ما زالت راسخة في ذهني، تلك الليلة القمرية وأنا بعمر السنتين، أتوسّد ذراعها اللّين كَلينِ غيمة محمّلة بالمطر، و أُداعب الشامة السوداء التي تفترش منتصف ذقنها، تسرد لي حزاية «قصة» (فطيمون وعويشون)، واحتضنها وأتمسّك بكل أشيائها، لتكون إلى جانبي، ولا يخطفها الموت، وأصبح مثل فطيمون من غير أم. وشوشت لي في أذني بصوتها الهامس الناعم بقراءة سورة «الفاتحة»، أول مرة أسمعها بالصوت الذي أعشقه، واطمأننت أنها بجواري لن تذهب بعيدا. أحضرتْ الحناء المعجونة بماء الورد، وبتلات الزعفران، وقطرات الندى، وحنّت أطراف أصابعي الصغيرة، ومن الحنّاء صنعت لي دائرةً صغيرةً في منتصف كفي، وحنّت أمي أصابعها السمراء، التي تشبه أغصان القرنفل، كحنّتي تماما. «أمي! إننا نملك قمرين في أكفّنا»، قلت لها ذلك وأنا أحلّق من الفرحة لأنني أشبهها في شيء ما، اللون الأحمر القرمزي يشعّ من بين أصابعنا. أدخلَتني إلى حلقات الكتاب، عند المعلمة فاطمة، وأنا في عمر السنتين، لم تخيّب طفولتي أحلامَها، تقرأ المعلمة الفاتحة على مسامعي مرة واحدة، وأردد خلفها، وأنظر لحنّاء أمي، حفظتُ الفاتحة في جلسة واحدة. وكانت من أجمل الحكايات التي ترويها أمي لقريباتها وصويحباتها. ندمت إنني لم أكن قوية وأتمسّك بزمن طفولتي، وأمنعه من الطيران أو اللحاق به على الأقل. جناحي ضعيفة لم أستطع الطيران، وكان أقوى مني، وسرق أمي التي لم ولن امتلأ منها.
- الكتاب عبارة عن مجموعة قصصية تجاوز عددها الـ ٢٠ قصة. . - اختارت المؤلفة التوسع في أفكارها هذه المرة مقارنةً بكتابها: بحر الزين، القصص لم تقتصر على ظفار وأهلها، وإنما أمتد لبعض دول العالم مثل بريطانيا وفلسطين. . - القصص كانت من نوع الحكاية الشعبية، والحكاية الشعبية لدينا مليئة بالخرافات والجن والسحر والأساطير، كما وجدناهن في الكتاب، في هذه النقطة نجحت المؤلفة في رسم صورة عن كيفية تفكير كبار السن والعجائز، التأويل للقدرات الخفية في التفسير والحلول. . - القصص ليست للمتعة فقط، فقد كانت هادفة وذات رسائل وقضايا متنوعة، مثل: اللقيط، دار العجزة، بخل تبادل المشاعر بين الأزواج، الحروب، الإحتلال، التجارة بالقضايا الإنسانية، اختطاف الأطفال، ونهبهم، تجزئة المبادئ، الأخلاق، السلوك في المدن... . - المؤلفة التزمت بأركان القصة، هناك وفاء تام للزمان والمكان، في الوصف للشخوص والمكان، للتدرج في التشويق، ولوجود النهايات. . - النهايات في القصص عادةً ما تكون إيجابية ومنطقية، لذلك أراها أفضل من كتاب بحر الزين بخصوص هذه النقطة. . - من الإيجابيات -والتي تعجبني شخصيًا- إدخال الأمثال الشعبية في القصص، بالإضافة إلى أن هناك مصطلحات شعبية شرحت المؤلفة معناها أسفل الصفحة. . - هناك قصص وجدتها ممتازة جدًا، وما زالت في الذاكرة مثل: محمد الدرة، رفاقٌ بلا موعد، نفوس قبيحة، الجمال المنسي، الباص الأحمر، صدفة خير من موعد.. وهناك قصص رأيتها أقل درجة مثل: آه يا لندن، احكِ يا شهريار. . - الكتاب ممتاز لمن يحب قراءة الحكايات الشعبية ويحب الحديث عن ظفار وأهلها ♥️