في الليالي المشابهة لا أستطيع النوم، فقط أستسلم لكر الخيبة وفرها حتى تجهز عليّ وتسلمني ليوم عمل شاق، ولكن في هذه الليلة، لم تكر الخيبة، ولم تفر، فقط جثمت فوق صدري، غرست نفسها من الداخل للخارج، والعكس، عاثت في صدري أولًا فركلت قلبي مرات ومرات، ثم تلاعبت بالهواء فكانت تشفطه ثم تنفخه فجأة، فلم أدر إن كنت أتنفسه أم أغرق فيه، ثم اندفعتْ إلى أحشائي بفورة مشتعلة أوشكت على شق بطني ولكنها اكتفت بالألم. تقلبتُ يمينًا ويسارًا بحثًا عن أي نفس فلم أجد، لم أكن مختنقًا حتى الموتْ، ولم يصل الهواء إلى عمق صدري كذلك، لم أكن راقدًا على ظهري، ولا جانبيّ، ولم أكن جالساً، كنتُ معلقًا من العرقوب، والدم يدق رأسي. لجأت إلى الحمام، فتعريتُ تمامًا وصببتُ ماءً قارصًا على جسدي فتمكنتُ بعد بضع شهقات من أن ألتقط أول نفس. ثم افترشتُ الحمام عاريًا، سألتُ نفسي: ما الأزمة يا يونس؟ أهو أول فشل؟ هل خيبت أملاً لم يعقده أحد عليك ؟ ربما كان ما حدث قبل أيام سعيًا موفقًا لوضع نهاية مستحقة لذلك الهوس الذي لا يثمر ولا يموت.
نذكر-وذكرانا غير مهمة- بأن سيرة الولد ليست كسيرة الأبطال، ولا البؤساء، وإنما هي قصاصات من الملل، وربما تكون الحكايا التي تتفلها أي جدة أو خالة أكثر دلالة، وأشد جذباً".
لا يتوقف طة سويدي في روايته الأولى، "العزومة" (2020) عن تذكيرنا بهامشية قصة بطله، وربما تفاهتها، عدم جاذبيتها، وافتقادها للدلالة أو القيمة. بإخلاص لصورة "ضد البطل"، لا يكتفي سويدي بنزع البطولة عن يونس شخصيته الرئيسية، بل وأيضاً يجرده بقسوة من الحق في المأساة. فإن كان محور الرواية المعاصرة هو الهزيمة الأكيدة للفرد، فإن "العزومة" تذهب أبعد من هذا، وهي تقوم بتسطيح الهزيمة نفسها، وعن عمد. تحول الرواية نقطة ارتكازها أكثر من مرة: رسالة غامضة، مجرد ملف "وورد"، صاحبه يختفي بعد تركه في عهدة آخرين، دعوة للعشاء لا يستجيب لها أحد، الغواية الكامنة في لامعنى الرسالة والحيرة أمام هامشية النصوص التي يحتويها الملف وغرضها، الانتهازية التي تقفز في وسط كل هذا، عن رحلة البحث - نصف البوليسية عن البطل الغائب، عن عالم مهمش، وأناس منسيين، عمال يتم تسريحهم من وظائفهم فيختفون، وتبتلعهم الأرياف التي أتوا منها، عن نظرات تلصص شهوانية لا يجرؤ البطل على سواها، وتنتهي دائماً بالنبذ والعار، عن صداقات لا تحدث، وطموحات تهبط، درجة وراء الأخرى، حتى تصل إلى لا شيء.
"أحطم مجدداً قراري بالتوقف عن ثرثرتي، هنا جئت لهذه الصفحات لأضمد الخيبة بالخيال"، بين كل تلك الخيوط المتشابكة، ورويداً رويداً، يتكشف المحور الرئيسي للرواية، الكتابة نفسها كموضوع للكتابة، كمهرب من الخيبة، النص بوصفه الشي الوحيد الباقي، ما يتركه صاحبه المختفي وراءه، انتصاره الأخير على من نبذوه، أو بشكل أدق انتقامه من العالم. يحاول يونس أن يجد في ورش الكتابة تعويضاً عن فشله في التمثيل عن وضعه المادي الصعب وعن حياته العاطفية الفاشلة وعن عمله اليدوي الذي لا يجتذب احترام أحد. تخصص الرواية قدراً كبيراً من مساحتها، للورش، ولتمارين الكتابة، للتعليق على كتابات الآخرين، على رسم الشخصيات والحبكة والسرد وعن بنية الجمل.
فجأة، وعند نقطة تلاقي خطين للسرد، يكتشف القارئ أن قصة يونس أو الولد، تروى مرتين في الرواية، يكتشف ذلك بأثر رجعي. مرة ببنية واقعية ولغة مباشرة، ومر ثانية بلغة نصف تراثية تركز على الجماليات، رمزية ببناء سحري يشبه قصص العفاريت والسِّير الشعبية. يبدو الأمر في جانب منه، كتعليق على الكتابة، على مستوياتها، أو ميتا سرد. كيف يمكن أن تحكى قصة مرتين، القصة نفسها، وبالكاد يلاحظ المتلقي هذه العلاقة المضمرة، تعليق على العلاقة بين المحتوى والقالب، الجماليات والمضمون، التعبير والتلميح، وأولوياتهما.
في معرض إبداء النصح للكتاب، يقول بورخيس: "عندما أكتب شيئاً أحاول ألا أفهمه، لا أعتقد أن للذكاء علاقة كبيرة بعمل الكاتب، إحدى خطايا الأدب الحديث عن امتلاكه الكثير من الوعي الذاتي". تبدو خطيئة "العزومة" في ذلك الشعور الذي يتسرب إلى القارئ، بإن كاتبها واعٍ بأدواته واستخدامها أكثر من اللازم. لغة سلسلة، جمل مقتصدة ودقيقة، بتدفق ناعم ومنضبط، يكتنفها قدر مناسب من الغموض وبعض الإثارة أيضاً. الشخصية الرئيسة مرسومة بتناقضات تترك المتلقي متردداً بين الشفقة والنفور، والعلاقة بين البطل يونس ورفيقه تتيح مساحة للصراع الدرامي، وهي محملة بخليط من الإعجاب والغيرة، الانسحاق ومحاولة نيل الاعتراف، المفاجأة تتركز في بنية السرد لا الأحداث نفسها.
تظهر كل تلك العناصر مجتمعة، أحياناً، وكأنها مدفوعة بطموح واحد، هو أن تكون تمريناً على الكتابة، وإثبات قدرة كاتبها على تشييد أركان نص روائي محكم، وبحسب القواعد، وبتنويع على الأدوات، لكن بلا أفق أبعد من هذا.
في النهاية، تبدو رواية "العزومة"، الأولى لصاحبها، واعدة عن حق، وإن كانت تظل مثقلة بعبء إدراك ذاتي أكثر من اللازم، عبء لا يحمله سويدي وحده، لكن في الأغلب الكثير من أبناء جيل جديد من الكتاب، لحسن حظهم أو سوئه، يعرفون الكثير عن تقنيات الكتابة.
الرواية الأولى للصديق طه سويدي، واللي بيعتمد فيها على تقنيات كتابية لطيفة وشجاعة الحقيقة. الرواية بتمشي في 3 خطوط سردية متوازية، طارق، يونس الفار، وسيرة الولد. أفضلهم الحقيقة من حيث المتعة كانت حكايات يونس الفار اللي اختفى في ظروف غامضة، وأفضلهم من ناحية الكتابة كان خط طارق اللي يوسف ساب ليه قصصه وهيبدأ يدور عليه بعد اختفائه. وأقلهم، وهختلف في ده مع أصدقائي هو خط سيرة الولد.
سيرة الولد هي حكايات يونس الفار ولكن بشكل شديد الرمزية، لكنه كان أقلهم بالنسبة ليا.
طه حاول واجتهد في شغله على الرواية، مبشرة جدا بروائي فعلا مجتهد وعنده أفكار حلوة وكتابة متماسكة، رغم النهاية اللي قد تكون غامضة واللي أظن هو محبش يغامر بإنه يحط ليها سيناريو معين عشان متكونش محبطة.
يمكن بس من تعليقاتي إنه حاول يحط كل أفكاره وكل اللي عاوز يقوله في الرواية، يمكن ده إحساس وصل ليا، لكن مكانش مضر خالص بسير الرواية أو تأثيره على الحكاية، مجرد رغبة في وضع الأفكار داخل النص، وده مفهوم جدا.
سيرة الولد ليه بقى كانت أقل الخطوط اللي في الرواية؟ الحقيقة إنه أنا مقتنع إنها محتاجة تكون مشروع لوحدها، متوالية قصصية لوحدها، أنا مش رافض وجودها بس طبعا هي وجهات نظر مش أكتر. وفي الآخر الكاتب هو سيد قراره، وبرضو القارئ.
هكون متحمس للفكرة الجاية لطه، أظن جزء كبير من نجاحه المستقبلي إن شاء الله هيكون أفكار كويسة تخطف وشغل محترم ومزج بين ألوان كتابة وواقع. الفكرة هنا مقصدش بيها إنه اخترع حاجة محدش جابها، لأ، هو اشتتغل على فكرة مش هتحس إنها جديدة، لا حكاية ممكن تسمعها بس الفكرة في الكتابة عنها وإزاي تدخلك تدريجيا جواها، والأهم إزاي تحس إنها قريبة منك. هو طبعا سلاح ذو حدين، بس المرة دي نفعت وصابت..
أظن في اتفاق على إن اسم الرواية قد يكون في أفضل منه، لكنه ضمنيا أهم حدث، أو القشة اللي قصمت ظهر يونس واتطورت بعدها الأحداث للشكل ده، طبعا مش الحدث الرئيس وقد يكون موقف تافه قصاد اللي هتقرأ عنه، لكن حدث فاصل، اللي قبل مختلف تماما عن اللي بعدها.
طبعًا أنا شهادتي مجروحة ولكن لا يمنع أن أقول رأيي وبكل صراحة. أجمل ما في الرواية التعاطف الذي وضعه الكاتب في قلوبنا لأبناء الطبقات المجتمعية الأخرى، والتي أرانا الكاتب من خلالها كم من السهل أن نقع في مصيدة العنصرية. الجزء المفضل لي من الكتاب هو سيرة الولد. مختلفة كثيرًاعن باقي الرواية وبها طابع مظلم ولكن جميل.
لغة الكاتب هي أجمل ما في الكتاب. لغة سهلة وممتعة جدًا وبها تعبيرات رائعة ومختلفة.
I don’t usually finish books in less than three sittings, but this one I did finish in one night. Def a page-turner! I stayed up without even knowing, I loved the short stories, the language, the Egyptian dialect and esp the characters.
It was great watching Tarek figure out all the little things that add up to Younis as a person, starting with his diaries and then his short stories . The collection of human feelings one could experience reading this novel is so intense, you go from anger and disgust into sympathy and sadness in a matter of pages.
I'd say the only thing that bugged me a little as a reader was the open ending, but looking back at it now it adds to the mysterious atmosphere the author created for Younis from the beginning so it was better left open like that.
This read was such a great breeze.. Strongly recommend!
الرواية الأولى لطه سويدى، بعد مجموعة قصصية سابقة لم أصادفها، كما أننى لم أقرأ للكاتب من قبل...
بدأت تصفح الرواية دون نية حقيقية لإكمالها فى الوقت الراهن، ولكنى سريعا دخلت فى أجواء الرواية واندمجت مع أبطالها...
الرواية بها صوتان، يبدأ يونس الحكى عبر مذكرات تركها قبيل اختفائه، ثم يكمل طارق الحكى فى النصف الثانى من الرواية، ويتخلل النصف الأول بعض القصص التى كتبها يونس تحت اسم ( سيرة الولد... ) فتكون خطا سرديا ثالثا، يرتبط ارتباطا رمزيا بالخط الأساسى للرواية.. لو كان لى حق النصح لنصحت بحذف تلك الفصول، لأنها بدت لى مصنوعة وبها زيادة تأكيد وإلحاح على ما فهمناه ضمنا من الخط الأصلى الرواية، ولكن الخبر الجيد أنها الجزء الأصغر فى روايتنا.. أما الخط الأصلى، سواء على لسان طارق أو يونس، فاتسم بالسلاسة والاسترسال وانضباط الايقاع من وجهة نظرى، وخصوصا فى الفصول الأخيرة... فلم تقع الرواية فى عيوب منتشرة مؤخرا، مثل الإطالة غير المطلوبة، أو المباشرة، أو التزيد.
عمل جميل، وممتع، يشير بين حين وآخر للروايات والأفلام التى يدين لها الكاتب، مشوق ومناسب لأجواء الحظر، وبما إنه العمل الأول لكاتبه فأتوقع وأتمنى أعمالا أكثر تميزا مستقبلا
قصة داخل قصة داخل قصة. مشاعر متضاربة تشعرها عندما تقرأ العزومة، يبرع الكاتب بتذكيرك بعيوب الشخصيات أو بالأحرى بإنسانيتها كلما تتعاطف مع موقف يحدث لهم. للحكاية تطور جميل، تجد نفسك تقلب الصفحات الأخيرة بنهم لتعرف النهاية و لكن للكاتب ذكاء في آنه قادك لإستنتاج النهاية قبل أن تقرآها، و سهل عليك أن تتصالح مع الأحداث. هناك كتب معينة تجعلني أتسائل هل يحب الكاتب شخصياته، أم يكرههم، هل يذكروه بأحد أم تم استيحائهم من أشخاص حقيقيين، أم هم انعكاس من الكاتب نفسه، أحب هذه التساؤلات لانها بالأغلب محيرة و جانبية و لا تؤثر على تقييمك لما تقرأ. و هذه الاسئلة ليست بأهمية المشاعر والافكار و الآراء التي تلهمها هذه الشخصيات فيك. قصة الفتى بدت لي في بعض الأحيان غامضة، لم تشدني بقدر قصة يونس و طارق. لكن الأوجه المتعددة للكتاب أضافت الكثير من النكهة للقصة.
"أوليس هذا عين الطمع يا يونس؟ أن تريد حياة غير الحياة؟"
"لم يمت بطلاً ولكن مات كالفرسان بحثاً عن بطولة" كان يتردد في أذني شعر نجيب سرور أثناء قراءة رواية العزومة للكاتب طه السويدي، رغم أن شخصيتها الرئيسة "يونس" لم يكن بطلًا، ولم يبحث عن بطولة، ولم يمت فارسًا، بل كان إنسانًا عاديًا ربما مأساته في عاديته تلك. هناك أسباب عديدة تجعل من رواية العزومة رواية ممتعة ومتقنة البناء في الوقت نفسه؛ أولها ذلك البناء الذي اختاره الكاتب وهو يشيد معمار عمله، فقد فتت حكاية يونس الفار ذلك الشاب البائس الذي يعمل سباكًا رغم حصوله على شهادة جامعية مُتخبطًا في طموحاته ما بين حبه للمسرح، وفشله في تحقيق نجاحٍ يُذكر، ومحاولاته في عالم الأدب التي بدأها من خلال التحاقه بورشة لتعليم الكتابة، يقوم يونس بعمل "عزومة" دعا إليها زملاء ورشة الكتابة، وزملاءه في المصنع، وزملاءه في المسرح الذي يعمل فيه مجرد "ميكانيست"، لكن لم يحضر أي شخص لتلك العزومة، كلهم تجاهلوه، وسخروا منه، ومن هنا تفاقمتْ مأساة يونس، فهو لم يلق القبول في أي مكان التحق به، لقبح خِلقته، أو عدم ثقته في نفسه، ومقدرته على كسب الأصدقاء والمحبين، حتى علاقته بفتاة المسرح "نجلاء" انتهت بالفشل بسببه هو. يُحسب للكاتب أنه لم يخلق حالة من الميلودراما رغم أن مأساة يونس تدعو إلى ذلك، بالعكس استطاع أن يسخر من كل شيء على لسان البطل، يسخر من ذاته، ومن واقعه، ومن حبه، ومن أبيه الهرم الذي تزوج من أمه كبيرًا فأنجبه ثم مات ليتركه في صراع مع أخوته غير الأشقاء الذين لا يريدون أن يعترفوا به، ولا أن يمنحوه نصيبه من ميراث أبيه الميسور. من عوامل البناء الجيد لتلك الراوية كما قلت أن الحكاية مروية بعدة أصوات، الصوت الأول يونس نفسه، والصوت الثاني طارق زميله في الورشة، الذي تشهد الرواية على تحولات في شخصيته كان سببها يونس نفسه، وهناك صوت الراوي العليم الذي كان عبارة عن حكايات كتبها يونس تحكي سيرة شعبية لشخصية هي المعادل الموضوعي لشخصية يونس نفسه، غيَّر فيها الكاتب دفة الحكي، وجعله شفاهيًا، بلغة رواة السير الشعبية، وأصحاب الرباب؛ وذلك يبدو من خلال عناوين الفصول (سيرة الولد حكاية عادية جدًا – سيرة الولد في أرض الزبد – سيرة الولد في أرض الذرة – سيرة الولد الحدباء – سيرة الولد صندوق الظل –سيرة الولد يوم عادي) وبذلك يكون الكاتب نوع في طريقة السرد، ما بين حكي مباشر في يوميات يونس المكتوبة، وتلك السيرة، تنقل ما بين هذين المستويين ببراعة واقتدار. هناك نقاط يمكن تلمسها من خلال حكاية يونس وطارق وبإفراط في التأويل المقبول يجعلنا نعتبر أنهما صدى لشخصية واحدة، وكل واحد يعبر عن نقيض صاحبه، فيونس قبيح الوجه، في حين أن طارق وسيم، الأول فاقد الثقة غير قادر على الإنجاز رغم موهبته، بينما الثاني قادر على الظهور في شكل المبدع المتمكن، الذي يجذب إليه الأنظار، يونس يعيش مأساة حقيقية، وطارق كل مأساته هو خوفه أن يترك عمله بعد مدة؛ فهل جعل الكاتب شخصية الثاني تجليًا للأول؟! وبذلك تكون الرواية من خلال جودة سبك البناء السردي وتحقيق الإمتاع في آن واحد، لم تعبر عن مأساة الفرد في عالم المدن الكبيرة كالقاهرة التي تسحق ساكنيها والمارين بها بل سخرت واستهزأت من تلك الهزيمة، وجعلت من "هامشيتها" وربما تكرار الممل حدثًا غير ذي بال مثل يونس الفار نفسه.
تبدو الحكاية عادية بل يصارحنا المؤلف أنها عادية لدرجة الملل ولا يُمسك عن تكرار ذلك وكأنه يتبرأ من الملل الدنيوي إجمالا لا ذلك الذي ينسرب من دفاتر البطل يونس. ورغم أنها حكاية عن العاديين الذين يضيعون في السكك البعيدة وهم لا يبرحون أماكنهم نجد، طه سويدي، في روايته الأولى "العزومة"، يمزج العادي بالمختلف ليكوّن الآخر الذي نحيطه بالريبة ونتركه هامشيا لأنه لا يشبهنا رغم أنه، وفي الحقيقة، لا يمثل سوى ذواتنا الراقدة بين تلال التجاهل الجاثمة فوق صدورنا لعشرين ألف سنة أو يزيد. ولأن القصص العادية جدا ما هي إلا انعكاس للواقعية الشديدة جدا؛ فارتأى سويدي أن يُجرّب، وحسناً فعل، الكتابة المضادة بسحب القارئ إلى عالم سحري له مبرره الدرامي عبر "سيرة الولد" وفي ذلك كسر ذكي لسيرة البطل الأصلي لكنه لا يخلو من استعراض لمهارة الروائي كقاص. وعلى ما في سيرة الولد من شطحات الخيال وسرعة الحركة نستشعر فيها نفس الضجر الذي يمشي كتفا بكتف مع البطل يونس، ذلك الضجر الذي يجعله مستعدا لبذل أي شيء مقابل ألا يولد أبدا.. ولو أننا عقدنا كل الأحداث في خيط واحد تكون بين أيدينا "سيرة الولد يونس". وعلى ذلك تبدو "العزومة" مشروع كتابي شديد الشبه بسينما محمد خان التي تصنع أبطالا من أولئك الذين يتفرجون على الأبطال المصطنعين.. التي تخلق من الجمهور العادي قصصا تحكيها الجدات في ليالي الأرق. لكن سويدي لا يتوقف عند ذلك بل يقدم لنا الأبطال المصطنعين أنفسهم ليعلنوا بدورهم الرفض، الرفض الذي يتنوع بين أنفسهم ودوائرهم وأولئك الذين يحاولون إسدال الستار على الدناءة. وعلى قدر ما نُسج السرد بخيوط متينة من الاستعارات والتشبيهات والنجاة من الإطالة، انفرطت جمل حوارية طويلة لا تدعم الحكي، نجد المشروح في أكثر من موضع يُعاد على لسان الشخصيات. أما العنوان فهو بلا شك مجحف للرواية فيبدو خفيفا لا يناسب ثقل المطروح عبر السردين الروائي والقصصي، صحيح أن العزومة كانت هي السبب الأخير لاختفاء البطل لكنها تظل سببا أخيرا وربما لا تكون أصلا هي آخر ما دفع البطل لترك كل شيء؛ فيونس مشى مخلفا وراءه كل الاحتمالات. وعلى نفس درب العنوان جاءت النهاية غير متماشية، في رأيي، مع الخط الواقعي للرواية إذ حاولت أن تعطي أملا للموهبة بعدما تسيدت الرداءة العالم.. لكنها ربما تكون نهاية مثالية لأولئك الذين مازالوا ينتظرون حدوث الفرج. أخيرا.. هي رواية تستحق القراءة لما بها من إمتاع على مستويات الإحساس بالكلمة والإخلاص للفكرة وجرأة التجريب، وحتما سينهل الموهوبون والحالمون باللحاق بركب الموهبة هذا النص بذائقة مختلفة؛ إذ أنه تجاوز الخيبات الذاتية المعتاد تقديمها في العمل الأول للكاتب ليتبنى كل الخذلان الذي يصيب من ارتموا بحقيقة أو وهم الكتابة.
في البداية أحيي الكاتب على استخدام أسلوب كتابة ممتع و شيق ، لغة قوية تبعث بداخلك السعادة - برغم من صعوبة بعض الكلمات و تكرار بعض منها بصورة مبالغ فيها- حيث عانينا كثيرا من روايات كثيرة ركيكة اللغة و سيئة الأسلوب، نأتي للرواية حيث أنها انعكاس لشخصيات كثيرا ما نجدها، شخصيات ممتلئة باليأس، الحنق، الكبت، السخط و الإحساس بالضع و الحطة و الدونية و الاستسلام لهم في كثير من المواقف، أكثر أجزاء الرواية تشويقا هو عملية البحث عن يونس و بصورة جميلة نعود لزيارة أماكن حياة يونس مرة أخرى، أكثر أجزاء الرواية روعة هو الحدباء؛ لم يستقر الولد و أكمل حياته بجوار الحدباء ؟ سؤال يجب طرحه ، لم الاستغناء عن العسل و اللبن و الارتحال لم هو أقل بكثير من ذلك !؟ وجب الاعتراف مع نهاية الرواية فقد اجتاحني شعور عظيم بخيبة أمل بالرغم من واقعية النهاية و تقبلي لها إلا أنه كان من الممكن الوصول ل يونس عن طريق كتاب طارق يعلن فيه أنه يبحث عنه. في انتظار المزيد من الكاتب ليمتعنا فيما هو قادم من روايته
الرواية بتحكي عن يونس، مهمش ويائس ووحيد ومتخبط في الحياة. وبيحكي يونس أيضا سيرة أسطورية او تراثية، لحكاية ولد. سيرة الولد من أجمل ما يكون، تنفع متتالية قصصية منفصلة بذاتها، لغتها وتكوينها جميل للغاية. يوميات يونس كانت اقل جمالا، لكنها حكاية نعاصرها ونعرفها. يونس ارسل ملف فيه يومياته وسيرة الولد، لصديق ثم اختفى وعبر صفحات الرواية بنقرأ ما تبقى من يونس بعد رحيله. النهاية مكنتش بنفس القوة، بس في المجمل الرواية جميلة، خصوصا سيرة الولد.
رواية العزومة من الروايات الرائعة التى تستحق القراءة. استطاع الكاتب انى يحكى الاحداث بسلاسه وقدر من المتعة والتشويق بدون ما القارئ يحس بالملل. عجبنى جدا طريقة وصف الاماكن والشخصيات بالذات شخصيه بيومى ونجلاء. كمان طريقة سرد الحوار بين الشخصيات لطيفه جدا. سيرة الولد اكتر ما اعجبنى ف الروايه بشكل عام. نهاية الروايه عظيمة جدا مثل بدايتها. والاهم انها بتعلمك انك لازم تفكر قبل ما تحكم ع اى حد يمكن حتى قبل ما تحكم على نفسك. واخيرا بتمنى للكاتب كل النجاح والتوفيق ، وفى انتظار الكثير من الاعمال الناجحة ان شاء الله.
يكفيني ما استمتعت به من لغة وسرد الكاتب. تصوير مؤلم ورائع للمهمشين. شخصية يونس جذابة للغاية. يتلاعب بنا طه السويدي بحكيه الشيق والممتع عن الملل, ولكن في نهاية الأمر لم تعجبني الحبكة. شكرا طه السويدي
"الحلم باهظ الثمن يا يونس، ولكن من ذاق لا يسلو. رأيت أنت يا يونس الخيط بين الصبر والتناسي، فبحثت عن حلم استكثرناه عليك. ورضيت أنا بالتناسي فنلتُ كفايتي من الوهم. سأعتذر الآن منك، لأنيي سأتوقف عن البحث وأبدأ بالكتابة... عنك."
دائما ما أحببت القصص والروايات التي تنتهي بالتيه والاختفاء... في اعتقادي أنها تكون نهاية تليق بأبطالها. لكن هذه الرواية لا تتحدث عن بطل خارق ولا عن فارس من آخر الزمان ولا حتى حتى سيرة من سير الأولين... إنها –وكما يؤكد المؤلف- حكاية عادية بل تغرق في عاديتها بكل شيئ. لا يوجد ما يجعل منها حكاية أسطورية لبطل يحارب الحياة ويتنزع منها ما يخصه... إنها عن أحد هؤلاء الفاشلين الذين خسروا كل شيئ... وأقصد هنا كل شيء فقط كي يجدوا أنفسهم – بشكل ما في التيه والنسيان. استهلال الرواية كان مُحير وهو أمر شاركنا في المؤلف من البداية باعترافه أنه لا يكتب قصة عن بطل خارق أو سيرة من سير الفرسان. لكن تكرار كلمة (الملل) كان ممل... رغم وضوح الهدف منه في (سيرة الولد)، الحياة عموما ذات إيقاع بطيء و ممل أحيانا، زي حياة يونس اللي هوا مش بطل ومش فارس دا مجرد شخص (عادي) وحياته مليئة بالتفاصي المملة العادية ودا شيء طبيعي جداً... كل ما يفعله الإنسان يومياً بشكل روتيني واعتيادي هو شيء عادي وممل أيضا. "يونس الفار" قد يبدو الاسم كأنه لا يحمل أي مغزى – ربما – لكن يونس كان يحاول الفرارً دائما من الماضي الذي كان يلاحقه رغما عنه. أبوه صاحب الديوان الذي انتصب أيره على آخر أيامه محدثا صراخ يونس الرضيع، أمه الخادمة السوداء التي ورث عنها لونه وخزيه المختفي من نفسه رغم عدم بوحه بذلك، إخوته! عائلته التي تتنكر له. وجهه القبيح، فشله في عمل لائق، فشله في صنع أي صداقات حقيقية، فشله في التمثيل والكتابة. كان يحمل هم نفسه عندما يتكلم ويرى وجهه في المرآة، كان يحمل هم أمه في القرية البعيدة، ويتنكر لأبوه ويلعنه، ويسب إخوته ويكرههم. كان مريضا بكل شيئ. رغماً عنه. كان لابد أن يواجه ما يلاقيه وحده. حتى لو تمنى أن يدفع حياته وكل شيء فيها، في مقابل ألا يولد أبدا... (رغم السنين والارتحال والهربو والانسلاخ، فإنني مستعد لبذل أي شيئ في مقابل ألا أولد أبدا.) لكن يونس لم يكن مقهورا تماما... أعتقد أنه استحقاق المآل من الأفعال وهو استحق بعض من مآله، هذا التماهي والضعف لا يصنعا بطلا قويا يستطيع أن يواجه هذه الحياة الجافة الصلبة... كان يونس يجد اللذة في الخسارة، ويبحث عنها بنفسه ويتجه إليها بقدميه. لابد أن أؤكد أن كتابة قصة عن قصة مكتوبة هو أمر شديد الصعوبة، يزداد الامر صعوبة عندما يكون كاتب القصتان هو نفس الكاتب، فعليه أن يفكر تفكيرين ويرى نظرتين ويضع لهما الخطوط كي يلتقيا ثم لماذا هما بالتحديد – هما عن سائر القصص – عليها ان يتقابلا في وقت ما من الكتابة ويصطدما (ويتخانقوا) ويفضوا الاشتباك... لابد أن تكون إحداهما على الأقل مثيرة للاهتمام كي تلفت انتباه القصة الاخرى وتستدعي انتباه القاريء. تداخل الخط الدرامي مع القصة في الخلفية والتنقل بين الخطوط كان سلس ومن غير تعقديات كتير. مسرح دوار بيلف مشهد عليه الدور من قصة الراوي ومشهد وراه من قصة البطل. مستويات السرد كانت بتنتقل من الراوي العليم للراوي المتكلم المشارك بسهولة حسب دور مين على المسرح لكن الراوي العليم في سيرة الولد أبطل الحميمية في نقل القصة (وصل – سمع – سرت... ) ص49 سيرة الولد في أرض الزبد
ص 13 وصف الخيبة (في الليالي المشابهة لا أستطيع النوم فقط استسلم لكر الخيبة وفرها حتى تجهز عليّ...... في هذا اليوم لم تكر الخيبة ولم تفر، فقط جثمت على صدري غرست نفسها من الداخل للخارج والعكس...) ما تفعله الخيبة (عاثت في صدري أولا فركلت قلبي مرات ومرات ثم تلاعبت بالهواء فاكنت تشفطه ثم تنفخه فجأة. فلم أدر إن كنت أنفخه أم أغرق فيه...) تطور شعور الخيبة (أمضيت بعد ذلك أياما لم تقس الخيبة خلالها عليّ، وإنما اكتفت بحضور ثابت بطعم الخبز المحروق...)
[image error]
== = ص112 هل الحزن هو أبوك الشرعي يا يونس؟ === وفيه تراكيب لغوية كتير لفتتني وعلمت عليها، محتاج اكتب كتير منها. النهاية جميلة، مفتوحة هادية بدون إززعاج، مفتكرش إن هدف الرواية إننا نلاقي يونس في آخر الرحلة ويكون عايش حياة بسيطة وجميلة احنا شايفين إنه يستحقها لمجرد تعاطفنا مع الولد اللي اتظلم في حياته بسبب أمه وشكله الدميم ولون بشرته الأسود وووو... شفقة القارئ لا محل في مصير الشخصية أو استجقاقها الغير مبرر. لغة الكتابة كانت رائقة جدا وبسيطة ودا معناه شغل وتحرير كتير واضح. طه يمتلك أدوات سردية قوية، محتاج يشتغل على قوة الأحداث اللي بتدفع الشخصية للتحول الأسطوري في حياتها. نقطة أخيرة خاصة بمصائر الشخصيات، اللي المفروض إنها تقع في إيد المؤلف، وهو مجرد تساؤل برئ، هل يجب على المؤلف أن يتعامل مع شخصياته ببعض الرأفة والرحمة؟ أم يجب عليه أن يكون موضوعيا في اختياره لمصائرهم؟ وإلا فلم كان يونس يسير الطريق كي يصل طارق إلى نهايته!