يعتبر كتاب "الإسلام السياسي" لنزيه الأيوبي تشريحاً سوسيولوجياً عميقاً يبتعد عن التفسيرات الدينية التقليدية ليركز على الجذور الطبقية والاقتصادية للظاهرة. يرى الأيوبي أن تنظير الإسلاميين للسياسة برز بشكل حاد عقب فشل المشروع التنموي الحداثي العربي وهزيمة عام 1967، وهو ما أدى إلى حالة من السخط العام، لا سيما بين طبقات "الياقات البيضاء" أو البرجوازية الصغيرة. هؤلاء هم خريجو الجامعات الذين تلقوا تعليماً جيداً لكنهم اصطدموا بواقع اقتصادي منكمش وبيروقراطية عاجزة عن استيعاب طموحاتهم، مما جعلهم يشعرون بالاغتراب داخل أوطانهم، خاصة بعد سياسات "الانفتاح" التي أدت إلى تفاوت طبقي حاد وانحلال في المنظومة
القيمية التقليدية.
تفتقر أحزاب الإسلام السياسي إلى تمثيل طبقة بعينها، فهي لا تتبنى صراع الطبقات بمفهومه البنيوي، بل تنادي بـ "تشاركية اجتماعية" ضبابية، وهو ما يفسر غياب تأثيرها في الأوساط العمالية ذات الميول الاشتراكية. ويرى الأيوبي أن هذه الحركات لم تقدم نظرية حقيقية للدولة أو الاقتصاد؛ فرغم خروجها على الدولة الحديثة، إلا أن أدبياتها ظلت عاجزة عن استيعاب مفهوم الدولة العلمانية الحديثة، واكتفت بمحاولة "أسلمة" هياكلها القائمة. أما على الصعيد الاقتصادي، فقد كشف الكتاب أن تجربة البنوك الإسلامية وشركات توظيف الأموال لم تكن سوى إعادة إنتاج للرأسمالية التقليدية بمصطلحات فقهية، أو في حالات أخرى، تحولت إلى أدوات للاحتيال الهرمي والمضاربات التي لا تخدم
إنتاجاً حقيقياً.
إن انتشار شعار "الإسلام هو الحل" يعود في جوهره إلى أزمة الهوية وضعف الانتماء الوطني بمفهومه الحديث، حيث يمنح الإسلام "ثقافة فورية" تملأ الفراغ الناتج عن انكسار المشاريع القومية. وبما أن الإسلام يمثل الحضارة الشرقية الوحيدة التي وقفت تاريخياً كدعامة مكافئة للغرب، فقد صار الاستمساك به وسيلة لترميم "الذات المجروحة" التي تعرضت للانتهاك بفعل الاستعمار والسياسات الإسرائيلية. هذا الانزواء نحو الماضي ليس مجرد تدين، بل هو "نوستالجيا" تعويضية عن واقع مهزوم، ومحاولة لاستعادة أمجاد الخلافة كدرع نفسي ضد الهيمنة الغربية المعاصرة.