يرتدي ملابس المدرسة في صحراء بعيدة.. يخرج قبل الختمسة فجرا كي يدرك طابور الصباح.. يؤوب وقد شارفت الشمس على المغيب.. رجوع الى الرمل بشروط المدينة.. لا ذئب,لا بيت شعر, ولا حنين ناقة.. غرف صفيح ثابتة ..وعزلة طويلة.. زنصف سفر الى منفذ السالمي الحدودي.. قبل وصول القاعدة الجوية؛ ينحدر عن الطريق الى اليسار.. وعلى مسافة حلم وثلاثين دقيقة مشيا على الاقدام يصل الى ((الفريدة)).. جرداء الا من شجيرات شاحبة,وضبان وعقارب.. وصمت طويل وكثير من لعواصف الرملية.. وسراب ممتد تحت ابراج الكهرباء الضخمة التي تذهب بغيدا دون ان تلتفت اليه.. مثل سيارات الطريق التي تتجاهل وقوفه في ناصية الشارع ويده الممدودة تطلب((توصيلة)) دون استجابة .. كان طفلا متعلقا برائحة البرتقال.. هاربا من البرد ووجه ام ذهبت ولم تعد..
يأخذنا المسعودي في هذا الكتاب إلى ذكريات الزمن الجميل "زمن الطيبين"، حين كان للمعلم مهابةً، وللتفاصيل الصغيرة لذةً حقيقية، يرجع بنا ٤٠ سنةً للوراء، لمقاعد الدراسة الابتدائية، فالإعداية فالثانوية والجامعية، انتهاءً بمرحلة العمل.. .. كذلك يحكي لنا كيف أصبح أغلب معلميه زملاءً له في المهنة الصحفية، مضمناً كمية من المواقف الانسانية التي مرّ بها بصحبة زملائه ومعلميه، وبعضاً من المواقف الطريفة التي تنشرح لها النفس.. .. الرأي الشخصي: سرد لنا الكاتب حكاية طفولته وشبابه، وتطرّق إلى ذكر بعض مواقفه مع معلميه، وقد كرّر بأن المعلم هذه الأيام لم يعد كالسابق _يسعى لكسب قلوب طلابه، بالقلب الحنون والنصيحة الأبوية قبل أن يكون هدفه التعليم فقط_.. ولكنني أخالفهُ بشدة في هذه النقطة بالذات، صحيحٌ أن بعضاً من المعلمين تجردوا من الأمانة ولم يعد هدفهم سوى التعليم بأي طريقةٍ كانت ولو بطريقةٍ منفره؛ ولكن الخير لا يزال موجوداً، لا زالت المدارس تحتضن بين جنباتها ثلةٌ من المعلمين المتميزين، أصحاب المشاريع التربوية الرائدة، والفكر المستنير، والخُلُق الراقي.. ولا يزال بعضهم أحرص من الأبوين على طلابه أخلاقياً وعلمياً، فوجود بعض المعلمين عديمي الضمير لا يُلغي وجود الكثير ممن لا زالت قلوبهم وضمائرهم مستضاءةٌ بحس المسؤولية تجاه طلابهم ووطنهم، فالوطن يستحق أن نفني أعمارنا لأجله..
من المرات القليلة التي أقرأ فيها كتابا وأشعر فيها أن الكاتب كتب لي عنّي هل كانت طفولتنا متشابهة إلى هذا الحد؟! هل ظروفنا ومشاكلنا وهواياتنا كانت واحدة شكلتها البيئة؟!
تجربة جميلة عن الطفولة والمدرسة والأحلام، كتابة باعثة على الـتأمل، نوستاليجا لزمن مضى بكل ما فيه، سيرة ذاتية مفعمة بالصدق والتلقائية والمكاشفة، من أجمل ما كتب علي المسعودي