، وصدق العنوان والله هو زائل فعلا. بالنسبة لي الرواية كانت فلسفية أكتر من كونها نفسية، ما يهمنيش أتأكد إذا كان البطل عنده ذهان أو لأ، عشان حالته تقريبا هي الحالة اللي العالم عايشها اتأثرت بيها وحبيتها وشيفاها بداية أكتر من جيدة للكاتب. اللغة على قدر جمالها بس حسيتها متكلفة في بعض المواضع، مع طول بعض الجمل وإيقاعها كنت بتضايق أحيانا، بس الحقيقة إن في حاجات تانية كتير شفعت للأخطاء البسيطة. وأتمنى أقرأ للكاتب عمل جديد قريب.
رواية رائعة تفاجئك منذ البداية بحادث الإختفاء الغريب فتأسرك حتى النهاية وتحميك من الملل. أعجبتني نظرة الكاتب للعالم وكأنه يشارك نفسه -لا البطل- معنا، . لم لا والكتابة هي فعل الفضيحة، في بعض المقاطع، كنت أتمنى وجود مساحة حكي أكبر ومساحة تأمل فلسفي أقل.
"يناديني الصوت الخفي القلق أن نعم أنت تعيش وهما ما.. والصوت الآخر، الصوت الذي وثقتُ فيه طوال حياتي، يرشدني إلى حقيقة أن الذاكرة لا تخون بقدر ما تتلاعب. وببروز تلك الفكرة، أحسست أنني أتممتُ كل محاولاتي للبت في أمر المختفين من حياتي. "
يمنح الكاتبُ الوهمَ فرصةً للتواجد، للتلاعب الأدبي بالواقع الذي يمتد من خلقِه إلى محوِه مرورًا بتهذيبه أو ترتيبه، مستعينًا بالمرض النفسي كمتكلم أساسي في الرواية الكاذبة، واللعبة التي يلعبها عبد العاطي شديدة الخبث حين يُصَدِّر للسرد روايةً زائفة تبدأ من حيث تزول شخصيةٌ محوريةٌ في حياة البطل، يتلاشى الابنُ الذي ضربَه أبوه لأنه يحشش، ويلوذ البطل بالإنكار والثورة في وجه من حوله، ثم يتداعى عالَمُه في محطاتٍ تتبدى داخل النص الروائي مغلفةً بمرضٍ نفسي أليف يعرفُ الحقيقة لكنه يستسلم للوهم محاولًا مَدَّ جسرٍ بينهما.
تحتاط الروايةُ لنفسِها في مناورةٍ لطيفة خشيةَ انكشافِ حبكتِها قبلَ الوقتِ المناسب، فتتبع خطًا سرديًا متقطعًا أو مونتاچًا واعيًا يقفز بين الماضي والحاضر أو ما يقوم مقامَ الحاضر، وتنتهي بارتماءٍ حميمٍ في أحضان الطفولة، الطفولة التي عايشَتْ فقدَ الأب بما مثَّلَه من سماءٍ تكشفُ العالَمَ على حقيقته "كان شارعًا جانبيًا، لكن إحساس الملحمة جذبني لاعتباره بلدًا غير البلد، وطنًا غير الوطن، عالمًا غير العالم. استخدمت حينها المفردات ذاتها التي يرددها مقدمو البرامج التلفزيونية وأنا أسأل أبي: هذه لندن أم فرنسا؟ ..أجابني هذا شارع جانبي فقط، وراءنا" هذه الطفولة المتشبثة بالخيال ومفرداته البعيدة لفهم الواقع تتوحشُ لتصيرَ ذهانًا متقدمًا يحلُ محل الواقع كله، ولا تنسى هذه الطفولةُ فاجعتَها الأولى في الأب، المنبع المفقود للمنطق والمعرفة الذي يفسرُ غيابُه وقوعَ البطل فريسةً للوهم. الهزيمةُ الأولى هنا حاضرةٌ بتجلياتِها الرمزية في حيلةٍ دفاعية تعيدُ تجربةَ موت الأب بفقد الأم والأخت ثم الأبناء والزوجة لتتمكن من التآلف معها واحتمالها.
يستخدم أحمد عبد العاطي لغةً خاصةً به، تراوغ المعنى المباشر وتغرقه في المجاز والتأمل المناسبين للحالة المسيطرة على البطل وتنتصر لطبيعته الأدبية كمشروع شاعر، وتتراجع قليلًا عندما يتعلق السرد بالحدث في مركزيته الكاشفة لزاويةٍ من زوايا النص الروائي.
رواية جديرةٌ بقراءةٍ متأنية، لا يمكنك السباحة في تيارها بنعومةٍ ويسر بقدر ما يحتاج الأمرُ مناوشاتٍ مع اللغة والسرد بما يحملان من طاقةٍ خادعة، وانعطافاتٍ غير هينة، وبما يقدمان من تجريبٍ جاد يتلاعبُ بأمانك النفسي بين حينٍ وآخر.
لعل عبد العاطي يفرغ في هذا النص إرثا كبيرا حمله كافة المفكرين والأدباء، واختبر شعورهم بالعزلة والتغريب عن الواقع، بقصة شخصيته ”حازم“. ولعله كأي مثقف يحمل فكرة مستخلصة من معارف مختلفة، أراد لهذا العبء الثقيل أن يكون متاحا للجدل أمام القارئ، هي لربما عقدة الشعور بالذنب، من كون العالم هذا على هيئته، دون تغير للأفضل، أو الشعور بالذنب لعدم القدرة على الاندماج في هذا الواقع الرديء.
قراءة صديقي الجميل حسام معروف لأحوال العالم الزائل على "إرم نيوز"