يختص هذا الكتاب بدراسة تاريخ الإفتاء المصري في القرن التاسع عشر وعلاقة الشريعة بالتطورات السياسية والفكرية والمجتمعية المختلفة من خلال مجموعات الفتاوى الرسمية والأهلية. ويقع الكتاب في خمس فصول:
الفصل الأول بعنوان الدولة والشريعة والقانون في النصف الأول من القرن التاسع عشر ويدرس أدوار المؤسسة الدينية في أخريات العصر العثماني والمتغيرات التي طرأت عليها مع تأسيس الدولة الحديثة على يد محمد علي بالتركسز على نماذج مختارة لبعض الفتاوى التي استصدرتها الدولة دعما لسياساتها الداخلية والخارجية كفتاوى تحديث المؤسسة العسكرية والتجنيد، وإلغاء الوقف الأهلي.
الفصل الثاني يتناول بنية المؤسسة الإفتائية :ومكوناتها والعلاقات فيما بينها، ويدرس تفصيلا نوعي الإفتاء السائدين وهما الإفتاء الرسمس (الحكومي) والإفتاء الأهلي (المذهبي) من خلال نموذجين هما الشيخين، محمد العباسي المهدي شيخ الديار المصرية والشيخ محمد عليش المالكي مفتي السادة المالكية.
الفصل الثالث: يتناول الفتوى والمتغيرات السياسية والحداثية، فيدرس نماذج للفتاوى السياسية المختلفة ويطرق لبعض الفتاوى المتعلقة بتحديث الجهاز البيروقراطي للدولة والدراسة بالغرب وتسلل طرائق المعيشة الغربية للحياة الاجتماعية.
الفصل الرابع يناقش التطورات على المجال الديني من خلال قضايا، الدعوة إلى الاجتهاد في أوائل القرن، والتصوف، وموقف المفتي من عمليات تغيير الديانة.
الفصل الخامس يتناول علاقة الفتوى من خلال مسألتين هما المسألة النسوية والمسألة القبطية ويقدم تحليلا لفتاوى الأقباط في محاكم الشريعة وسياسة المواطنة وإنهاء الذمية وموقف المفتي من ذلك. وفي المجمل يحاول هذا الكتاب أن يستقصي علاقة الشريعة بالمتغيرات التي شهدتها مصر خلال القرن ويقدم موقف الشريعة منها.
يُعد سؤال الشريعة ومواجهتها للتحدي الحداثي من أهم الأسئلة التي يُمكن أن تُطرح عند معالجة علاقة الدولة الحديثة في مصر بالدين، وقليلة هي الدراسات التي تعرِض لمثل هذا التحدي، ومن هنا تأتي هذه الدراسة المبهرة للأستاذة فاطمة حافظ لترصد كيف واجهت الشريعة تحدي الحداثة من خلال رصدها لدور الفتوى في مصر القرن التاسع عشر، فهي لا تنظر إلى الفتوى بوصفها دالة على ممارسات دينية، بقدر ما تتخدها كوسيلة لرصد السياقات الاجتماعية والسياسية التي تحركت من خلالها الدولة وعامة الناس إزاء هذا التحدي الجديد للشريعة أمام الحداثة، وإذا كان جاكوب سكو فجارد- بيترسون قد رصد من خلال كتابه المبهر " إسلام الدولة المصرية" كيف تم مأسسة وظيفة المفتي عن طريق إنشاء دار الإفتاء المصرية عام 1895م التي وصفها جاكوب بأنَّها " شكيمة الإسلام الرسمي المفضَّلة للتكييف بين الدولة والدين"، فإنَّ الأستاذة فاطمة حافظ هنا تُبيِّن لنا أن تلك المأسسة سابقة على إنشاء دار الإفتاء المصرية، وأنَّ ظهور لقب مفتي المحروسة أو مفتي الديار كان سابقًا على عملية إنشاء دار الإفتاء المصرية.
يؤكد الكتاب أنَّ الدولة الحديثة التي أنشأها محمد علي باشا وجدت نفسها أمام فوضى الإفتاء، ومن هنا بدأت الدولة في تنظيم عملية الإفتاء لاسيما بعد أن تمدَّدت الدولة وبسطت هيمنتها على أوجه الحياة الاجتماعية المختلفة. قنَّنت الدولة عملية الإفتاء بإدماج المفتين ضمن الهيكل البيروقراطي للدولة = وظهر ما تسمَّيه الباحثة بالإفتاء الحكومي في مقابل الإفتاء المذهبي " الأهلي"، وقد اعتمدت الدولة المذهب الحنفي مذهبًا فقهيًا للإفتاء الرسمي الذي تربع على رأس منظومته مفتي مصر أو مفتي الديار المصرية الذي يليه مفتي مجلس الأحكام، وفي مقابل هؤلاء كان هناك الإفتاء المذهبي الأهلي الذي يُمثِّله مفتي المذهب المقيم بالقاهرة، وقد انحصر في تلك الفترة في مفتي المالكية مثل الشيخ محمد عليش. كانت بطبيعة الحال استجابة مفتي الدولة والمفتي المذهبي لتحدي الحداثة مختلفة، وهو ما سيركِّز عليه الكتاب متخذًا من الشيخ محمد العباسي المهدي الحنفي مثالًا لمفتي الدولة الرسمي الذي واجه سؤال الحداثة ومتطلبات الدولة، ومن الشيخ محمد عليش كنموذج للمفتي المذهبي على مذهب السادة المالكية وكيف واجه هو الآخر تحدي الحداثة.
لا تريد الأستاذة فاطمة حافظ بطبيعة الحال القول أنَّ المفتي الحكومي كان ألعوبة في يد الدولة، بل تريد القول أنَّ المفتي المذهبي كان أكثر تحررًا في عملية الإفتاء من المفتي الحكومي، كان أحد أوجه هذا القيد الذي وُضع حول رقبة المفتي الحكومي هو إلزامه بالإفتاء بالمذهب الحنفي مما تعذَّر معه في كثير من الحالات تطبيق العدالة، من ذلك مثلًا إصرار المفتي الحكومي الحنفي على عدم جواز التطليق على الغائب مطلقًا، فقد عرضت الباحثة نماذج لنساء يشتكين من غياب أزواجهن مدة طويلة إحداهن ثماني سنوات والأخرى أربع سنوات ولا يعرفن عنهم أي شيء، ومع ذلك رفض المفتي الحكومي تطليقهن، بلاشك هناك العديد من الفتاوى المجتمعية التي فشلت المنظومة الإفتائية أمامها بسبب إلتزامها الحرفي بنصوص المذهب الوحيد المقرر للإفتاء، ولم يكن هذا التحدي الاجتماعي هو الوحيد الذي جابهه المفتي، بل وجد نفسه أمام الدولة نفسها، مثل مشكلة التوثيق، التي رفض فيها المفتي الحكومي الحنفي سياسة الدولة الراغبة في الاستيلاء على ممتلكات الأفراد لمجرد عدم وجود حجة بأيديهم، وكذا مشكلة التقنين وهي وضع معتمد المذاهب في قوانين والتوفيق بينها وبين القوانين الفرنساوية، وقد رفض الشيخ مصطفى العروسي مطلب الخديو إسماعيل في هذا الأمر.
كانت التقنيات الطبية الحديثة من الأمور التي جابهت مفتي الحكومة والمفتي المذهبي، وقد بدأ قلق المفتي المذهبي من تلك التقنيات أكبر من قلق المفتي الرسمي، يرصد الكتاب مثلُا كيف أنَّ الشيخ عليش كانت له نظرة سلبية لفكرة " التطعيم" التي ألزمت به الدولة المواطنين، وكان يرفض صراحة سياسة الدولة الصحية، وكذا في الموقف من الآخر فقد كانت كتابات الشيخ عليش في رسالته " أجوبة الحيارى عن حكم لبس قلنسوة النصارى" أكثر انغلاقًا من المفتي الرسمي في قبول تيار الحداثة حتى أنَّ الشيخ عليش رفض تعلم العلوم الغربية الحديثة، وعدم جواز الإقامة في الغرب لأي سبب، بخلاف الشيخ المهدي العباسي الذي كان أكثر انفتاحًا في تلك الأمور على التيار الحداثي ولكن بتفصيل وضوابط شرعية.
وتذكر الباحثة أن تشابك السياسي مع الديني دفع الفتوى للمجال السياسي، حيث حصل العرابيون على فتوى بخلع الخديو توفيق من عدد من العلماء غير الحكوميين مثل الشيخ عليش، في الوقت الذي رفض فيه المفتي الحكومي المهدي العباسي هذا الأمر لأكثر من مرة، وذلك لأن الدولة في سياستها لم تكن تقدر على تجاهل دور الفتوى الدينية من أيام محمد علي باشا، ومن ثم بات فتح باب الاجتهاد مطلبًا ضروريًا أمام تحديات الحداثة ومتطلبات الدولة، وهنا تمسك المفتي الحكومي والمفتي المذهبي معًا بفكرة غلق باب الاجتهاد، وواجه بكل قوة مفتي الحنفية المهدي العباسي ومفتي المالكية الشيخ عليش دعوة الشيخ محمد بن علي السنوسي لفتح باب الاجتهاد، ومع ذلك تقول الباحثة أنَّ متطلبات الحداثة كانت تدفع حتى هؤلاء الذين عارضوا الاجتهاد المطلق مثل الشيخ عليش إلى الاجتهاد ولو بشكل غير واعٍ.
تلاحظ الباحثة من خلال قراءة الفتاوى الرسمية في تلك الفترة سواء الفتاوي المهدية أو فتاوى مجلس الأحكام عدم إيقاع المفتي الرسمي حد الردة على من ثبت في حقهم الردة القولية أو الفعلية، وهو عكس تقريرات المفتي المذهبي غير الرسمي مثل الشيخ عليش الذي كتب عن وجوب تطبيق حد الردة، ومن جهة أخرى ترصد الكاتبة حال المسألة النسوية في الكتابات الإفتائية الرسمية والمذهبية، حيث لم تُنصِف المرأة إطلاقًا، ويمكن بالفعل أن نوافق الكاتبة على ذلك، حيث تبدو من خلال استفتاءات النساء مدى الظلم الواقع عليهن، في حين جاءت ردود المشايخ باهتة ملتزمة حرفيًا بنصوص المذهب دون قراءة واعية لمشاكل الواقع.
هذا الكتاب من الكتب المهمة جدًا، ولا غنى عنه مع كتاب جاكوب "إسلام الدولة المصرية" لفهم دور الإفتاء في مصر الحديثة وتحولاته وكيف واجه سؤال الحداثة، وكما بيّن جاكوب أنَّ مفتي الديار لم يكن ألعوبة في يد الدولة في القرن التاسع عشر، كذلك بيَّنت الأستاذة فاطمة حافظ، فالعلاقة بين المفتي الرسمي وبين الدولة متشابكة بين الموافقة والمخالفة، لكنه بالنهاية كان أداة ضبط اجتماعي استعملتها الدولة، كما غض المفتي الحكومي الطرف على بعض ممارسات الدولة المخالفة للشريعة وقدَّم دعمًا كاملًا لفكرة الدولة الحديثة، وظلّت مشكلة المفتي الرسمي والمذهبي بالنهاية واحدة، هي وقوعهما في التقليد المطلق رغم وجود بعض المحاولات الطفيفة لتجاوز هذا التقليد؛ مما جعل الشريعة تمثِّل أزمة حقيقية أمام تيار الحداثة الذي تبنَّته الدولة، وهذا أرغمها مع الوقت على التخلي عن الشريعة رغم تمسُّكها بها منذ أيام محمد علي إلى منتصف القرن التاسع عشر، وكانت الفتوى هي صورة الشرعية التي تتمظهر من خلالها الدولة في مواجهة رعاياها.
قرأت جل الكتاب ، ولكن نسختي ليست معي حاليا للأسف. فكرة الكتاب بديعة ، ويستحق أن يعطى اهتماما أكبر عنوان الكتاب يتحدث بدقة عن الموضوع. وقد قامت الباحثة بالرجوع الى المخطوطات المهمة المتلعقة بالجانب الفتوى وكذلك هناك تحليل جيدا ذاكرتي بعيدة نوعا ما، ولكني استمتعت به
لم يعد البحث التاريخى قاصرا على سرد الحوادث التاريخية والتى تعبر عن طبقة سياسية عليا بل يحاول تجاوزها و توسيع البحث ليشمل فئات أوسع من المجتمع لم يستطع المؤرخ التقليدى أن يضع صوتها فى الصدارة و يسعى هذا البحث إلى الانصات لهذا الصوت عبر طرائق عدة منها النظر فى كتب الفتاوى و التى لا تعد محض مصادر للمعرفة الدينية بل بها مادة غنية لرصد سؤالات المجتمع و تفاعل علماء الدين مع الواقع حيث يرصد تفاعل المؤسسة الرسمية و الإفتاء الاهلى غير الرسمى مع دخول الحداثة فى القرن التاسع عشر و اتخذ من فتاوى المهدى العباسى معبرا عن المؤسسة الرسمية و فتاوى الشيخ عليش معبرا عن الإفتاء الاهلى و الحق أن الدراسة ثرية للغاية سواء على مستوى الفكرة اصلا أو على مستوى البحث و الجهد المبذول فيه و هذه تعليقات يسيرة على الكتاب اولا هذا الكتاب يمكن قراءته مع السعى للعدالة لخالد فهمى و إن كان الثانى اثقل معرفيا و امتن لكن يظل الكتابان يقدمان رؤية متقاربة لتفاعل الدين و الحداثة في عهد أسرة محمد على و هى رؤية تتجاوز كلا الروايتين للإسلاميين و العلمانيين و التى تستبطن روحا عدائية و حربا بين الحداثة و الدين ليزيح أحدهما الآخر عن المجال العام و عن الهيمنة على قوانين الدولة ، الحق ان رؤية الكتابين تجعل من الدولة حريصة على رأى الدين و معتبرة لرأيه إلى حد لا باس به فى سياق التوفيق بين الحداثة و الفقه و محاولة الوصول لحلول وسط و أن الحداثة تقدم للدين ادوات أدق عن الادوات السابقة التى باتت أضعف و اقل موثوقية بمقابل الادوات الأحدث هذه الفكرة لا أزعم التسليم لها لكنها بديعة و جديرة بالجدل العام لانه ليس نقاش فى الماضى بل قدر واسع من جدالات الحاضر مرتبط به قضية أخرى و هى هل يمكن تحديث المجتمع دون استخدام خشونة من السلطة لإزاحة الأفكار الرجعية أن جاز أن نستخدم هذه المصطلحات مثلا عرض الكتاب لموقف الإفتاء الاهلى ( الشيخ عليش ) من التطعيم الطبى و رفضه له و هو رفض ينطلق من ثقافته العامة أكثر من أدلته الشرعية بينما يقدم الإفتاء الرسمى موقفا اقرب للخداثة بل و أقرب حتى لنصوص الدين متخففا من النظرة العامية و الثقافة الشعبية هل يمكن حسم هذه النقاشات بالحوار فقط أم أننا بحاجة إلى حسم اقوى و خشن من قبل الدولة و لو اخترنا الثانية من يضمن ألا تلتهم الدولة كل من يعارضها بعد ذلك بزعم القيام بمهمة التحديث المقدسة و نكون دفعنا ثمن اخراج المارد من قمقمه
و عطفا إلى النقطة السابقة تقدم الدراسة لنا علاقة أكثر تعقيدا بين الإفتاء الرسمى و الأهلى حيث اعتدنا دوما الانحياز للاهلى لمجابهة الرسمى باعتبار الثانى محض علماء سلطان و هو ما ��د توفق معه فى الموقف من عرابى حيث سانده الشيخ عليش بينما رفض العباسى دعمه لكن حينما ننتقل لقضايا التحديث نجد أن الإفتاء الرسمى اقرب له من الإفتاء الاهلى كثيرا ما يكون الإفتاء الاهلى معبرا عن موقف شعبوى و عامى أقرب منه معبرا عن الدين نفسه خالصا من هذه الشوائب
نقطة أخرى هى حول الاجتهاد و التقليد مثلا حينما نجد كثرة شيوع القتل بالنبوت بين الفلاحين بينما الفقه الحنفي لا يجيز القصاص ما دام القتل بالآلة غير حادة هنا يلجأ الفقيه لاعتماد رأى مرجوح داخل المذهب ليتلائم مع الواقع ، السؤال هنا هل هذا تقليد ام اجتهاد ثم السؤال الأهم هو إذا لم يكن هناك رأى مرجوح اخر لا يصح الفقيه إعادة النظر فى المسألة و البحث فى الأدلة أم أن مهمة الفقيه لا ينبغى أن تتجاوز البحث عن رأى فقهى و لو ضعيف داخل المذهب ليفتى به فإن لم يجد فلا يبرح المعتمد ؟!! نقطة اخيرة و هى الماح الكتاب لحالة الازدراء لدى المشايخ لغير العلوم الشرعية مثل كلام الشيخ عليش ( بأنه قد تقرر فى الشريعة أن العلوم المطلوب تعلمها هى علوم الشريعة و بعض العلوم الخادمة لها كعلوم العربية و ما زاد على ذلك لا يطلب تعلمه بل سنهى عنه ) و هذا الامر يحتاج لبحث منفرد متتبع فيه رحلة العلوم التجريبية أن جاز التعبير فى الحضارة الإسلامية و متى ازدهرت و لما أفلت و هو بيحث كفيل بأن يكشف اللثام عن كثير من أسباب تأخرنا المعاصر