إن كنت سأصدق بوجود الوقت، فإنه سيكون موجودًا في داخلي وداخلك وداخل كل كائن حي فقط. إنَّ الإنسان آخذ في التحولِ إلى صيرورة جسدية. وما الإنسان إلا إرث متكرر لتاريخٍ قديم من المهازل القدرية، وهذا ما يفسر أشكال الحدوث المختلفة في هيئة استعارات لما سبق. فانتقالنا الأصيل بين الخلود والفناء إنما هو مبني على وجودنا الكارثي، وأحب أن أذكرك ها هنا بأنك على هذه الأرض بسبب الخطيئة، أعني خطيئة آدم، فكيف لا يكون لدينا تاريخ كوارثي يكرر نفسه في حياتنا، جيناتنا، أفعالنا، أخطائنا، ذاكرتنا المزعومة بانتظامٍ مؤبد.
"إن أسوأ ما يمكن أن يمر به الإنسان هو أن يشعر بثقل الكون، وكأنه وحش جاثم على صدره، للحد الذي يجعله يفكر في التخلص من الزمن بأكمله... الوقت لا يمضي، الوقت يبقى، حتى عندما تتعمد أن تعزله فإنه يلاحقك."
"أشعر بأنني أنصهر في حالة نفي شنيعة... كنت كثيفاً بما في داخلي، ولكنني غير مرئي."
" أنا إنسان لا أستطيع احتمال العيش في صيرورة من التكرار لكل وجود سابق، وأنا أحمل في صدري نية موت أومن به أكثر من إيماني بالحياة نفسها، لقد صارت الأنظمة تكراراً لحالات الوجود، والوجود بحد ذاته كان فكرة قذرة جعلتنا نتخلى عن الأصل الذي جئنا منه وهو العدم."
هذه بعض الاقتباسات الرائعة لهذا العمل، وليست كلها بالتأكيد. تغدو علاقتي، مع مضي الوقت، علاقة حب وكراهية معاً لهذا العمل. وسأشرح ذلك:
- كانت اللغة جيدة جداً بصورة عامة، كان واضحاً من أن الروائي قد اشتغل على أداة اللغة بدرجة كبيرة، كبيرة جداً، حتى أصبحت جيدة أكثر من اللازم! قد تكون اللغة الرفيعة والبليغة جيدة في حالة رواية الأحداث عبر صوت "الراوي العليم"، لكنها ليست كذلك عندما تتحدث جميع الشخوص بصوت الأنا، بذات اللغة الخاصة بدكتور في الأدب العربي! هذا ما قصدته بعلاقة حب وكراهية في ذات الوقت؛ أنت تلتذّ باللغة ولكنك لا تقدر على التصديق بأن جميع الشخوص يتحدثون ذات اللغة.
- أكثر ما أعجبني في العمل هو الفلسفة. حالة التفلسف الدائمة التي تخوضها الشخصية الرئيسية، وروعة خلق شخصية أخرى تتفلسف بصورة مضادة مع الشخصية الرئيسية. كانت حوارات تلك الشخصيتين أقرب للبعث. وقد أحببتها وتواشجت معها، بصورة أو بأخرى، عدا بعض الأمور التي حدثت لاحقاً والتي سأشرحها عندما أتحدث عن الأحداث.
- بناء الحبكة والشخوص كان أكثر ما أزعجني، وأعني أزعجني جداً! *تنبيه: فيما يلي ذكر لبعض أحداث الرواية* العمل يحكيه "عزيز"، شاب يعاني من الاكتئاب بعد أن مرّ بتجربة وفاة جدته في طفولته، وتتوالى معاناته عبر السنين لتخلق منه كائناً انسحابياً يفلسف الموت بالتذاذ حتى يغرق ببهاءه. تبدأ الرواية بعزيز يعود بذاكرته لتذكر مواقف من الماضي، وإسقاطها على نفسه في الوقت الحالي، بينما يتحطم وحده في غرفة فندقية. حسناً، تبدو بداية جيدة، حتى يخوض في "قصة حب"، وأضع قصة حب بين قوسين، لأنها لم تكن كذلك! هل أقول بأنها كانت مرضاً؟ لا. هي لم تقنعني بأنها كانت مرضاً أيضاً. هذه العلاقة المتشنجة والركيكة، هي الخلل الكبير الذي ألمّ بهذا العمل في صميمه.
أنا لست ضد قصص الحب أبداً، هذا إذا قدِر راويها على إقناعي! هذه القصة بدأت بلقاء مباغت، وبعض مراسلات عبر الهاتف، وفجأة أصبح البطل عاشقاً هائماً وغيوراً حد أن يرغب بتمزيق كل من يرى حبيبته. كما أنه لا ينفك يوجه نحوها أصابع الاتهام بالخيانة، وينتهي إلى أن يقرر الاعتداء عليها، فقط كي يجعلها غير صالحة للزواج من غيره! أعني.... بالله عليك! حسناً، لنقل أنه حب مرضي، لكنه لم يقنعني بذلك! إنه قادر على أن يتركها لشهور ومن ثم يحادثها برسمية صرفة، ويقبل أن تتحدث مع عدوه بدعوى أنه لا يريد أن يثقل عليها بغيرته.. هذا ليس حباً مرضياً إذاً!
قصة الحب هذه، أو أياً يكن اسمها، لم تنضج بشخوصها على الوجه المطلوب، فباتت حبكتها مفككة ومترهلة. الأحداث لا تبرر تصرفات الشخوص، والبناء الفني يبدو معتمداً بشكل أساسي على اللغة البليغة؛ والتي أصبحت نقطة ضعف كما ذكرت سلفاً، عندما أصبحت جميع الشخوص تتكلم لغةً واحدة!
- رغم ذلك كله، لا أريد أن أظلم العمل، فلا زلت أقول بأن حالات التفلسف الصرفة التي كان يغيب بها عزيز، وتلك التي كان يتحدث فيها من صديقه سلطان، كانت لذيذة حقاً. وذلك حتى أحضر سلطان فتاةً لعزيز كي يختبر بها رجولته.. وتبين أن هذه الفتاة هي حبيبة سلطان السابقة التي يريد أن ينتقم منها بهذه الصورة! ممممم.. لم أقتنع بكل هذا. هذا تحديداً ما أقصده بالأحداث الغير مبررة!
ختاماً، أعتقد بأنني أظلم الكتاب بنجمتين لذلك ارتأيت أن أضع نجمتان ونصف
لعين هذا المقطع الذي أحببت: "إن قراءتي للأدب هي محاولة لاكتشاف الآخر. إنّ القراءة هي عقل العقل، وفهم الفهم، ووعي الوعي. إني أفتش عني في أكثر الحالات الإنسانية تعقيداً، لا يوجد نص على الإطلاق جاء نتيجة للهباء. هناك دائما أزمة، أزمة وجع، أزمة اكتراث عادي، أزمة تفاصيل وتعقيدات. إنّ الإنسان مأزوم بطبعه. وأنا مأزوم بالكثير من العقد، وليس اكتئابي الذي يجعلني غريب الأطوار أقلها شأناً. لذلك تجدني أتنقل هنا وهناك بين أشكال الأدب وأنواعه."
موت طارئ من الروايات التي أذهلتني حقًا، تتحدث عن رؤية الوجود والموت بطريقة مثيرة للانتباه وبفلسفة عميقة في سطورها شيء من الحقيقة، أما النهاية فكانت منطقية ومُرضية للغاية ومُشبَعة. ما يميز أعمال عادل هي لغته السردية المبهرة، بانسيابيتها المدهشة، وتسلسل أفكاره وترتيبها الدرامي..
تخيل أن تكون مُحاطًا بالموت حد أنك تشعر وكأنك تابوت، جثة متحركة، ورائحة الموتى تفوح منك أينما حللت! هذا ما كان يشعر به عزيز بطل رواية #موت_طارئ للكاتب #عادل_الدوسري ، الرواية تميل للفلسفة في مناقشة الوجودية والحب والموت.. عزيز الذي اعتاد دائمًا على الفقد صارع نفسه في محاولة جاهدة منه لدفع هذا الموت بعيدًا عنه.. موت شخصيته في أخيه نايف الذي صار يستنسخه بطريقة مزعجة.. موت جدته التي لطالما أحبته.. موت حب طفولته هدى بزواجها من قريبه.. وبين كل هذا الموت هناك سكرات عزيز لمواجهة بقايا حياته بتزجية الوقت بأكبر قدرٍ من التعب، والكثير من الأرق والبكاء.. رواية رائعة تستحق القراءة..
نوستالجيا بحته رواية حزينة بل بائسة اذا صح القول اذا كان هذا احد اهداف الكاتب فقد حققه وبكل جدارة قصة شخص مصاب باكتئاب شديد يجعله ينفصل عما هو عليه في الواقع عدة مرات مما يجعله في مواقف لا يحسد عليها وكيف انه اغرم بإبنة عمه التي بادلته الشعور ولكن في ذهنه فقط بصراحه الكتاب ليس فيه شيء مميز سوى كمية الطاقة السلبية التي ستحملها بعد انهاؤها لا اكثر ولا اقل اذا كان هذا مرادك فقد وصلت اليه انتهى .