Jump to ratings and reviews
Rate this book

تنزيل السكينة على قناديل المدينة

Rate this book
فتاوى الإمام السبكي 1/264[تَنَزُّلُ السَّكِينَةِ عَلَى قَنَادِيلِ الْمَدِينَةِ]
(فَصْلٌ) لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ كِتَابٌ سَمَّاهُ (تَنَزُّلُ السَّكِينَةِ عَلَى قَنَادِيلِ الْمَدِينَةِ) وَهُوَ هَذَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْعَدْنَا بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعَادَةً لَا تَبِيدُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْهَادِي إلَى كُلِّ أَمْرٍ رَشِيدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - صَلَاةً تَلِيقُ بِجَلَالِهِ لَا تَزَالُ تَعْلُو وَتَزِيدُ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلَى يَوْمِ الْمَزِيدِ، وَبَعْدُ.
فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ خَيْرٍ أَنَا فِيهِ وَمَنَّ عَلَيَّ بِهِ فَهُوَ بِسَبَبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْتِجَائِي إلَيْهِ وَاعْتِمَادِي فِي تَوَسُّلِي إلَى اللَّهِ فِي كُلِّ أُمُورِي عَلَيْهِ فَهُوَ وَسِيلَتِي إلَى اللَّهِ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ وَكَمْ لَهُ عَلَيَّ مِنْ نِعَمٍ بَاطِنَةٍ وَظَاهِرَةٍ، وَأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ وَقَعَ كَلَامٌ فِي بَيْعِ الْقَنَادِيلِ الذَّهَبِ الَّتِي هِيَ بِحُجْرَتِهِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي هِيَ عَلَى الْخَيْرِ وَالتَّقْوَى مُؤَسَّسَةٌ لِيُصْرَفَ ثَمَنُهَا فِي عِمَارَتِهَا وَعِمَارَةِ الْحَرَمِ فَحَصَلَ لِي مِنْ ذَلِكَ هَمٌّ وَغَمٌّ فَأَرَدْت أَنْ أَكْتُبَ مَا عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ وَأُقَدِّمَ حَدِيثًا صَحِيحًا يَكُونُ فِي الِاسْتِدْلَالِ مِنْ أَوْضَحِ الْمَسَالِكِ فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالْهِدَايَةُ إلَى سَوَاءِ الطَّرِيقِ:
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قُلْت لَهُ: قُرِئَ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَأَنْتَ حَاضِرٌ أَنَّ أَبَا الْوَقْتِ أَخْبَرَهُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّاوُدِيُّ أَنَا ابْنُ حَمَوَيْهِ أَنَا الْفَرَبْرِيُّ أَنَا الْبُخَارِيُّ، وَأَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ آخَرُونَ قَالُوا: سَمِعْنَا الْحُسَيْنَ بْنَ الْمُبَارَكِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إلَى الْبُخَارِيِّ وَزَادَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَا أَبُو عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ أَنَا مَنْصُورٌ أَنَا الْفَارِسِيُّ وَالسُّحَامِيُّ وَالشَّادْيَاخِيُّ سَمَاعًا وَأَبُو جُدَيٍّ إجَازَةً قَالَ الْفَارِسِيُّ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ وَأَبُو جُدَيٍّ أَنَا سَعِيدٌ الصُّوفِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ النَّسَوِيُّ.
وَقَالَ السُّحَامِيُّ وَهُوَ وَجِيهٌ وَالشَّادْيَاخِيُّ وَأَبُو جُدَيٍّ أَنَا الْحَفْصِيُّ ثنا الْكُشْمِيهَنِيُّ قَالَا أَنَا الْفَرَبْرِيُّ ح وَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنُ سُلَيْمَانَ الشَّافِعِيُّ أَنَا أَبِي أَنَا مُنْجِبٌ أَنَا أَبُو صَادِقٍ أَنَا كَرِيمَةُ أَنَا الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا الْفَرَبْرِيُّ أَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ بَابُ كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ثنا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ثنا سُفْيَانُ ثنا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جِئْت إلَى شَيْبَةَ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ثنا سُفْيَانُ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْت مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الْكُرْسِيِّ فِي الْكَعْبَةِ فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا الْمَجْلِسَ عُمَرُ فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إلَّا قَسَمْتُهَا. قُلْت: إنَّ صَاحِبَيْك لَمْ يَفْعَلَا قَالَ: هُمَا الْمَرْءَانِ أَقْتَدِي بِهِمَا. وَبِالْإِسْنَادِ إلَى الْبُخَارِيِّ قَالَ كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ثُمَّ قَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ: بَابُ الِاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74] قَالَ أَئِمَّةٌ نَقْتَدِي بِمَنْ قَبْلَنَا وَيَقْتَدِي بِنَا مَنْ بَعْدَنَا.
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: ثَلَاثٌ أُحِبُّهَا لِنَفْسِي وَإِخْوَانِي هَذِهِ السُّنَّةُ أَنْ يَتَعَلَّمُوهَا وَيَسْأَلُوا عَنْهَا وَالْقُرْآنُ يَتَفَهَّمُوهُ وَيَسْأَلُوا عَنْهُ وَيَدَعُوا النَّاسَ إلَّا مِنْ خَيْرٍ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْعَبَّاسِ ثنا سُفْيَانُ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْت إلَى شَيْبَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ قَالَ: جَلَسْت إلَى عُمَرَ فِي مَجْلِسِك هَذَا فَقَالَ: هَمَمْت أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إلَّا قَسَمْتَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَقُلْت مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ قَالَ لِمَ فَقُلْت لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبَاك قَالَ هُمَا الْمَرْءَانِ يُقْتَدَى بِهِمَا.
وَأَخْبَرَنَا الْحَافِظُ الْإِمَامُ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الدِّمْيَاطِيُّ أَنَا ابْنُ الْمُقَيِّرِ سَمَاعًا أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ إجَازَةً قَالَ: أَخْبَرَنَا الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ إجَازَةً قَالَ ابْنُ الْمُقَيِّرِ وَأَنَا ابْنُ نَاصِرٍ إجَازَةً أَنَا ابْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ
وَابْنُ الْفَرَّاءِ وَالْمَاوَرْدِيُّ سَمَاعًا قَالَ ابْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ وَالْفَرَّاءُ أَنَا الْخَطِيبُ سَمَاعًا.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ التُّسْتَرِيُّ قَالَ الْخَطِيبُ وَالتُّسْتَرِيُّ أَنَا أَبُو عَمْرٍو الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ ثنا أَبُو دَاوُد قَالَ بَابٌ فِي مَالِ الْكَعْبَةِ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ شَيْبَةَ يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ قَالَ قَعَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي مَقْعَدِك الَّذِي أَنْتَ فِيهِ فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى أَقْسِمَ مَالَ الْكَعْبَةِ. قَالَ: قُلْت مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ قَالَ: بَلَى لَأَفْعَلَنَّ قَالَ: قُلْت مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ قَالَ لِمَ؟ قُلْت لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَأَى مَكَانَهُ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا أَحْوَجُ مِنْك إلَى الْمَالِ فَلَمْ يُحَرِّكَاهُ فَقَامَ فَخَرَجَ.
وَأَخْبَرَنَا الْقَاضِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ السَّقَطِيِّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ بَاجَا إجَازَةً أَنَا أَبُو زُرْعَةَ سَمَاعًا لِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمُقَوِّمِيُّ إجَازَةً إنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًا ثُمَّ ظَهَرَ سَمَاعُهُ أَنَا أَبُو طَلْحَةَ الْخَطِيبُ أَنَا ابْنُ بَحْرٍ ثنا ابْنُ مَاجَهْ قَالَ بَابُ مَالِ الْكَعْبَةِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا الْمُحَارِبِيُّ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ بُعِثَ رَجُلٌ مَعِي بِدَرَاهِمَ هَدِيَّةٍ إلَى الْبَيْتِ قَالَ: فَدَخَلْت الْبَيْتَ وَشَيْبَةُ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ فَنَاوَلْتُهُ إيَّاهَا فَقَالَ: أَلَك هَذِهِ قُلْت: لَا وَلَوْ كَانَتْ لِي لَمْ آتِك بِهَا قَالَ أَمَا لَئِنْ قُلْت ذَلِكَ لَقَدْ جَلَسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَجْلِسَك الَّذِي أَنْتَ فِيهِ فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى أَقْسِمَ مَالَ الْكَعْبَةِ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ. قُلْت مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ قَالَ: لَأَفْعَلَنَّ قَالَ وَلِمَ قُلْت لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ رَأَى مَكَانَهُ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا أَحْوَجُ مِنْك إلَى الْمَالِ فَلَمْ يُحَرِّكَاهُ فَقَامَ كَمَا هُوَ فَخَرَجَ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ عُمْدَةٌ فِي مَالِ الْكَعْبَةِ، وَمَالُ الْكَعْبَةِ هُوَ مَا يُهْدَى إلَيْهَا أَوْ يُنْذَرُ لَهَا وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْلَطَ وَتَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ يُصْرَفُ إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الِاهْتِدَاءُ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى مَكَّةَ أَمَّا إذَا كَانَ إلَى الْكَعْبَةِ نَفْسِهَا فَلَا يُصْرَفُ إلَّا إلَيْهَا وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ: وَإِنْ نَذَرَ الْهَدْيَ لِلْحَرَمِ لَزِمَهُ فِي الْحَرَمِ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَدْ نَذَرَ الْهَدْيَ لِرِتَاجِ الْكَعْبَةِ وَعِمَارَةِ مَسْجِدٍ لَزِمَهُ صَرْفُهُ فِيمَا نَذَرَ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إذَا نَذَرَ أَنْ يَجْعَلَ مَا يُهْدِيه فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ وَتَطْيِيبِهَا قَالَ إبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ: يَنْقُلُهُ إلَيْهَا وَيُسَلَّمُ إلَى الْقَيِّمِ لِيَصْرِفَهُ إلَى الْجِهَةِ الْمَنْذُورَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَصَّ فِي نَذْرِهِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَهَذَانِ النَّقْلَانِ يُبَيِّنَانِ لَك ذَلِكَ، وَنَقْلُ الْمُهَذَّبِ أَصْرَحُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ نَذَرَ الْهَدْيَ
وَأَطْلَقَ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ الْمُهْدَى إلَيْهِ وَهُنَا عَيَّنَهُ وَهُوَ الْكَعْبَةُ وَإِذَا وَجَدْنَا مَالًا فِي الْكَعْبَةِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ حَمَلْنَاهُ عَلَيْهَا عَمَلًا بِالْيَدِ كَمَا تَبْقَى أَيْدِي أَرْبَابِ الْأَمْلَاكِ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ فَكَذَلِكَ يَبْقَى مَا فِي الْكَعْبَةِ مِنْ الْمَالِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لَا نُحَرِّكُهُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فَإِنْ قُلْت: فَمَا مُسْتَنَدُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيمَا هَمَّ بِهِ؟ قُلْت عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إمَامُ هُدًى وَأَبُو بَكْرٍ أَعْظَمُ مِنْهُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْظَمُ مِنْهُمَا وَالْهُدَى كُلُّهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ فَلَا يَلْزَمُنَا النَّظَرُ فِيمَا كَانَ سَبَبُ هَمِّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ لِمُجَرَّدِ مَا سَمِعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمَا وَأَطْوَعُ لَهُمَا.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي مَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ نَظَرًا لَهُمْ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ شَيْبَةُ صَوَّبَ فِعْلَهُ وَإِنَّمَا تَرَكَاهُ لِأَنَّ مَا جُعِلَ لِلْكَعْبَةِ وَسُبِّلَ لَهَا يَجْرِي مَجْرَى الْأَوْقَافِ وَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ الْأَوْقَافِ وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا تَعْظِيمُ الْإِسْلَامِ وَحُرُمَاتِهِ وَتَرْهِيبُ الْعَدُوِّ؛ وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ عُمَرُ: لَوْ أَخَذْنَا مَا فِي الْبَيْتِ يَعْنِي الْكَعْبَةَ فَقَسَمْنَاهُ. فَقَالَ لَهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ: وَاَللَّهِ مَا ذَلِكَ لَك قَالَ: لِمَ قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ مَوْضِعَ كُلِّ مَالٍ وَأَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: صَدَقْت.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ: إنَّ عُمَرَ رَأَى أَنَّ مَا فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ لِكَثْرَتِهِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ تَبْوِيبِ الْبُخَارِيِّ وَإِدْخَالِهِ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ أَنَّ حُكْمَ الْكُسْوَةِ حُكْمُ الْمَالِ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ أَيْضًا فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ الْمَالَ الَّذِي تَجَمَّعَ وَفَضَلَ عَنْ نَفَقَتِهَا وَمُؤْنَتِهَا وَيَضَعَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا ذَكَّرَهُ شَيْبَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ بَعْدَهُ لَمْ يَعْرِضَا لَهُ لَمْ يَسَعْهُ خِلَافُهُمَا وَرَأَى أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِهِمَا وَاجِبٌ فَرُبَّمَا تَهَدَّمَ الْبَيْتُ أَوْ خَلَقَ بَعْضُ آلَاتِهِ فَصَرَفَ ذَلِكَ الْمَالَ فِيهِ وَلَوْ صَرَفَ ذَلِكَ الْمَالَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ لَكَانَ كَأَنَّهُ قَدْ أُخْرِجَ عَنْ وَجْهِهِ الَّذِي سُبِّلَ لَهُ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ وَجْهَيْنِ فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ لِلْمَسْجِدِ وَأَنَّهُ هَلْ يُمْلَكُ أَوْ لَا يُمْلَكُ. قُلْت أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ وَأَنَّهُ تَصِحُّ الْهِبَةُ وَيَقْبَلُهَا قَيِّمُهُ وَيُمْلَكُ وَيُؤْخَذُ لَهُ بِالشُّفْعَةِ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ ضَعِيفٌ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ أَوْ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بَلْ يَكُونُ الْوَجْهُ خَاصًّا بِالْهِبَةِ الْمُفْتَقِرَةِ إلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ. وَأَمَّا الْإِهْدَاءُ إلَى الْكَعْبَةِ فَأَصْلُهُ مَعْهُودٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْفِدَاءِ لَكِنَّهُ عُرِفَ بِهِ مَشْرُوعِيَّةُ هَذَا النَّوْعِ وَإِضَافَتُهُ إلَى الْكَعْبَةِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمَسْجِدِ هَلْ هُوَ وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ؟ وَالْأَصَحُّ الثَّانِي وَالْقَائِلُ بِالْأَوَّلِ لَا يُرِيدُ أَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَصْرِفُونَهُ فِيمَا شَاءُوا بَلْ يَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ قَطْعًا وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى جَعْلِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ الْقَابِلُونَ لِلتَّمَلُّكِ وَالْجِهَادُ لَا يَقْبَلُ التَّمَلُّكَ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ الْجِهَادَ إذَا كَانَ لَهُ جُبَّةٌ يُصْرَفُ فِيهَا وَيُحْتَاجُ إلَيْهِ فَذَلِكَ مَعْنَى الْمِلْكِ فَظَهَرَ بِهَا الْقَطْعُ بِثُبُوتِ اخْتِصَاصِ الْكَعْبَةِ بِمَا يُهْدَى إلَيْهَا وَمَا يُنْذَرُ لَهَا وَمَا يُوجَدُ فِيهَا مِنْ الْأَمْوَالِ وَامْتِنَاعِ صَرْفِهَا فِي غَيْرِهَا لَا لِلْفُقَرَاءِ وَلَا لِلْحَرَمِ الْخَارِجِ عَنْهَا الْمُحِيطِ بِهَا وَلَا لِشَيْءٍ مِنْ الْمَصَالِحِ إلَّا أَنْ يَعْرِضَ لَهَا نَفْسَهَا عِمَارَةً أَوْ نَحْوَهَا فَحِينَئِذٍ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَمْوَالُ قَدْ أَرُصِدَتْ لِذَلِكَ فَتُصْرَفُ فِيهِ وَإِلَّا فَيَخْتَصُّ بِهَا الْوَجْهُ الَّذِي أَرُصِدَتْ لَهُ فَلَا يُغَيَّرُ شَيْءٌ عَنْ وَجْهِهِ فَالْمُرْصَدُ لِلْبَخُورِ لَا يُصْرَفُ فِي غَيْرِهِ وَالْمُرْصَدُ لِلسُّتْرَةِ لَا يُصْرَفُ فِي غَيْرِهَا وَالْمُرْصَدُ لِلْعِمَارَةِ لَا يُصْرَفُ فِي غَيْرِهَا وَالْمُرْصَدُ لِلْكَعْبَةِ مُطْلَقًا يُصْرَفُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَكَذَا الْمَوْجُودُ وَلَمْ يُعْلَمْ قَصْدُ مَنْ أَتَى بِهِ لَكِنَّهُ يُعَدُّ لِلصَّرْفِ.
فَإِنْ قُلْت الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إنَّمَا قَالَهُ فِي الْهَدْيِ لِلرِّتَاجِ أَمَّا الْهَدْيُ لِلْكَعْبَةِ مُطْلَقًا فَلَمْ يَذْكُرْهُ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْهَدْيِ الْمُطْلَقِ وَجْهَيْنِ قُلْت: الْوَجْهَانِ فِي الْهَدْيِ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ كَعْبَةٍ وَلَا غَيْرِهَا أَمَّا الْهَدْيُ لِلْكَعْبَةِ فَهُوَ مُقَيَّدٌ. فَإِنْ قُلْت قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْعُرْفَ الشَّرْعِيَّ يَقْتَضِي تَفْرِقَتَهُ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ كَمَا فِي الذَّبَائِحِ. قُلْت: ذَاكَ ظَاهِرٌ فِيمَا يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ أَعْنِي مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا فَإِنَّ الْقَرِينَةَ تَقْتَضِي أَنَّ الْإِهْدَاءَ لِأَهْلِهِ وَكَذَا فِيمَا يُهْدَى إلَى مَكَّةَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُطْرَدَ فِيمَا يُهْدَى إلَى الْكَعْبَةِ مِنْ غَنَمٍ وَإِبِلٍ وَبَقَرٍ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ تَقْتَضِي تَفْرِقَتَهُ وَذَبْحَهُ أَمَّا مِثْلُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَلَا عُرْفَ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَوَجَبَ قَصْرُهُ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَاخْتِصَاصُ الْكَعْبَةِ بِخُصُوصِهَا بِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الَّذِي صَدَّرْنَا كَلَامَنَا بِهِ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْيِيدِ مَكَانِ الْهَدْيِ الَّذِي يُهْدَى إلَيْهِ مِنْ الْحَرَمِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْبِلَادِ فِي تَعْيِينِ نَوْعِ الْهَدْيِ الَّذِي يُهْدَى هَلْ هُوَ نَعَمٌ إبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ أَوْ غَيْرُهَا وَفِي إطْلَاقِ الْهَدْيِ وَعَدَمِ تَقْيِيدِهِ بِهَذَا أَوْ بِهَذَا، وَأَمَّا إطْلَاقُ الْهَدْيِ لِلْكَعْبَةِ عَنْ التَّقْيِيدِ بِمَصَارِفِهِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَلَكِنِّي ذَكَرْت مَا قُلْتُهُ تَفَقُّهًا وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ يُعَضِّدُهُ.
(تَنْبِيهٌ) مَحَلُّ الَّذِي قُلْتُهُ مِنْ الصَّرْفِ إلَى وُجُوهِ الْكَعْبَةِ إذَا كَانَ الْمَالُ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ ذَلِكَ أَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ بِذَلِكَ مِثْلُ كَوْنِهِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، أَمَّا الْقَنَادِيلُ الَّتِي فِيهَا وَالصَّفَائِحُ الَّتِي عَلَيْهَا فَتَبْقَى عَلَى حَالِهَا وَلَا يُصْرَفُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَفْرَاءَ أَوْ بَيْضَاءَ يَحْتَمِلُ النَّوْعَيْنِ وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا صِفَتُهُمَا الَّتِي كَانَتْ ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ أَوَّلَ مَنْ ذَهَّبَ الْبَيْتَ فِي الْإِسْلَامِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَذَلِكَ لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ ذُهِّبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَبَقِيَ إلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَيُقَالُ: إنَّ الَّذِي عَمِلَهُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى بَابِهَا صَفَائِحُ وَالْمِيزَابُ وَعَلَى الْأَسَاطِينِ الَّتِي فِي بَطْنِهَا وَالْأَرْكَانِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَفِي خِلَافِهِ الْأَمِينِ زِيدَ عَلَيْهَا
ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَأَوَّلُ مَنْ فَرَشَهَا بِالرُّخَامِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَمَّا عَمِلَ الْوَلِيدُ ذَلِكَ كَانَتْ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ مِنْ التَّابِعِينَ مَوْجُودِينَ وَبَقَايَا الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ لَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ. ثُمَّ جَمِيعُ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَالصَّالِحُونَ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ يَحُجُّونَ وَيُبْصِرُونَ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَى مَمَرِّ الْأَعْصَارِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ النَّذْرِ: سِتْرُ الْكَعْبَةِ وَتَطْيِيبُهَا مِنْ الْقُرُبَاتِ فَإِنَّ النَّاسَ اعْتَادُوهُمَا عَلَى مَمَرِّ الْأَعْصَارِ وَلَمْ يُبْدَ مِنْ أَحَدٍ نَكِيرٌ؛ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا وَرَدَ تَحْرِيمُ لُبْسِهِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَذَكَرْنَا فِي بَابِ الزَّكَاةِ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْكَعْبَةِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَتَعْلِيقِ قَنَادِيلِهِمَا وَكَانَ الْفَرْقُ اسْتِمْرَارَ الْخَلْقِ عَلَى ذَلِكَ دُونَ هَذَا فَلَوْ نَذَرَ سِتْرَ الْكَعْبَةِ وَتَطْيِيبَهَا صَحَّ نَذْرُهُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي سِتْرِ الْكَعْبَةِ وَتَطْيِيبِهَا صَحِيحٌ وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ مِنْ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْكَعْبَةِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.

وَقَالَ أَيْضًا فِي بَابِ الزَّكَاةِ: هَلْ يَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ بِالْفِضَّةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا كَالْأَوَانِي وَأَظْهَرُهُمَا نَعَمْ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إكْرَامًا لِلْمُصْحَفِ. وَقَالَ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى حَظْرِهَا. وَفِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ حَرْمَلَةُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ.
وَفِي تَحْلِيَتِهِ بِالذَّهَبِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا الْجَوَازُ إكْرَامًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي الْمَنْعُ إذْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ ذَمُّهَا، وَالثَّالِثُ إنْ كَانَ لِلْمَرْأَةِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ لِلرَّجُلِ لَا يَجُوزُ وَكَلَامُ الصَّيْدَلَانِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ إلَى هَذَا أَمْيَلُ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَجُوزُ تَحْلِيَةُ نَفْسِ الْمُصْحَفِ دُونَ عِلَاقَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ وَالْأَظْهَرُ التَّسْوِيَةُ، وَأَمَّا سَائِرُ الْكُتُبِ فَقَالَ الْغَزَالِيُّ لَا يَجُوزُ، وَفِي تَحْلِيَةِ الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَتَعْلِيقِ قَنَادِيلِهِمَا فِيهَا وَجْهَانِ مَرْوِيَّانِ فِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ: أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ تَعْظِيمًا كَمَا فِي الْمُصْحَفِ وَكَمَا يَجُوزُ سِتْرُ الْكَعْبَةِ بِالدِّيبَاجِ وَأَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ وَيُحْكَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إذَا لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ فِعْلِ السَّلَفِ وَحُكْمُ الزَّكَاةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ نَعَمْ لَوْ جَعَلَ الْمُتَّخِذُ وَقْفًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ بِحَالٍ. انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
فَأَمَّا الْمُصْحَفُ فَمَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ فِيهِ إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا لِلرَّجُلِ فَلَعَلَّ مَأْخَذَهُ أَنَّ الْقَارِئَ فِيهِ وَالْحَامِلَ لَهُ مُسْتَعْمِلٌ لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الَّتِي فِيهِ نَزَلَا يَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى فِي الْكَعْبَةِ وَلَوْ فُرِضَ مُصْحَفٌ لَا يَنْظُرُ فِيهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ فَذَلِكَ نَادِرٌ وَلَمْ يُوضَعْ الْمُصْحَفُ لِذَلِكَ وَلَكِنْ لِيُنْتَفَعَ بِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي الْمُصْحَفِ جَرَيَانُهُ فِي الْكَعْبَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُصْحَفُ أَفْضَلَ لِلْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ؛ وَأَمَّا التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ فَلَا يَنْبَغِي لِأَنَّ لِلْكَعْبَةِ مِنْ التَّعْظِيمِ مَا لَيْسَ لِلْمَسْجِدِ أَلَا تَرَى أَنَّ سِتْرَ الْكَعْبَةِ بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَفِي سِتْرِ الْمَسَاجِدِ خِلَافٌ فَحِينَئِذٍ الْخِلَافُ فِي الْكَعْبَةِ
مُشْكِلٌ وَتَرْجِيحُ الْمَنْعِ فِيهَا أَشْكَلُ وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَقَدْ فُعِلَ فِي صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَقَدْ تَوَلَّى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِمَارَةَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْوَلِيدِ وَذَهَّبَ سَقْفَهُ؛ وَإِنْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ امْتِثَالُ أَمْرِ الْوَلِيدِ.
فَأَقُولُ: إنَّ الْوَلِيدَ وَأَمْثَالَهُ مِنْ الْمُلُوكِ إنَّمَا تَصْعُبُ مُخَالَفَتُهُمْ فِيمَا لَهُمْ فِيهِ غَرَضٌ يَتَعَلَّقُ بِمِلْكِهِمْ وَنَحْوِهِ أَمَّا مِثْلُ هَذَا وَفِيهِ تَوْفِيرٌ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ فَلَا تَصْعُبُ مُرَاجَعَتُهُمْ فِيهِ فَسُكُوتُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَمْثَالِهِ وَأَكْبَرَ مِنْهُ مِثْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَبَقِيَّةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا دَلِيلٌ لِجَوَازِ ذَلِكَ، بَلْ أَقُولُ قَدْ وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلَافَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَرَادَ أَنْ يُزِيلَ مَا فِي جَامِعِ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ الذَّهَبِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ يَقُومُ بِأُجْرَةِ حَلِّهِ فَتَرَكَهُ، وَالصَّفَائِحُ الَّتِي عَلَى الْكَعْبَةِ يَتَحَصَّلُ مِنْهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ فَلَوْ كَانَ فِعْلُهَا حَرَامًا لَأَزَالَهَا فِي خِلَافَتِهِ لِأَنَّهُ إمَامُ هُدًى فَلَمَّا سَكَتَ عَنْهَا وَتَرَكَهَا وَجَبَ الْقَطْعُ بِجَوَازِهَا وَمَعَهُ جَمِيعُ النَّاسِ الَّذِينَ يَحُجُّونَ كُلَّ عَامٍ وَيَرَوْنَهَا فَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ فِيهَا عَجِيبٌ جِدًّا، عَلَى أَنَّهُ قَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِذِكْرِ هَذَا الْحُكْمِ فِيهَا أَعْنِي الْكَعْبَةَ بِخُصُوصِهَا، وَرَأَيْتُهَا أَيْضًا فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الذَّخِيرَةِ الْقَرَافِيَّةِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَصْرِيحٌ بِالتَّحْرِيمِ.
وَهَذَا الَّذِي قُلْتُهُ كُلَّهُ فِي تَحْلِيَةِ الْكَعْبَةِ بِخُصُوصِهَا بِصَفَائِحِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَنَحْوِهَا فَلْيُضْبَطْ ذَلِكَ وَلَا يَتَعَدَّى، وَلَا أَمْنَعُ مِنْ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي التَّمْوِيهِ وَالزَّخْرَفَةِ فِيهَا لِأَنَّ التَّمْوِيهَ يُزِيلُ مَالِيَّةَ النَّقْدَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا قِيَمُ الْأَشْيَاءِ، وَتَضْيِيقُ النَّقْدَيْنِ مَحْظُورٌ لِتَضْيِيقِهِ الْمَعَاشَ وَإِغْلَائِهِ الْأَسْعَارَ وَإِفْسَادِهِ الْمَالِيَّةَ، وَلَا أَمْنَعُ مِنْ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهِ أَيْضًا فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ فِي الْقِسْمَيْنِ جَمِيعًا التَّمْوِيهَ وَالتَّحْلِيَةَ؛ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ حُسَيْنًا جَزَمَ بِحِلِّ تَحْلِيَةِ الْمَسْجِدِ بِالْقَنَادِيلِ مِنْ الذَّهَبِ وَنَحْوِهِمَا وَأَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ وَهَذَا أَرْجَحُ مِمَّا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى تَحْرِيمِهَا دَلِيلٌ وَالْحَرَامُ مِنْ الذَّهَبِ إنَّمَا هُوَ اسْتِعْمَالُ الذُّكُورِ لَهُ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ أَوَانِيهِ وَلَيْسَ فِي تَحْلِيَةِ الْمَسْجِدِ بِالْقَنَادِيلِ الذَّهَبِيَّةِ وَنَحْوِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى: الَّذِي يَتَبَيَّنُ لِي أَنَّ مَنْ كَتَبَ الْقُرْآنَ بِالذَّهَبِ فَقَدْ أَحْسَنَ وَلَا زَكَاةَ فِيهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَثْبُتْ فِي الذَّهَبِ إلَّا تَحْرِيمُهُ عَلَى ذُكُورِ الْأُمَّةِ فِيمَا يُنْسَبُ إلَى الذُّكُورِ وَهَذَا لَا يُنْسَبُ إلَى الذُّكُورِ فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْحِلِّ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَى الْإِسْرَافِ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ احْتِرَامٌ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنْسَبُ إلَى الذُّكُورِ حَتَّى يُحْكَمَ بِالتَّحْرِيمِ، وَلَسْت أَقُولُ هَذَا عَنْ رَأْيٍ مُجَرَّدٍ لَكِنِّي رَأَيْت فِي كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ مَا دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ. هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ فِي الْكِتَابَةِ بِالذَّهَبِ، وَفِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ لِزَوَالِ مَالِيَّةِ الذَّهَبِ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِ التَّحْلِيَةِ بِذَهَبٍ بَاقٍ. فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ تَحْلِيَةَ الْكَعْبَةِ.
بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جَائِزٌ وَالْمَنْعُ مِنْهُ بَعِيدٌ شَاذٌّ غَرِيبٌ فِي الْمَذَاهِبِ كُلِّهَا قَلَّ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْهُمْ وَلَا وَجْهَ لَهُ وَلَا دَلِيلَ يُعَضِّدُهُ، وَأَمَّا سِتْرُهَا بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الشَّامِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَأَيُّ قِيَاسٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَالْقِيَاسُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى مَنْصُوصٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَلَمْ يَنُصَّ الشَّرْعُ عَلَى شَيْءٍ يُقَاسُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّامِيِّ الْمَذْكُورُ إنَّمَا تَرَكْنَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَيَكْفِي ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَكْسُوهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَذَلِكَ مِنْ عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ كُسْوَتِهَا لِأَنَّهُ لَا يُصْرَفُ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ إلَّا إلَى وَاجِبٍ.
وَلْيُتَنَبَّهْ هُنَا لِفَائِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْكَعْبَةَ بَنَاهَا إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَلَمْ تَكُنْ تُكْسَى مِنْ زَمَانِهِ إلَى زَمَانِ تُبَّعٍ الْيَمَانِيِّ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ: إنَّ إسْمَاعِيلَ كَسَاهَا فَفِي تِلْكَ الْمُدَدِ لَا نَقُولُ إنَّ كُسْوَتَهَا كَانَتْ وَاجِبَةً لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمَا تَرَكَ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -، وَلَكِنْ لَمَّا كَسَاهَا تُبَّعٌ وَكَانَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْحَسَنَةِ وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ كَانَ شِعَارًا لَهَا وَصَارَ حَقًّا لَهَا وَقُرْبَةً وَوَاجِبًا لِئَلَّا يَكُونَ فِي إزَالَتِهِ تَنْقِيصٌ مِنْ حُرْمَتِهَا فَيُقَاسُ عَلَيْهِ إزَالَةُ مَا فِيهَا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ مِنْ صَفَائِحِ الذَّهَبِ وَالرُّخَامِ وَنَحْوِهِ وَنَقُولُ: إنَّهُ تَحْرُمُ إزَالَتُهُ وَلَا يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونُ ابْتِدَاءُ الشَّيْءِ غَيْرَ وَاجِبٍ وَاسْتِدَامَتُهُ وَاجِبَةً وَمُرَادِي وُجُوبُ سِتْرِهَا دَائِمًا لِإِبْقَاءِ كُلِّ سُتْرَةٍ دَائِمًا، وَتَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ السُّتْرَةَ الَّتِي تُكْسَاهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ تَصِيرُ مُسْتَحِقَّةً لَهَا بِكُسْوَتِهَا فَلَا يَجُوزُ نَزْعُهَا لِلْإِمَامِ وَلَا لِغَيْرِهِ حَتَّى تَأْتِيَ كُسْوَةٌ أُخْرَى فَتِلْكَ الْكُسْوَةُ الْقَدِيمَةُ مَا يَكُونُ حُكْمُهَا؟ قَالَ ابْنُ عَبْدَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا وَلَا نَقْلُهَا وَلَا وَضْعُ شَيْءٍ مِنْهَا بَيْنَ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ وَمَنْ حَمَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا لَزِمَهُ رَدُّهُ خِلَافُ مَا يَتَوَهَّمُهُ الْعَامَّةُ وَيَشْتَرُونَهُ مِنْ بَنِي شَيْبَةَ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ ذَلِكَ وَلَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ.
وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ شَيْءٌ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: الْأَمْرُ فِيهَا إلَى الْإِمَامِ يَصْرِفُهَا فِي بَعْضِ مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ بَيْعًا وَعَطَاءً وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَى الْأَزْرَقِيُّ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْزِعُ كُسْوَةَ الْبَيْتِ كُلَّ سَنَةٍ فَيُوَزِّعُهَا عَلَى الْحَاجِّ.
قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا حَسَنٌ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ قَالَا: تُبَاعُ كُسْوَتُهَا وَيُجْعَلُ ثَمَنُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ لَا بَأْسَ أَنْ يُلْبَسَ كُسْوَتُهَا مَنْ صَارَ إلَيْهِ مِنْ حَائِضٍ وَجُنُبٍ وَغَيْرِهِمَا. وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَوْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُزَالَ عَنْ الْوَقْفِ وَتَبْقَى، وَإِنَّمَا.
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّ الْعُرْفَ فِيهَا ذَلِكَ وَلَا مَعْنَى لِإِبْقَائِهَا بَعْدَ نَزْعِهَا وَهِيَ غَيْرُ مَوْقُوفَةٍ، أَمَّا الذَّهَبُ الصَّفَائِحُ وَالْقَنَادِيلُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يُقْصَدُ بَقَاؤُهُ وَلَا يَتْلَفُ فَلَا يَأْتِي ذَلِكَ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ بَلْ يَبْقَى، وَقَدْ قَالُوا فِي الطِّيبِ
إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ لَا لِلتَّبَرُّكِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي ذَلِكَ خِلَافًا فَإِذَا كَانَ فِي الطِّيبِ فَمَا ظَنُّك بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَالُوا: وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الطِّيبِ لِلتَّبَرُّكِ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِطِيبٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيَمْسَحَهَا بِهِ ثُمَّ يَأْخُذَهُ، وَاَلَّذِي اسْتَحْسَنَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْكُسْوَةِ لَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَا مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَلَا بَأْسَ بِتَفْوِيضِ ذَلِكَ إلَى بَنِي شَيْبَةَ فَإِنَّهُمْ حَجَبَتُهَا وَلَهُمْ اخْتِصَاصٌ بِهَا فَإِنْ أَخَذُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ لِغَيْرِهِمْ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا لِاقْتِضَاءِ الْعُرْفِ ذَلِكَ وَكَوْنِهِمْ مِنْ مَصَالِحِ الْكَعْبَةِ.
وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَخْذَهَا وَجَعْلَهَا مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ ابْنِ الصَّلَاحِ فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ أَصْلًا وَلَكِنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّفْرِقَةِ عَلَى مَنْ يَخْتَصُّ بِالتَّفْرِقَةِ وَبَنُو شَيْبَةَ قَائِمُونَ مَقَامَهُ. هَذَا كُلُّهُ فِي الْكَعْبَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ فَلَا يَنْتَهِي إلَيْهَا فَلَا يَبْعُدُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِيهِ وَالْأَرْجَحُ مِنْهُ الْجَوَازُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَلَا أَقُولُ بِهِ إنَّهُ يَنْتَهِي إلَى حَدِّ الْقُرْبَةِ وَلِهَذَا اسْتِمْرَارُ النَّاسِ عَلَى خِلَافِهِ فِي الْأَكْثَرِ.
وَأَمَّا تَعْلِيلُ الرَّافِعِيِّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ فِعْلِ السَّلَفِ فَعَجِيبٌ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ لَا تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَقُصَارَاهَا أَنْ تَقْتَضِيَ أَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ أَوْ مَكْرُوهٍ كَرَاهِيَةَ تَنْزِيهٍ أَمَّا التَّحْرِيمُ فَلَا، وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَجْزِمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ حَتَّى يَرِدَ نَهْيٌ مِنْ الشَّارِعِ وَإِنَّمَا وَرَدَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ «هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا» وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا اقْتَضَى لَفْظُهُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» وَقَاسَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ غَيْرَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَيْهِمَا وَتَكَلَّمُوا فِي الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِقِيَاسِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَيْهِمَا الْمُقْتَضِيَةِ لِقِيَاسِ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَيْهِمَا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ التَّشَبُّهُ بِالْأَعَاجِمِ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ تَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ لَا التَّحْرِيمَ وَاسْتَنَدَ مَنْ عَلَّلَ بِالْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ إلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» .
وَتَأَمَّلْت فَوَجَدْت هَذِهِ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ لِمَشْرُوعِيَّةِ التَّحْرِيمِ بَلْ هِيَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُخَاطَبِينَ عَنْ مَنْعِهِمْ عَنْهَا وَعِلَّةٌ لِانْتِهَائِهِمْ بِمُجَازَاتِهِمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ لِبَسْطِ نُفُوسِهِمْ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ " لَا تَأْخُذْ هَذَا فِي هَذَا الْوَقْتِ فَإِنِّي أَدَّخِرُهُ لَك
فِي وَقْتٍ أَنْفَعَ لَك مِنْ الْآنَ " فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ وَلَوْ كَانَتْ عِلَّةً مَنْصُوصَةً لَمْ يَجُزْ تَعَدِّيهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْعِلَّةُ السَّرَفُ أَوْ الْخُيَلَاءُ أَوْ كَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ أَوْ تَضْيِيقُ النَّقْدَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا الْإِشَارَةَ إلَيْهِ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الْعِلَلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَسْتَعْمِلُهُ الشَّخْصُ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، أَمَّا تَحْلِيَةُ الْمَسَاجِدِ تَعْظِيمًا لَهَا فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعِلَلِ وَهَكَذَا الْقَنَادِيلُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّ الشَّخْصَ إذَا اتَّخَذَهَا لِلْمَسْجِدِ لَمْ يَقْصِدْ اسْتِعْمَالَهَا وَلَا أَنْ يَتَزَيَّنَ بِهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ جِهَتِهِ وَاَلَّذِي حَرُمَ اتِّخَاذُهَا عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ إنَّمَا حَرُمَ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّفْسَ تَدْعُو إلَى الِاسْتِعْمَالِ الْمُحَرَّمِ وَذَلِكَ إذَا كَانَتْ لَهُ.
وَأَمَّا إذَا جَعَلَهَا لِلنَّفْسِ فَلَا تَدْعُو النَّفْسُ إلَى اسْتِعْمَالٍ حَرَامٍ أَصْلًا كَيْفَ تَحْرُمُ وَهِيَ لَا تُسَمَّى أَوَانِي؛ وَرَأَيْت الْحَنَابِلَةَ قَالُوا بِتَحْرِيمِهَا لِلْمَسْجِدِ وَجَعَلُوهَا مِنْ الْأَوَانِي أَوْ مَقِيسَةً عَلَيْهَا وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لَا هِيَ أَوَانِي وَلَا فِي مَعْنَى الْأَوَانِي، وَقَدْ رَأَيْت فِي الْقَنَادِيلِ شَيْئًا آخَرَ فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ فِي أَرْوَاحِ الشُّهَدَاءِ «تَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ» وَلَعَلَّ مِنْ هُنَا جُعِلَتْ الْقَنَادِيلُ فِي الْمَسَاجِدِ وَإِلَّا فَكَانَ يَكْفِي مِسْرَجَةٌ أَوْ مَسَارِجُ تَنُّورٍ كَأَنَّهَا مَحَلُّ النُّورِ فَلَمَّا كَانَ النُّورُ مَطْلُوبًا فِي الْمَسَاجِدِ لِلْمُصَلِّينَ جُعِلَتْ فِيهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ اشْتِرَاكًا وَافْتِرَاقًا أَمَّا الِاشْتِرَاكُ فَلِإِطْلَاقِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْكَعْبَةِ وَلِأَنَّهَا بَيْتُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الِافْتِرَاقُ فَالْمَسَاجِدُ بُنِيَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا وَالْكَعْبَةُ بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ إلَيْهَا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّلَاةِ فِيهَا؛ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» فَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ الَّذِي تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَيْهِ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ الْكَعْبَةُ.
وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ الَّذِي حَوْلَهَا الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الصَّلَاةِ وَفِيهِ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] فَالْحَرَمُ كُلُّهُ شَرِيفٌ وَمَكَّةُ أَشْرَفُهُ وَالْحَرَمُ الْمُحِيطُ بِالْكَعْبَةِ الَّذِي هُوَ مَسْجِدٌ أَشْرَفُهَا وَالْكَعْبَةُ أَشْرَفُهُ، وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ مَحَلَّ الصَّلَاةِ فَهِيَ مِنْ جِهَةِ التَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ أَزْيَدُ وَهُوَ مِنْ جِهَةِ إقَامَةِ الصَّلَاةِ أَزْيَدُ، وَتِلْكَ الْجِهَةُ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ فَلَا جَرَمَ كَانَتْ فِي الْحِلْيَةِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَحَقَّ مِنْ الْمَسْجِدِ فَضَعُفَ الْخِلَافُ فِيهَا وَقَوِيَ فِيهِ أَعْنِي فِي التَّحْلِيَةِ الَّتِي اسْتَمَرَّتْ الْأَعْصَارُ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا الْقَنَادِيلُ فَالْمَقْصُودُ مِنْهَا التَّنْوِيرُ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَهُمْ لَيْسُوا دَاخِلَ الْكَعْبَةِ فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ كَانَ الْمَسْجِدُ بِالْقَنَادِيلِ أَحَقَّ لَكِنْ فِي الْكَعْبَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الرُّجْحَانِ فِي التَّبْجِيلِ وَالتَّعْظِيمِ فَاعْتَدَلَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَنَادِيلِ فَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْقَنَادِيلِ لَا بَأْسَ بِهَا.
وَالْأَصَحُّ مِنْهُ مَا اخْتَرْنَاهُ الْجَوَازَ وَعَلَى مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ التَّحْرِيمُ وَلَا دَلِيلَ لَهُ لِأَنَّهَا لَا أَوَانِي وَلَا مُشْبِهَةٌ لِلْأَوَانِي
وَلَمْ يَرِدْ فِيهَا نَهْيٌ وَلَا فِيهَا مَعْنَى مَا نُهِيَ عَنْهُ لَا فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا فِي الْكَعْبَةِ فَكَانَ الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِهَا فِيهِمَا بَاطِلًا.
وَلَمَّا ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ الْكَعْبَةَ وَالْمَسَاجِدَ أَطْلَقُوا وَلَا شَكَّ أَنَّ أَفْضَلَ الْمَسَاجِدِ ثَلَاثَةٌ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ التَّحْلِيَةِ وَالْقَنَادِيلِ الذَّهَبِيَّةِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَقُولُ بِهَا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَمَنْ يَقُولُ بِالْمَنْعِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ لَمْ يُصَرِّحُوا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بِشَيْءٍ لَكِنَّ إطْلَاقَهُمْ مُحْتَمِلٌ لَهَا وَعُمُومَ كَلَامِهِمْ يَشْمَلُهَا. وَكَلَامِي هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَلْ يَعُمُّ الثَّلَاثَةَ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ غَيْرُ الْمَسْجِدِ الْمُحِيطِ بِهَا فَصَارَ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَسَاجِدِ الْمَعْطُوفَةِ عَلَيْهَا.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَتَّبَ الْخِلَافُ فَيُقَالُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَمَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَالْمَسْجِدَانِ مَسْجِدُ مَكَّةَ وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ أَوْلَى مِنْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْجَوَازِ ثُمَّ الْمَسْجِدَانِ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فَمَالِكٌ يَقُولُ: الْمَدِينَةُ أَفْضَلُ فَيَكُونُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ مَسْجِدِ مَكَّةَ، وَغَيْرُهُ يَقُولُ: مَكَّةُ أَفْضَلُ فَقَدْ يَقُولُ: إنَّ مَسْجِدَهَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَقَدْ يَقُولُ: إنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ يَنْضَافُ إلَيْهِ مُجَاوَرَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَصَدَ تَعْظِيمَهُ بِمَا فِي مَسْجِدِهِ مِنْ الْحِلْيَةِ وَالْقَنَادِيلِ.
وَهَذِهِ كُلُّهَا مَبَاحِثُ وَالْمَنْقُولُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَذْهَبِنَا وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْفَرْقَ الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ مُسْتَغْنًى عَنْهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَأَنَّ قَوْلَهُ إنَّ سِتْرَ الْكَعْبَةِ وَتَطْيِيبَهَا مِنْ الْقُرُبَاتِ صَحِيحٌ الْآنَ بَعْدَ الشُّرُوعِ وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَأَنَّ السُّتْرَةَ صَارَتْ وَاجِبَةً بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، وَأَمَّا كَوْنُهَا قُرْبَةً مِنْ الْأَصْلِ أَوْ صَارَتْ قُرْبَةً فَفِيهِ نَظَرٌ.
وَأَمَّا الطِّيبُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ قُرْبَةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قُرْبَةٌ مِنْ الْأَصْلِ فِيهَا وَفِي كُلِّ الْمَسَاجِدِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَعْظَمَ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَذْهَبِنَا فِي اتِّخَاذِهَا مِنْ غَيْرِ وَقْفٍ فَإِنْ وَقَفَ الْمُتَّخِذُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْقَنَادِيلِ وَالصَّفَائِحِ وَنَحْوِهَا فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَأَمَّا قَطْعُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِإِبَاح
1 person want to read

About the author

تقي الدين السبكي

16 books6 followers

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
0 (0%)
4 stars
0 (0%)
3 stars
0 (0%)
2 stars
0 (0%)
1 star
0 (0%)
No one has reviewed this book yet.

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.