أول نقطة أدركتها قبل أن تخبرني كل شيء .. أن القهر الكامن داخل ذاكرة المعتقل غير قابل للتصليح ولا إعادة الترميم ولا يقبل الحذف أو الفرمتة من الذاكرة ولا تخترقه فيروسات النسيان .. لن تفهمه ولن تعيشه حقاً حتى لو قدم لنا كقصة مفصلة أو روي لنا كحكاية مصورة أو فلماً سينمائيا ..
حتى لو تمت رؤيته .. لايدرك حقيقته سوى المعتقل .. كفراشة النور التي تتخبط بالظلام تائهة وسط الألم في رحلة بحثها عن الخلاص ..
للكاتبة و الناشطة السورية إيناس عوض ابنة حمص و التي عاشت بدايات الثورة في مدينتها و كانت من بين الجموع التي جابت شوارعها لتهتف كما هتف ملايين الشبان و الشابات من مختلف المناطق السورية مطالبين بحقوقهم في الكرامة و الحرية.
تحكي وجه العالم والمجتمع المنافق الذي تمت رؤيته و تصور الوجع الذي عاشه و يعيشه السوريون داخل و خارج وطنهم , عن القهر الذي لا حدّ ولا وصف له حتى لو "تمت رؤيته".. و عن رسائل شوق و حب ترسل لمن لا يعرف مصيرهم..فلا "تتم رؤيتها".
تركز الرواية على وجع أهالي المعتقلين و تعلق قلوبهم ما بين السماء و الأرض على أمل اللقاء من جهة و عن ألم الخروج من السجن والتعذيب الجسدي إلى سجن المجتمع الكبير و قسوته و ظلمه للحرائر اللواتي خرجن من زنازين الجلاد من جهة أخرى. تحكي كيف تتوقف الحياة بعد كل حادثه اعتقال و يموت الجميع و هم أحياء في انتظار بشرى الإفراج أو انتهاء التعذيب بالموت و الراحة الأبدية. تنتقل الكاتبة في فصول سبعة في أحداث رحلة خاضها الملايين من السوريين من تحت سقف البيت إلى بلدان الشتات لتحكي أيضاً قصة رحلتها, و رحلتنا ربما, في البحث عن خيوط الانتماء و الضياع مابين جذور الماضي و براعم أحلامنا المتواضعة في الوصول إلى مستقبل ما أو لتحقيق حلم متواضع بسيط و كيف تمنعنا آلامنا و أعباء ذكرياتنا المرّة من تذوق لذته حتى لو تحقق..
الرواية يمكن وصفها بأنها "توثيقية" مكتوبة بلغة بسيطة و أسلوب سردي قريب من القلب يعيد القارئ إلى أجواء قد يكون عاشها تفاصيلاً و أحداث كثيرة منها فيتخيل ما يحصل كأنه واقع يحصل أمامه مرة أخرى و ينصح بها لمن لا يقوى على المشاهد العنيفة الدموية التي يضطر أغلب من عاشها لذكرها بكافة جزئياتها....
استحضرت الرواية في مخيلتي الثورة السورية في أنقى صورها الإنسانية مُحمّلةً بجوانبها المشوهة التي تخلق بحد ذاتها اكتمالاً لقصةٍ بدأت ولم تنتهي إلى يومنا هذا، حيث تترك لي الكاتبة أفقاً واسعاً لصياغة نهاية ِحكاية من حكايا هذا الزمان. تعالج الرواية الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والعادات والتقاليد التي فرضتها الحرب على عدد من العائلات السورية في حمص و ترصد نهايات مختلفة لكل العائلة بناءً على قرارتهم المتباينة. إذا كنت ممن قد شهد الثورة السورية فأنت حتماً ستقرأ قصتك بين السطور.
عن كل ماحدث وبمنتهى البساطة.. لست هنا لأقيم ما كتبت.. لأنني حقيقة بعد ١٠٠ صفحة من الرواية لم أعد أتعامل معها كعمل أدبي.. روايتك صورة.. صورة فوتغراف لكل ماحدث.. لكل ما مررنا به.. كثيراً ما أرقتني فكرة ضياع التفاصيل.. كيف يمكن أن نتذكر كل ماحدث معنا من تفاصيل لنسلمها للجيل التالي.. لكنك في هذا العمل اختصرت علي الكثير.. حمص والثورة والحصار والقهر والسفر والهجرة والاعتقال والمجتمع والعادات والتقاليد والحب والاخلاص والتفاؤل والقدرة على البدء من جديد في كل وقت.. كل هذا كيف تم جمعه معاً.. ربما لأنني متطرفة نوعاً ما لكل ماهو متعلق بحمص.. لكنني أعترف أن كثيراً من أحداثها اخترقتني اختراقاً.. التوثيق بهذه الطريقة هو ما نحتاجه حقيقة.. بسيط قريب يلامس كل منا بتفصيل من التفاصيل..
هناك أفكار نحتاجها لكن لانعرف كيف نصل إليها.. تمر كخطفة سريعة.. بكتاب أو رواية او في التلفزيون أو بأي مكان .. كلمعة الضوء في وجوهنا بعد الانطفاء... بعدها ننتبه لأمور لم نلاحظها من قبل... وقفلة روايتك كانت بالنسبة لي لمعة هذا الضوء..
كانت رحلتي هذه المرة مليئة بالألم والقهر الذي كان مكتومًا في قلوب السوريين جميعًا ليس فقط أهل حمص حيث صارت أحداث الرواية منذ بداية الثورة السورية ضد الظلم والحاكم الطاغية.
فبين فقدٍ وموتٍ وجراحٍ غرقتُ في الحكاية، رافقتُ جودي من بداية خروجها لساحات الحرية كجميع شباب وشابات أهل المدينة الثائرة للمطالبة بالحرية والكرامة، شهِدتُ ألم فقدِها حين تم اعتقال شريك حياتها مع شبابٍ آخرين، مع كل اعتقال كان الأهل والأحباب يموتون وهم على قيد الحياة البائسة، تتحطم آمالهم على عتبات انتظار الغائبين الذين وعلى الأغلب لن يعود أحدٌ منهم!
فهم بضيافة طاغيةٍ ظالم يعيش على سفك دماء شعبه، وخاصة أولئك الذين طالبوا بحقوقهم المشروعة!
كانت هذه الرواية بمثابة توثيق لجرائم النظام البائد في حق أبناء البلد، توثيق لكل كبيرة وصغيرة، لكل برميل أو قذيفة أو تعدِّي بالرصاص على المتظاهرين أو حتى قنصهم في طرقات المدينة كنوع من التسلية من قِبل عناصر الجيش الذي من المُفتَرَض أن يكون حامِيًا للمدينة وأهلها، لكل معتقل اعتُقِل بلا ذنبٍ إما لأنه ساعد أحد المصابين أو المحتاجين بصورة إنسانية بحتة، أو بلا ذنبٍ لأن هناك من حرك أصابعه لكتابة تقرير بما لم تقترفه يداه، وفي الحالتين لن يعود، وإن عاد سيكون إما جثةً مُشوَّهة أو كتلةً من الألم والصمت البائس والمتحرك!
في الحالتين سيرتاح أهله لأن المصير عُرِفَ والانتظار انتهى!
ماذا لو كانت المعتقلةُ المُفرَج عنها امرأة؟
تجيب الرواية بكل أسى عن مصير تلك المسكينة التي ستنتقل من سجون النظام الذي لم يرحمها إلى سجنٍ أكبر وأوسع هو سجن معتقدات المجتمع وحكمه القاسي بحقها، حيث أنها ستتمنى لو أنَّ سجَّانها أنهى حياتها على أن تخرج فتواجه نظرات وأحكام وتمتمات وخذلان الآخرين لها مع وصمة العار التي يطبعونها على وجوههم كلما نظرت إليهم وكأنها ذهبت بكامل إرادتها نحو ذاك الجحيم!
أكثر ما أثار بي مشاعر الألم وجعلني أبكي فِعليًّا أثناء القراءة هي حكاية "ألمى" التي اعتُقِلت فتحولت حياتها للجحيم حتى بعد خروجها وسفرها خارج البلاد مع أهلها هربًا من براميل الموت، بقيت أصابع الاتهام تُرفع في وجهها ونظرات الشك تقتل روحها!
كما سلَّطت الضوء على أطفال المعتقلات اللاتي أُبعِدنَ قسرًا عنهم، وكمِّ الألم الذي يعيشه الطفل والآثار السلبية التي ستنعكس عليه وعلى تصرفاته وحالته النفسية والصحية حيث أنه يواجه صعوبات لم يكن عقله الصغير ليتخيَّلها.
تتحدث أيضا الكاتبة في روايتها عن حالة الغربة التي عاشها السوريين داخل بلادهم وتفاصيلها وانعكاسها على حياتهم والصعوبات التي واجهوها بكل قوتهم وإرادتهم، إضافة لحالة الغربة خارج الوطن بتفاصيلها وصعوباتها وآلامها.
كانت جسر عبورٍ للقارئ حتى يعيش بخياله أحداث الحكاية وكأنه يرافق أبطالها حيث صورت أحداثًا كثيرة مليئة بالألم والقهر واليأس الممزوجة بالأمل والإرادة القوية بنَيلِ حريةٍ تحفظ للشعب السوري كرامته وعزَّته وتُخرجه من حياة المواطن البائس الذي لا ينفكُّ يحلُّ أمر مشكلةٍ هنا حتى يواجه أخرى هناك، إلى حياة المواطن الكريم المُنتِج الذي يساهِم بتطور بلاده من أجل أبناء الشعب كاملًا لا عائلةٍ واحدة!
تتحدث الكاتبة في الرواية بلغة سلسة وبسيطة مُحاولة نقل صورةٍ حقيقية عما كان يحدث في حمص في بداية الثورة من خلال شخصية جودي وعائلتها بتفاصيلهم المختلفة مشيرة إلى مواضيع مهمة منها المعتقلين والمعتقلات وخصوصا العائدات إلى عائلاتهن مكسوراتٍ وتائهاتٍ وسط عتمةٍ لن يراها أحد أو يستوعب عمق ألمها أحد حتى لو تمت رؤيته.
لكنني مرة واحدة بكيت ، ولم أتمكن ** من التوقف من البكاء ، كانت جمان تلعب مع أختها وتغني: - شوق يدفعني لأراها .. أمي ذكرى لا أنساها. تذكرت حلقات مسلسل أنا وأخي الذي طاملا بكيت في صغري وأنا أستمع إلى صوت رشا رزق في نهاية المسلسل ، تلك الكلمات جعلت قلبي ينتفض داخل صدري فتشاءمت وخفت ، خفت أن يأيت يوم أسمع فيه خبر استشهاد أختي وتيتم بناتها ** بوضوح جدا تمت رؤيته !!..ليس لأنها المرة الاولى التي تقرأ كل تفاصيل الالم المتكدسة فوق بعضها.. ذاتها..ذاتها في حياتك.. في حين ظننت أنك شددت عليها لجام الصمت والخوف لتخرس! .. ولا لأنك كنت تقرأ ذكرياتك واسرارك نفسها بوضوح.. من فم غريب لم يراك يوما ولكنه قاسمك الحزن والاحلام ..لكن فقط لانها أعادت لكل زاوية من شقاءك حقها الطبيعي في أن تعاش كلها بروية.. على مهل لاعلى عجل ..تبكي لكل فصولها الحزينة كما تمنت البطلة ان تأخذ حقها كاملا من فصول الحزن على غياب اياد .. مااكثر مااتمت رؤيته هنا 💔