تحاول هذه الدراسة توضيح الظروف و البيئة التي نشأت منها الصلاة، من خلال توظيف ظاهرة تماشج الديانات syncretism (لا أعلم إن وفقت في تعريب هذا المصطلح)، مع تدقيق ممحص في مراجع الديانات في شرق-شمال أفريقيا و غرب-جنوب أسيا في القرنين السادس و السابع الميلادي. ليس من الكافي إيجاد تشابهات في الشعائر في ديانة أخرى للقول بأن الإسلام أخذ منها، بل هناك أولاً ثلاث معايير يجب أن تتحقق، و هي، أولاً، التشابه في حركات الشعائر، و ثانياً، إتصال المسلمون الأوائل بهذه الديانة، و ثالثاً، تكرار هذا الإتصال لدرجة تكفي للتأكد من إمكانية تأثر الإسلام بها.
(حذفت الفصل الثاني و بعض من الأول لضيق المساحة).
١٨: الفصل الثالث: "المصادر الأساسية: القرآن، الحديث، السيرة" :
في القرآن: الأمر بالصلاة خمس مرات في اليوم غير موجود في القرآن، و لا تفاصيل الصلاة، و هناك فقط بعض الإشارات المبهمة حول الصلاة. من الآيات ٤:٤٣ و ٤:١٦٢ و ٦:٧٢ و ١١:١١٦ و ١٧:٧٨ و ١٧:١٠٧ و ٢٢:٧٧ و سورة السجدة، يمكن تلخيص ما يقوله القرآن عن الصلاة هو بوجوب غسل الجسد قبل الصلاة بالماء أو بالتراب إن لم يكن الماء متوفراً، و الصلاة في أوقات محددة من اليوم (المؤلف يقول ٤، لكن الواضح إن الرابعة نافلة كما تقول الآية ١٧:٧٩)، و أن تصلي برفقة المسلمين و تكون ساجداً.
في الحديث: في حديث يقول محمد بأنه أُمر بأن يسجد على سبع عظام. و حديث آخر يقول بأن محمد عندما كان يركع لم يبالغ في رفع رأسه أو إخفاضه، بل توسط بينهما. و في آخر، بأنه عندما يركع يوضع يديه على ركبتيه، و يحني ظهره، و عندما يرفع رأسه يقف و ظهره مستقيم، و عندما يسجد لا يضع يديه متباعدتين، و أصابعه غير مضمومه، و أصابع قدميه موحهة للقبلة. و في آخر، بأن كوعيه يرتفعان عند السجود، وبأن ذراعيه مبتعدتان حتى بان بياض أبطه. كل هذا يبين بأن طريقة أداء الصلاة محددة و مفصلة و ليست عشوائية و فضفاضة. و حتى الوضوء هناك شرح مفصل للخطوات التي يجب إتباعها، بأن يغسل يديه ثلاث مرات، و يمضمض فمه و يغسل أنفه ثلاث مرات، و يغسل وجهه ثلاث مرات، و يغسل ذراعه اليمنى ثم اليسرى ثلاث مرات للمرفق، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل قدمه اليمنى ثم اليسرى للكاحل ثلاث مرات. على الرغم من أن القرآن يقول بأن الصلوات هي أربع، إلا أن الحديث يقول بأنها خمس. و ملخص شعائر محمد لأداء الوضوء و الصلاة، هي، أولاً الوضوء كما شرحناه، و من بعدها يقوم بركعة مكونة من وقوف، سجود، ركوع، سجود، جلوس، سجود، جلوس، وقوف . خمس مرات في اليوم، تختلف الصلاة فيها من عدد ركعات على حسب توقيتها. كل هذه الشعائر التي قام بها محمد من وضوء و ركوع و سجود و مواجهة قبلة محددة و الصلاة خمس مرات في اليوم، كانت تمارس في مختلف المجتمعات في شرق-شمال أفريقيا و غرب-جنوب أسيا قبل أن يأتي محمد بالقرآن.
في السيرة: السيرتان الأساسيتان لحياة محمد هما، سيرة ابن إسحاق، و سيرة ابن هشام. و لا يمكن الإعتماء على ما تقوله السيرة على الرغم من أهميتها في صنع التاريخ الأسلامي، فالسيرة التي كتبها الأول غير متوفرة لدينا، و لكن بعد خمسين سنة من وفاته قام ابن هشام بأخذ سيرة ابن اسحاق و عدل عليها كما يشاء، و أزال جزء كبير منها، و طريقة وضع الأخبار فيها هي منتقاة و بأهداف دينية و سياسية مغرضة، و عندما تدرج الأسانيد فيها غالباً ما تبدأ ب"زعمَ" أو "زعموا"، تبين عدم ثقة ابن إسحاق فيما يقال، و عندما تضيف محرر متحيز دينياً و سياسياً كابن هشام على هذه الخلطة فمن الواجب الحذر و اليقظة و القراءة بعين ناقدة لهذه السيرة التي وضعها ابن هشام. و الرجوع للسيرة في هذه الدراسة هو بهدف تقسيم فترات حياة محمد.
٢٩: الفصل الرابع: "التجارة العربية في القرنين الخامس و السادس" :
التجارة بين شرق-شمال أفريقيا و غرب-جنوب أسيا كانت معتادة، التجارة أجبرت الناس على السفر و التنقل و التعرف على البلدان و الثقافات الأخرى. الزراعة في الجزيرة العربية كانت محصورة في الجنوب، فيما كان الباقي جاف و حار، و كانت اليمن محطة لتجارة السفن، و من هناك تنتقل البضائع بهدف إيصالها إلى المناطق البحر متوسطية. الحجاز كانت أفضل حالاً في مناخها من بقية الجزيرة، و لذلك كانت طريق لقوافل التجارة. هناك سببان يدفعان سكان هذه المنطقة للتنقل فيها، أولاً، للحصول على المحاصيل الزراعية و مصادر الماء، و ثانياً، للحصول على الثروة من تجارة القوافل كونهم نوماديون و ليسوا مزارعين. و من الفوائد لإتخاذ هذه الطريق هو تجنب الضرائب من البيزنطيين، و التي كانت منتشرة في ما بين الرافدين، و لذلك فضلت هذه القوافل التنقل على ساحل البحر المتوسط.
٣٨: الفصل الخامس: "التقاليد العربية الأصلية":
محمد كان من قبيلة قريش، القائمون على الحرم المقدس -الكعبة-، و لذلك لا بد أنه تأثر بعاداتهم. الصعوبة تكمن بقلة الأدلة الأثرية و الكتابية لعصر ما قبل الإسلام، بسبب تدمير المسلمين لآثارهم و تجاهل الكتابة عنهم.
أماكن السجود: توصف الديانة عند العرب قبل الإسلام بالتعددية، و الأصح هو وصفها بالتفريدية، أي إعلاء إله واحد فوق الآلهة الأخرى دون إنكارها، و الإله الأعلى كان عند العرب هو الله. الله كان يربط بمكة و لكنه غير متقيد بها، و لم يكن له جماعة محددة، و عنده ثلاث بنات، اللات و منات و العزى، و الأخيرة هي المعبودة الأكثر شهرة في مكة، و كاد محمد أن يدرجهن في دينه في الآيات الشيطانية كوسيطات بين الله و الإنسان. لكل إله نصب معين له، لمنات حجر جنوب مكة، و الله هو سيد الكعبة. كانت مكة مزار للتجارة و العبادة. وجد في صحراء النقب (جنوب فلسطين) آثار معابد تماثل ما وصفه الكتاب المسلمون عن معابد ما قبل الإسلام، و وجد أن بعضها تم تدميرها عن عمد، و هذا يوضح غياب المعابد في الحجاز، فهي تم تدميرها كما تقول المصادر الإسلامية بهدف الإنفصال عن زمن "الجاهلية". الكتابات المتروكة في شمال الحجاز تسمي هذه المعابد ب"مذقن" أي أماكن السجود، أو ربما تعني مسجد، أي المسجد الحرام، مما يدل على أن السجود كان جزء من شعائر ما قبل الإسلام عند العرب، و هذا مدعوم من قبل كاتب من القرن التاسع يذكر بأن العرب قبل الإسلام كانوا يسجدون أثناء صلاتهم . البدوي المرتحل كان يصلي صلاة صبح عند الكعبة كشكر على تجارته و يسجد خلال الصلاة، و من هذا يتضح بأن الرابط قوي بين التجارة و العبادة في مكة، و الكثير من القبائل البدوية (الأعراب) كانت تسافر لمكة للتجارة و التعبد على عكس ما تحاول المصادر الإسلامية قوله.
الحنفاء: الحنفاء هم موحدون ليسوا بيهود و لا بمسيحين، و لهم علاقة بدين إبراهيم، و كانوا متفرقين في الجزيرة، و بعض منهم كان بالقرب من مكة. السيرة تذكر أربعة حنفاء، إحداهم زيد ابن عمر و هو الوحيد منهم الذي لم يتحول للمسيحية، و تذكر السيرة سجوده أمام الكعبة، و مات قبل أن يسمع عن الإسلام.
تأثير التقاليد الأصلية على صلاة الإسلام: بحسب المعايير التي وضعها المؤلف للتأكد من حدوث تماشج ديني، فأن محمد كان على صلة و إطلاع على تقاليد العرب قبل الإسلام، لكن المشكلة تكمن في تحديد درجة الشبه بين هذه التقاليد و الصلاة في الإسلام. من المحتمل أن السجود كان متضمن في العبادات عند الكعبة، لكن لا يوجد دليل واضح يبين ذلك، و لعل أقوى دليل على تواجد السجود قبل الإسلام هو الكتابات في النقب التي تشير لأماكن للسجود، و حتى هذا لا يمكن أن يثبت أنه كان معتاداً للسكان الأصليين للجزيرة. و التوجه نحو مكة بالخصوص عند التواجد بعيداً عنها لا يوجد دليل عليه أيضاً، فالمعابد كانت منتشرة بكثرة في الجزيرة. و لا يوجد دليل على تواجد الوضوء، أو الركوع، أو أوقات للصلاة، و لا يعني هذا عدم ممارستهم من العرب قبل الإسلام، و لكن لا توجد الأدلة الكافية لحد الآن.
٥٠: الفصل السادس: "التقاليد اليهودية":
هناك أربع مناطق جغرافية لجماعات يهودية يمكن أن تكون ذا صلة لهذه الدراسة، و هي سوريا-فلسطين و اليمن و يثرب و الحبشة. لا توجد كتابات رسائل أو سير توصف الحياة اليومية لشخص معين لكي يمكن تتبع عاداته الدينية، و لا يمكننا سوى النظر إلى الجماعات بعامتها، و حتى هذه الكتابات هي مكتوبة من أشخاص خارج الجماعة.
يهود سوريا- فلسطين: في خضم تدمير الرومان لهيكل سليمان في يورسالم (القدس) في ٧٠ م، توقفت الأضحية اليومية لأول مرة. أنتشر اليهود من بعدها إلى مختلف الجهات، أسيا الصغرى، سوريا، مصر، شمال أفريقيا، اليمن، يثرب، شرق الرافدين. بعد ثورة فاشلة قام بها شمعون بن كوخبا ضد الرومان في ١٣٥ م زاد الحظر على اليهود من الإقتراب من المدينة، و تم إعادة تسمية مدينة يورسالم إلى إيليا كابيتولبنا، و بغضون عام ٣١٠ م نسي الاسم السابق لها من قبل الرومان. تزايدت أعداد الكنائس في فلسطين، و لكن تركيز الربانيون كان يتزايد على دراسة التوراة و التلمود أكثر من لعبهم دور القواد، و مع الوقت عاد الإهتمام و أخذ الربانيون يشيرون للكنائس بأنها أماكن الصلاة عوضاً عن الهيكل، و لكنهم كانوا مختلفين مع بعضهم بالطريقة المثلى للصلاة. عند دراسة تصميم الكنائس نرى بأنها مصممة لتواجه القدس، و داخلها مصمم ليسمح للمصلي للجلوس و الصلاة، و لكن ليس للسجود.
يهود اليمن: من الصعب تحديد متى بدأ تواجد اليهود في اليمن، و هناك دراسة تضع ذلك الزمن قبل سقوط الدولة البابلية. يهود اليمن هم يهود بدينهم و ليس بعرقهم، فدراسة الجينات تقول بأن أغلبهم هم بدويون متحولون لليهودية. في فترة الهيكل الثاني كان موتى اليمن ينقلون للقدس، و بحلول القرن الرابع كانت هناك جماعات يهودية كثيرة في جنوب الجزيرة، و كانوا عقبة أمام حملة نشر المسيحية التي قام بها قسطنطين في ٣٥٦ م. حرم التبشير اليهودي في سوريا-فلسطين، و لكنه في اليمن كان منتشراً، الكثير من القبائل العربية تحولت لليهودية. و حتى الحكام تحولوا لليهودية و أشهرهم ذو نواس، و لكن المشكلة في هؤلاء اليهود المتحولون كانت هي عدم تقيدهم بالعادات اليهودية، فهم آمنوا بإله واحد و أطلقوا عليه لقبه التلمودي "الرحمان"، لكنهم لم يدرسوا التوراة و لم يحافظوا على السبت. حدث صراع سياسي بين البيزنطيين و الساسانيين حول التحكم باليمن كونها محطة رئيسية للتجارة البحرية، و كان ذلك عبر الديانة، فالحبشيون التابعون للبيزنطيين حاولوا نشر المسيحية، و قاوم اليمنيون ذلك، و أضطهدوا المسيحين كحركة تبين رغبتهم في الإستقلال، و لكنهم في الأخير سقطوا و أنتشرت المسيحية في اليمن. تواصل يهود اليمن كان شبه محدود مع يهود يثرب، مما جعلهم شبه مستقلين في حركة ديانتهم و تطورها.
يهود يثرب: لا بد أن محمد عاشر يهود أثناء عمله كقائد قافلة، لكن بعد هجرته بالأخص إلى المدينة، عاش مع أغلبية يهودية . و أصل هؤلاء اليهود قد يعود إلى ما بعد فترة الهيكل الثاني . و هم ظلوا على صلة مع القدس، و لذلك عاداتهم لم تكن غريبة على محمد، فاليهودية في تلك الفترة كانت من التكوين الأصلي للديانة في الجزيرة. ثلاث من خمس قبائل في يثرب هم قبائل يهودية، و تواجد فيها الكثير من الربانيين الذين ذكرهم القرآن، و أيضاً أحبار و هم أشبه بالفريسيين المتشددين في شعائرهم و نظافتهم. صلح المدينة يبين معرفة محمد بفرق اليهود و تشعباتهم.
جماعات يهودية أخرى: هناك خيبر القريبة للمدينة و المشابهة لها في ديانتها، و لكن إحتكاك محمد معها لا يتعدي هجومه عليها في معركة الخندق، فلا يمكن أن يكون قد أخذ من عاداتهم. هناك أيضاً جماعة يهودية في فارس، لكن بعدهم يمنع أن يكون محمد قد أخذ منهم أيضاً. و هناك أيضاً جماعة في أثيوبيا، لكن محمد لم يسافر قط إلى هناك، إنما أرسل بعض من أتباعه، و هؤلاء لا يذكر بأنهم قابلوا أي يهود.
دين اليهود عند العرب: تم حصر أمكانية تأثر محمد في صلاته من ثلاث مناطق، سوريا-فلسطين، اليمن، يثرب.
الركوع و الوضوء: الصلاة في الهيكل مهمة، لكن تدميره جعل من الكنائس هي البديل الوحيد لإقامة الصلاة فيها بعد تفرق اليهود. تغير الوضوء من غسل الجسد بالكامل في زمن الهيكل إلى الإكتفاء بغسل اليدين في زمن الكنائس، و هو ضروري مما يعني إلتزام جميع الجماعات المنتشرة بفعل ذلك . و من الجدير الذكر بأن التلمود البابلي يذكر التيمم بالتراب في حال عدم وجود الماء.
السجود: على الرغم من كثرة ذكر السجود في التوراة إلا أن العادات تغيرت بعد فترة تدمير الهيكل، و لا يوجد ذكر للسجود بأنه جزء من العبادة . الكثير من الباحثين يكتفون بالإشارة إلى تلك الآيات كدليل بتأثر محمد بها، و لكن هذا لا يكفي، فالسجود في التوراة له معاني كثيرة، كإظهار الإحترام (١ السجلات ٢٩)، أو لكبت غضب الإله (التثنية ٩:١٨). و هناك صلاة تدعى (تحنن) تتضمن السجود، و لكن لم يتخذ لها شكل ثابت إلا في القرن ١٦، و حتى في القرن الثالث رفض بعض الربانيين السجود خلالها، و مع القرن السادس أتخذوا الجلوس في مقام السجود. و هناك صلاة أخرى تتضمن السجود و هي -ألينو لشبيعه- يمكن أن تعود للقرن الثالث أو إلى زمن الهيكل الثاني، أستمر الأشكنازيون (في أوروبا) بالسجود خلالها، لكن الجماعات اليهودية العربية لم تسجد. التلمود و المشناة لا يذكرا السجود إلا مربوطاً بشعائر الهيكل. و من هذا كله يمكن القول بأن السجود لم يكن منتشراً بين اليهود في زمن محمد.
إتجاه القبلة: الجماعات اليهودية اليمنية تمركزت حول الكنائس، و أجتهدت في حفظ القصص التوراتية و الأساطير، و كان التركيز على المشناة في التعليم الأساسي، و كل الإشارات تشير إلى أرتباط يهود اليمن بيهود إسرائيل، و يمكن القول بأنهم توجهوا نحو القدس عند الصلاة إتباعاً لآية في التوراة (١ الملوك ٨:٤٦ و أُخر من نفس الأصحاح)، و حتى القرآن يذكر بأن يهود يثرب توجهوا للقدس ٢:١٤٤.
تأثير اليهود في الصلاة: لم يأخذ محمد السجود من اليهود، و لكن يمكن أن يكون أخذ منهم الركوع. الوضوء و التيمم إحتمال كبير بأنه تأثر باليهود. أخذ منهم مواجهة قبلة معينة.
٧٩: الفصل السابع: "العادات الزرادشتية و الإمبراطورية الفارسية":
السلالة الأخمينية (٦٠٠ ق.م-٣٣٢ ق.م): منذ البداية كانت هذه السلالة متأثرة بالديانة الزرادشتية التي بشر بها زرادشت قبلها ب ٤٠٠ سنة. بعيداً عن قورش -أول ملك أخميني- هناك ملك آخر له علاقة بموضوع هذه الدراسة، أرتاقيرقس الثاني الذي حكم في ٤٠٤ ق.م، تزوج ابنته، و عندما مرضت بالجذام صلى لسبينتا أرمايتي -حامية الأرض و رمز الخضوع و الطاعة-، و سجد لها. دعم أرتاقيرقس عقيدة مختصة لتابعة أرمايتي، المدعوة أناهيتا، و فرض عبادتها. رفض الكهنة هذا الإنحراف عن الإله أهورامزدا، و أنشؤا معابد النار كرد على ذلك، و أستمر وجود هذه المعابد. تخصص أرتاقرقيس لأناهيتا جعله محط تذكر للساسانيين، و نسي الخلاف بين معابد أناهيتا و معابد النار في عهدهم.
الساسانيون (٢٢٤ ب.م-٦٤١ ب.م): أهتموا بالديانة كما أهتموا بالسياسة و التوسع، حتى وصل نفوذهم لليمن. أن تكون فارسي هو أن تكون زرادشتي، فعندما يلتقي عربي بفارسي فهو يلتقي أيضاً بزرادشتي الهوية. أزداد التشدد الديني في عهد خسرو و منع الإختلاف في ما يجب أن يتبع، و منع جميع الديانات الأخرى مع الإستمرار بالأعتراف بها. من قبله سمح يزدجرد للمسيحين بممارسة ديانتهم، و مع خسرو أصبح أي غير زرادشتي نجس. لم يتعمق نفوذهم في الجزيرة، و وضعوا حامية في الحيرة لرعاية شؤونهم يحكمها اللخمديون الذين ألفوا عادات الزرداشتين و بالتالي ربما أخذها منهم التجار العرب.
الزرادشتيون في زمن محمد:
الصلاة اليومية: الثقل الأكبر من الشعائر يقع على عاتق الكهنة، و أما العامة كانوا يقيمون الصلوات الخمس -الفجر، الظهر، المغرب، ما بين المغرب و نصف الليل، ما بين نصف الليل و الفجر-، يقابلون نار أو ضوء (رمز الطهارة)، و تتم أولاً بغسل الوجه و اليدين و القدمين، و بعدها يخلع حزام الكوشتي و يعرض على النار، و يعاد ربطه و تقال الصلاة. إذا كان هناك شيء واحد يمكن أن يلاحظه الغريب عن الزرادشتيين هو إهتماهم في إتمام صلواتهم الخمس.
الوضوء: الأمر الملاحظ الآخر هو الوضوء، يجب الحفاظ على طهارة خلق أهورامزدا، و منها الأرض، فإن تنجست بجثة فيجب تطهيرها. كل التطهيرات تبدأ بالغسل ببول الثيران، و بعدها يغسل بالتراب و ثم الماء . و لعدم توفر بول الثيران في كل مكان فتم التساهل مع عدم إستخدامه إذا لم يتركب إثم كبير.
السجود: الزرادشتيون يقفون أثناء الصلاة، و لكن قصة أرتاقرقيس تلمح لوجود مظهر للسجود، و ربما كان سبباً بعدها للسجود أمام الإمبراطور، رغم كون هذه العادة نادرة إلا في التجمعات الكبيرة حيث يسجد له الحشد . فلو شهد لخمدي هذا ربما نقل العادة إلى الحيرة بأنهم يسجدون لما يعدونه إله، على الرغم إن الحقيقة هي عدم إعتقادهم بإلوهية أي شخص، و إنما يسجدون للخصائص الإلوهية التي يمثلها الإمبراطور.
تأثير الزرادشتية على الصلاة: القرآن يقول بأن الصلاة أربع، بينما محمد جعلها خمس، و من الواضح تأثره بالزرادشتية مما ذُكر، و أحد أصحابه هو سلمان الفارسي الذي شغل منصب كاهن في معبد للنار لثلاث سنوات. إستخدامهم للماء و التراب ربما كان له أيضاً تأثير على محمد. أما السجود فالأدلة غير كافية.
١٠٠: الفصل الثامن: "العادات المسيحية":
لا يمكن إنكار قوة إطلاع محمد على الديانة المسيحية لكثرة ذكرها في القرآن و الحديث. هناك ثلاث فرق مسيحية كانت تشغل المنطقة في زمن محمد، الأصولية، وحدانية الأقنوم (مونوفيستيسم)، النسطورية . و الخلاف بينهم كان على طبيعة المسيح و ألوهيته. الأصولية كانت شبه محصورة في الإمبراطورية البيزنطية، فيما شغلت المونوفستية و النسطورية سوريا و مصر و الحبشة و اليمن و الجزيرة العربية . و على أطراف المدن أنتشر الكثير من الرهبان الروحانيين المنعزلين، و على الأغلب تأثر محمد قد جاء منهم.
تشعب المسيحية: توسعت الإمبراطورية البيزنطية بقيادة قسطنطين عام ٣٢٤ ب.م في الشرق، و أنهى الكثير من الحروب فيها، لكن التفرق فيها لم يتوقف. سمح قسطنطين للمسيحين بممارسة عبادتهم، و أعتنق المسيحية لاحقاً، و أصبحت البيزنطية متربطة بالمسيحية، تماماً كما جعل الساسانيون الزرادشتية ديانتهم. زادت ثروة سوريا و زاد الحج إلى القدس، فيما كانت بقية المناطق في الهلال الخصيب متضررة من الصراع البيزنطي-الساساني.
التفرق و المعتقدات: تفرقت المسيحية إلى فرق، و التي تبلورت بدورها بشكل ثابت بعد عدة مؤتمرات أقيمت بهدف تحديد العقائد المسيحية. بعد مؤتمر خلقدونية في ٤٥١ ب.م أنفصلت المونوفستية و النسطورية عن الأصولية بشكل تام . فالأصولية آمنت بأن للمسيح أقنومين (ناسوتي و لاهوتي) على عكس إيمان المونوفستيين بأن له أقنوم واحد (لاهوتي). ساهم الراهب جيمس برعاداي بشكل كبير في نشر المونوفستية. أستمر رفض المونوفستيون للأصولية البيزنطية، و توسع نفوذهم من البحر الأسود إلى الحبشة، و أساس هذا الإنطلاق هو من سوريا-فلسطين.
سوريا-فلسطين: على الرغم من محاولات البيزنطيين لنشر الأصولية، إلا أن المونوفستية أستمرت في المنطقة. نشبت الصراعات بين البيزنطيين و الساسانيين، و تضرر مسيحيو المنطقة كثيراً، و قتل الكثير منهم من ما تذكره النصوص و الحفريات الأثرية. دفع هرقل الساسنيين شرقاً، لكن ظلت بعض المناطق السورية تحت سيطرتهم، فأستمر إضطهاد المسيحيين. أنهك الساسانيون و البيزنطيون أنفسهم بعد ثلاثين سنة من الحرب، و لم يستعيد جنوب فلسطين مكانته في الأنتاج الديني و الإستقطاب. أرتحل النسطوريون شرقاً بحثاً عن ملجأ آمن عند الساسنيين. إن قابل محمد مسيحي في المنطقة و تأثر به فهو على الأغلب مونوفيستي. الهدف من الصلاة عندهم يتشابه في غايته مع الإسلام، و هو إظهار الخضوع لله . لكن الفرق الكبير هو أن السجود هو أساس الصلاة عند المسلمين بينما التمثل بالصليب هو مظهر الصلاة عند المسيحين، و الفروق الأخرى هي أن صلاتهم شخصية و قصيرة و تتركز على الكلمات و الفكر. أنتشر الرهبان السوريون في الصحراء للتبشير بدينهم. إن قابل محمد أحد المسيحين و رآه يصلي فهو سيراه في وضع الصليب، و لذلك إحتمال تأثره بصلاتهم بعيد. أما عن القبلة، فالتقليد المسيحي هو تعليق صليب أو صورة على الحائط في جهة الشرق . و هذا يختلف عن التوجه نحو موقع جغرافي كما عند اليهود نحو القدس أو المسلمين نحو الكعبة، و إنما التوجه للشرق لكونه الجهة التي سيعود المسيح منها، و لذلك لا يوجد تأثر هنا. عدد صلوات المسيحين هو ما بين ثلاث في اليوم على الأقل (كما أُمر دانيال) و سبع (كما كان داوود يصلي) . و الساعات المخصصة للصلاة هي الساعة الثالثة و السادسة و التاسعة . تكاد تتماثل أوقات الصلاة مع صلاة المسلمين، و لذلك من الصعب القول بحدوث تأثر من عدمه، و لكن الإمكانية موجودة.
مصر: أيضاً مونوفستيين، و على خلاف مع البيزنطيين في عقيدتهم، و أنفصلت كنيستهم عن الكنيسة البيزنطية بحلول القرن السادس. كان الكثير من رهبانهم من الروحانيين، و من أشهرهم أنتوني الكبير، الذي أتبع قدوته الكثير من الرهبان و أنتشروا في الصحراء باحثين عن الخلاص، و سموا هؤلاء بآباء الصحراء. و من البعيد أن يكون محمد تأثر بهم، على الرغم من وجود عادة السجود لديهم، و لكن سجودهم كان أمام الضيوف الذين أيضاً من الرهبان مع نية التوجه إلى الله نفسه لا الضيف، و من المعلوم أن محمد حرم السجود لأي أحد قط مهما كان، و أيضاً كون السجود كان يقام أمام الرهبان لا الضيوف العاديين، الذين كانوا يطعمونهم و من ثم يصرفونهم يبعد إمكانية التأثر. هناك قصة يحكيها راهب عن شخص تطارده الشياطين، فقام بالسجود لله لطرد هذه الشياطين . و المثير للإهتمام هو عدم توضيحه لما هو السجود مما يعني كونه أمر إعتيادي للناس.
النوبة و الحبشة: لا توجد توثيقات كثير عن الممارسات الدينية في هذه المنطقة لكن إعتماداً على الوضع في مصر يمكن تخريص الحال في الحبشة، بحكم تأثرهم بهم. نجح المونوفيستيون السوريون في نشر عقيدتهم بعد حملات فاشلة من البيزنطيين إلى النوبة و الحبشة. السيرة تذكر سفر أصحاب لمحمد للحبشة (من ضمنهم أبو بكر) الذين رحبوا بهم بحفاوة، و ربما شهدوا تقاليدهم الدينية التي تشابه التقاليد السورية، من ضمنها طريقة الصلاة الصلبية و عدد الصلوات. أحتلت المونوفيتسة المصرية المرتبة الثانية خلف السورية في الحبشة، و لذلك لم يكن لآباء الصحراء مكانة كبيرة هناك.
اليمن: تحت حكم جستن، تجاهل البيزنطيون و الحبشيون خلافهم العقائدي، و توحدوا للتوسع في حميار. كانت هناك فترة مسيحية قصيرة في اليمن، تقوضت تحت حكم الملك اليهودي واكيا، و تحت حكم ذو نواس في ٥١٨ تم القضاء عليهم بعنف، ما عدا في الشمال في نجران. في ٥٢٨ غزا الملك الحبشي كالب اليمن، و لاحقاً تم غلبهم على أيدي قبائل عربية و الساسنيين عندما حاولوا الهجوم على مكة في ٥٤٧ (عام الفيل لم يصادف مولد محمد كما يحكى). قبل هذا، كان هناك تواجد للمسيحين في اليمن، لكنهم كانوا متفرقين و متصارعين. المنطقة المسيحية الأساسية هي نجران، و هم مونوفستيون، و اسمائهم عربية، مما يعني كونهم أصليين و ليسوا مرتحلين. كان محمد مطلع عليهم، و وعدهم بعدم إجبارهم على تركهم لدينهم.
شمال و وسط الجزيرة: لم يتوغل المونوفستيون إلى المدينة و مكة، و المسيحيون الموجودون كانوا من الجيل الأول من المتحولين، فلم يتسع لهم الوقت لبناء مجتمع مسيحي. كان تركيز البيزنطيين منصباً على حماية مصالحهم في فلسطين و سوريا، فلم يهتموا بالجزيرة. عقد البيزنطيون إتفاقيات مع شيوخ في المنطقة لحمايتهم -أي العرب- من هجمات البدو و لكن بشكل غير مضمون، فوقع عاتق هذه المهمة لاحقاً على قبيلة عربية تحولت للمسيحية المونوفيتسة، الغساسنة، و قاموا بالتحكم بالخيط الممتد من دمشق إلى حدود الحجاز. و الغساسنة كانوا يعدون من البيزنطينيين، على الأقل من كاتب واحد . و أحتفظوا بأستقلالهم، و لم يترددوا في الإنتفاض في حال لم يستلموا مستحقاتهم. الساسانيون أتخذوا اللخمديبن حلفاء لهم في الحيرة، و الكثير منهم كانوا مسيحيين، و أحتضنوا النسطورية الذين تأثيرهم على الإسلام ليس بالدرجة التي كان يعتقد بها.
تأثير المسيحية على الصلاة: صلاة المسيحيين تختلف عن صلاة المسلمين، فلا تأثير هنا، و سجود آباء الصحراء يختلف عن سجود المسلمين، فإحتمالية التأثير هنا ضعيفة. هناك تشابه بين أوقات و عدد الصلاة، فالإحتمالية للتأثير ممكنة. قبلة المسيحيين تختلف عن قبلة المسلمين، فالأولى تتعلق بجهة، بينما الأخرى تتعلق بموقع. الوضوء غير ضروري في المسيحية منذ البداية.