الحمدلله. سِفر جليل عظيم، زاخر بتراجم الأئمّة الأعلام، أصل من الأصول، لا غنى عنه البتّة. وتحقيقٌ بديع، لولا ما أطال به الكتاب بنقل النصوص التي ربما يستغنى عنها، لكن هذا ممّا تختلف فيه الأنظار. ورضي الله عن إمام أهل السنة والجماعة الشيخ أبي الحسن الأشعري، ورحم الله ناصر السنّة الحافظ ابن عساكر.
الكتاب يقوم بالتعريف بالإمام أبي الحسن الأشعري -رضي الله عنه-، ثم يعرج بذكر طبقات الأشعرية الخمس وأبرز رجالها، وفي النهاية يرد على رسالة المفتري الأهوازي في حق الإمام الأشعري. .وفي هذه الطبعة ألحقت رسالة الأهوازي
قال الإمام تاج الدين السبكي: "كل سُني لا يكون عنده كتاب (التبيين) لابن عساكر فليس من أمر نفسه على بصيرة" رضي الله عن حافظ الدنيا أبي القاسم ابن عساكر ونفعنا به في الدارين.
هذا الكتاب ألّفه الحافظ ابن عساكر الدمشقيّ للدفاع عن الشيخ أبي الحسن الأشعريّ رحمه الله، إزاء ما قاله أبو عليّ الأهوازيّ غفر الله له (المتوفّى سنة ٤٤٦هـ) من كلامٍ باطلٍ ومجانبٍ للإنصاف في حقّ الشيخ الأشعريّ رحمه الله، وللرّد على أقواله تلك.
وأوّل ما يُحمد لهذا الكتاب أنّه يبيّن سيرةَ أبي الحسن الأشعريّ رحمه الله وصفاتِه بيانًا واضحًا، كما يتعرّض لفضائل أهل اليمن – الذين ينتسب إليهم أبو الحسن – ولفضائل جدّه الجليل الصحابيّ أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه، ويردّ على دعوى الأهوازيّ أنّ أبا الحسن ليس من ذرّية أبي موسى رضي الله عنه، مثبتًا نسبه إليه بالأقوال والنصوص المنقولة عن العلماء والمحدّثين.
ثمّ إنّ الكتاب قد أحسن في بيان رجوع الشيخ الأشعريّ رحمه الله عن مذهب الاعتزال، وردّ على دعوى الأهوازيّ أنّ توبته لم تكن صادقة، وأثبت مكانته العلميّة الرفيعة، كما أبطل طعنَ الأهوازيّ فيه بأنّه لم يكن من أهل العلم.
وذكر ابن عساكر في كتابه تراجم خمس طبقاتٍ من كبار أئمّة الأشاعرة، منهم أصحابُ أبي الحسن كأبي الحسن الباهليّ، ثمّ القاضي أبو بكر الباقلانيّ، وابن فُورَك، وأبو إسحاق الإسفرايينيّ، وأبو بكر البيهقيّ، وأبو حامد الغزاليّ.
وتطرّق أيضًا إلى مذهب أبي الحسن الأشعريّ رحمه الله في كتاب الإبانة، حيث أثبت الشيخ الأشعريّ في هذا الكتاب الجليل صفاتٍ كاستواء الله على العرش، والوجه، واليدان، والعينان، والأصابع، والنزول إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، على مذهب السلف، مخالفًا بذلك المتأخّرين من الأشاعرة الذين يزعمون الاتّباع له.
ولمن أراد الوقوف على هذا الجزء من الإبانة منقولًا عن ابن عساكر، فليراجع كتاب تبيين كذب المفتري تأليف الحافظ ابن عساكر الدمشقي، ص٣١٦–٣١٩، دار التقوى.
غير أنّ هذا الكتاب – في رأيي – لا يخلو من مواضع ضعفٍ ونقصٍ أيضًا.
الخطأ الأوّل: حاول المؤلّف أن يُظهر الحنابلة (أهل الحديث) تابعين للأشاعرة، وزعم أنّهم في ردّهم على الشبهات اعتمدوا أصول الكلام الأشعريّ، وهذا باطل؛ لأنّ علماء أهل الحديث كالبربهاريّ رحمه الله، وابن أبي زيد القيروانيّ رحمه الله، وابن بطّة رحمه الله وغيرهم من أئمّة السلف والخلف، قد ردّوا على شبهات الكفّار وأهل البدع دون الحاجة إلى أصول المعتزلة أو الأشاعرة أو الماتريديّة.
وقد ردّ الإمام ابن المبرد الحنبليّ رحمه الله على هذا القول بوضوح في كتابه جمع الجيوش، ويظهر أنّ المؤلّف قد غلا في تعظيم الأشاعرة حتّى برّأهم من كلّ مخالفةٍ لمنهج السلف، بل نسب مذهبهم إلى مذهب السلف الصالح بلا بيّنة، مع أنّ السلف قد أنكروا أشدّ الإنكار التفويضَ في المعنى والتأويلَ في الصفات.
وخلافًا لرأي ابن عساكر، فإنّ أهل الحديث – من غير أصولٍ كلاميّةٍ أشعريّة – قد ردّوا على شبهات الملاحدة ردًّا أكمل وأقوم، ويكفي في ذلك كتبُ الإمامين الجليلين ابن تيميّة وابن القيّم رحمهما الله.
الخطأ الثاني: سلك الأهوازيّ منهجًا باطلًا في انتقاص الشيخ الأشعريّ رحمه الله، معتمدًا على أقوالٍ بلا دليلٍ ومبنيّةٍ على الطعن والتجريح. وكان مقصد ابن عساكر أن يردّ على هذه الافتراءات. ومن العجيب أنّ ابن عساكر أنكر على الأهوازيّ طعنه في نسب أبي الحسن بلا بيّنةٍ وعدّه مخالفًا للتقوى، غير أنّه في الموضع نفسه طعن في عُجميّة الأهوازيّ من غير حجّةٍ قويّة، وعدّ سببَ طعنه في أبي الحسن أنّه من العجم، وأنّ الأهواز فُتحت على يد جدّه الصحابيّ أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه، فكان ذلك سبب حقده.
ثمّ ساق ابن عساكر قوله المشهور:
«ومتى كان خُوزُ الأهواز يعيبون عرب البصرة ؟! وكيف ينهَم أولاد المجوس بالإلحاد والزندقة أبناء ذوي الهجرة ؟! ولا شكّ أنّ الأهواز من جملة البلدان التي افتتحها أبو موسى الأشعريّ جدّ هذا الإمام، وكذلك أصفهان وغيرها ممّا افتتح على يديه رحمه الله من الفتوح العظام. واختلف في كيفية استيلاء أبي موسى على الأهواز فتحًا؛ فقيل: افتتحها بالسيف عنوة، وقيل: بل افتتحها صلحًا، والأصحّ قول من قال: إنها افتُتحت عنوة؛ وذلك السبب عندي هو الموجب لهذه الجفوة، والمورث للغلظة على ولده والقسوة، والمؤثر في شدّة النفور عن معتقده والتَّبْوَة؛ لأنه أدخل على أسلاف الأهوازيّ من المجوس بليةً ومحنةً أورثت قلبه لنسله عداوةً وإحنة، فلهذا استفرغ جهده في الإزراء على أبي الحسن والتشنيع عليه، ورماه بكلّ ما أمكنه من الشنيع، لأنّ البعض يتوارث الودّ والبغض، فلذلك تجاوز في عداوته الحدّ، لأنه لما لم يتجاسر على أن يطعن في أبي موسى ويعيب أمره... شفى بما ذكره في ولده أبي الحسن رحمه الله صدره.»
المصدر: تبيين كذب المفتري، ص٦٤٥–٦٤٦)
فما الفرق بين صنيع ابن عساكر هذا، وصنيع الأهوازيّ الذي جاوز العدل في سبّ أبي الحسن الأشعريّ رحمه الله؟ ليت ابن عساكر لم يدرج هذا الكلام في كتابه أصلًا.
والكتاب الذي خلا من أخطاء هذا وذاك هو جمع الجيوش والدساكر على ابن عساكر تأليف ابن المبرد الحنبليّ رحمه الله (المتوفّى سنة ٩٠٩هـ)، إذ ردّ فيه الشيخ ابن المبرد على أوهام الحافظ ابن عساكر الأشعريّ غفر الله له، ونقض ما في كتاب تبيين كذب المفتري ممّا يخالف النصوص والحقائق التاريخيّة في منازعات الحنابلة (أهل الحديث) مع الأشاعرة.
كما ذكر فيه من أوائل القرون إلى زمانه نحو أربعمئة عالمٍ ممن ذمّوا الأشاعرة وبدّعوهم، بل كفّر بعضُهم طائفةً منهم، كشيخ الإسلام خواجه الأنصاريّ رحمه الله، والإمام ابن قدامة رحمه الله.
وقد طالعتُ هذا الكتاب أوّلًا، ثمّ رجعتُ إلى تبيين كذب المفتري فرأيتُ أنّ الشيخ ابن المبرد الحنبليّ رحمه الله قد أصاب في كثيرٍ من نقده، وإن كان في بعض المواضع قد سار على نهج الأهوازيّ رحمه الله في المبالغة في ذمّ الشيخ الأشعريّ والتساهل في ذلك، غير أنّه لم يبلغ في غلوّه مبلغَ الأهوازيّ.
وأوصي بقراءة كتاب جمع الجيوش لابن المبرد الحنبليّ إلى جانب كتاب تبيين كذب المفتري لابن عساكر، ليستبين القارئ وجه الصواب والإنصاف في كلا الجانبين.
الأشعري له فضل على كل مسلم إلا ابن عساكر فله فضل على الأشعري هكذا ينقل في الكتب، وذلك نظراًَ لقدرة ابن عساكر على الدفاع عن معتقد أهل السنة والجماعة ونثرته ورد الأكاذيب عنه. من أفضل ما كتب في تبيين معتقد أهل السنة وأنصح الجميع بقراءته خصوصاً في هذه المرحلة الحرجة من عمر الأمة حيث أن الدولار والبترول يعملون بكل قوة على نشر المعتقد الوهابي في التكفير والرمي بالشرك
من سلبيات الكتاب هو الإكثار من رواية المنامات تمّت