لو طاوعت حدسي لفسرت الوجه المربع و الشعر الكثيف و اليدين المعقوفتين على أنهم لمحمد. يبدو حزيناً و بينه و بين أخته شارع أشبه بالنهر، غارق في اللون الأخضر و الأصفر. خيوط الحياة في الحارة تلعب على أنها شعارات ضوء نهاري و هو لا يدري أنها الصحراء. تكثر القباب و تكاد تشكل الوجه ذا التقاطيع الخرافية. تراجعت لأجعل المشهد بكليته تحت بصري، و اعذروني فأنا لا أرفض و لكني في حيرة مما أرى.
"أعتقد عند هذه النقطة أن لبساً حدث، حيث أن المصريين لن يعنيهم إن كان محمد ذكراً وسط ثلاثة عصافير، أم أنه عصفورة رابعة. و أكد محمد لي أنه أنهى تعليمه. كان لا يمكنه البحث عن عمل قبلما يجتمعون بشأنه، أيتركونه يعمل في هذا المكان أم لا. كان لا يصدق أن ما يفعلونه يستحق أن يفكر فيه. ما في عقله كان من قبيل البحث عن معنى الموت في وجود الحياة، و معنى الضياع في وجود العشق، و معنى الإحباط في وجود الجنس، و من هنا جاءت محنة محمد..!" - التأمل الثالث
"أرى أن نسلم بالأمر إلى أصحابه، تريد أمريكا البترول، و معها أحلام دولة جميلة، طفل لا يعجبه تصرف الكهول، أصحاب العظام الهشة. نترك كل شيء، يدخل مختبر الزمن. التاريخ لا يرى غير العماليق. و ماذا لو جاءت أمريكا؟! فلنجرب! يخافون متذرعين بحماية الدين. الدين ليس نزوات و مناقشات. الدين صدق، و نحن خلاصة الكذب، و أشياء مثل هذا. لو جاءت أمريكا.. لنظفت البلاد، و تعلم العربي كيف يعيش، كيف يحترم الحياة، و لماذا لا يذوب الفلسطيني في الإسرائيلي. نتركهم يتصارعون في ميدان العلم. نتفرج على منتج الفلسطيني و الآخر الإسرائيلي. ما حدث واقع، يناقض الماضي، عفت على لغته و قيمه الأحداث و الحداثة. تحول إلى بيت رعب نخشى الدخول فيه، لكن نعيش على الشهقة ابنة الطفولة. نرحب بما يغزينا بضعفنا و تحللنا و نعبد ذواتنا المريضة. نخشاهم لا بسبب السلاح إنما بسبب الجهل. لنترك العدو يفعل ما يرى و نفعل ما نقدر... لكن بالتقنية ثم نحدد بعد ذلك من سيكون من؟! و تدخلت لأعيده إلى شريطه الأخضر..! قلت له: إنك صاحب آراء تستحق أن نقف لحظة، و نحتسي كأسين من النبيذ..." - التأمل الرابع
"على الإنسان ألا يستسلم و يتموضع يا محمد. لو رضخت لما حدث معي في بلدي ما تعرفت عليك، ما تعلمت قيمة الحياة. الحياة يا محمد توضع في يدنا مرة واحدة. وجبة إما تلتهمها أو تهملها فتفسد. لن يسمعك أحد لو صرخت و بكيت و طلبت أن يمنحوك وجبة أخرى. أنا أوروبي أضعف من أن يحتفظ بآرائه لنفسه." - التأمل العاشر
"الدين في تصوري، على الأقل كأوروبي، جزءٌ كبير منه إنساني. لو افترضت أنه مركب وهبها لك الرب لتنجو بها من الطوفان عليك بناؤها. المركب لا توهب لك و إلا تعطلت كل قدراتك. العقل ممكن يصل لمجمل قواعد الدين. و كي يعيش الإنسان في سلام عليه أن يخطط جيداً ليستمر السلم في المجتمع. و التخطيط قبله معرفة، يعني تعليم. أعترف للشيخ أن الإنسان بطبعه ميال للانحراف. لكنكم هنا تتمسكون بالظاهر من الأشياء. أنا ما جئت لأنتقدكم، فغايتي كما ترون أن يحصل صديقي محمد على حقه في تسيير جياته بدون تدخل، أو ألا يرغم على شيء لا يريده." - التأمل الثاني عشر
"لا يا مستر. ممكن ألا نحتمل وجودنا، أما لو كرهناه كرهنا أنفسنا. و أنا يا مستر لا أصدق أن أحداً يكره نفسه.." - التأمل الرابع عشر
".. هنا مثل هناك. المدنية عندنا سيدة مفرطة النظافة، و الجمال، و الدقة. و هذا في نظري حولها لسيدة مصنوعة، قل: تمثال به كل مقومات الجمال و البراعة، عدا القيمة الأساسية و هي جوهر الحياة. في هذا البلد هو الأمر نفسه. هنا الوجه القبيح من المدنية، السيدة حين تهرم، تنحني، لا تكف عن الأنين و الشكوى، و يكتسي وجهها بدمامة العجز و الخرف." - التأمل الرابع عشر