الكتاب يتحدث عن الإستعمار وسيطرته من الناحية الفكرية على الشعب المستعمَر وكيف أنه يسعى لخنق أي فكرة وإحباط أي شخص يحاول أن يوقظ الناس من سباتهم العميق ، يعمل على تشويه الأفكار وتحطيمها واستبدال فكرة مكان فكرة واستبدال فكرة جوهرية بأخرى جزئية وشحنها وشحن العواطف حولها حتى تغدو وكأنها هي الفكرة الجوهرية..
يوضح مالك بن نبي أن الإستعمار يعمل في منطقة الفكر والأفكار للشعب المستعمَر فهو يدرك أنه لا يمكنه الوصول لأهدافه وتحقيق كل مصالحه وبسط سيطرته إلا بامتلاك عالم الأفكار لهذا الشعب..
ربما الحديث في الكتاب عن الاستعمار يوحي لنا أنه يتحدث عن فترة ماضية حيث كانت معظم الدول العربية ترزح تحت الاستعمار وأننا الآن لم يعد يعنينا هذا الكلام باعتبار أننا تخلصنا من الاستعمار وبدأنا منذ زمن نحتفل بذكرى الاستقلال ، لكن حقيقة نحن إلى الآن مستعمَرين ولكن بطريقة جديدة ، لا وجود للاستعمار على أراضينا كوجود مادي ولكنه موجود ومتربع في عالم أفكارنا ومعتقداتنا يرسم ويخطط ويغير قواعد اللعبة كيفما يشاء ونحن ننفذ سواء كنا ندري أو لا ندري..وما مظاهر الغزو الثقافي والحياة المستوردة التي نعيشها الآن إلا دليل على امتداد أرجل الأخطبوط في حياتنا وأفكارنا ومعتقداتنا وتشبيه (الأخطبوط) هو لمالك بن نبي أعتقد ورد في كتابه (تأملات) حيث تحدث عن قوى الاستعمار الفكري والثقافي وشبهها برأس الأخطبوط المدبر وله أرجل ممتدة في بلادنا متمثلة بأولئك الذين يخدمون مصالح الاستعمار ومخططاته سواء كانوا من المستشرقين أو من بعض مثقفي البلد ذاته..
لدينا ثغرة كبيرة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وهي أننا لا ننظر لعالم الأفكار على أنه أسمى العوالم والمقومات الإجتماعية وأن الجانب الفكري هو قوة أساسية تنظم وتوجه قوى التاريخ كلها وتعصمها بذلك من محاولات الإحباط مهما كان نوعها..
أكثر ما يميز كتابات مالك بن نبي أنه يكتب عن الأسباب الجذرية للمشكلات التي تعانيها الحضارة والتي تقف في وجه النهضة ومن ثم يضع منهج إصلاحي يتناول هذه الأسباب ، منهج إصلاحي تقدمي تدريجي يبدأ من اصلاح الفكرة أي من الإنسان الفرد وصولاً للعلاقات الاجتماعية والمجتمع وانتهاء بالمحيط الاجتماعي الواسع شاملاً كل المجالات العلمية الثقافية الدينية الاقتصادية الصناعية..وهذا كفيل بأن يدعونا للاهتمام بكتابات مالك بن نبي وأفكاره..
الكتاب رائع جداً وقيم..رحم الله مؤلفه وجزاه عنا كل خير