إن المسلمين لم يعاملوا اليهود في أي وقت بشكل عنصري، والدولة العثمانية لم تكن استثناءً من تلك القاعدة؛ فهي باعتبارها دولة إسلامية عاملت اليهود الذين لجأوا إليها بكل ترحاب بعد أن طردتهم أوربا من الدول كانوا يعيشون فيها، وقد حدث ذلك الطرد بعد أن أقيمت محاكم التفتيش في أوربا وأصبح اليهود بين خيارين لا ثالث لهما إما التنصير أو التهجير. احتضنت الدولة العثمانية كثيرًا من غير المسلمين داخلها، وقد وضعت نظامًا واضحًا ومعلومًا لحكم غير المسلمين، وكانت الهجرة الأساسية لليهود إلى الدولة العثمانية بعد اتخاذ قرار بتأسيس محاكم التفتيش في إسبانيا عام 1478 وطرد اليهود منها عام 1492، ومن البرتغال عام 1496. وعلى الرغم من أن اليهود الذين هاجروا إلى الدولة العثمانية قد استقروا في شتى أنحاء الدولة؛ إلا أن أكثر المدن التي شهدت كثافة لليهود بعد القرن السابع عشر كانت مدن: سلانيك وإستانبول وصفد وإزمير. في الدولة العثمانية عاش اليهود في مجموعتين رئيسيتين هما: القراءون والربانيون، وقد انقسم الربانيون إلى أربع مجموعات تبعًا للأماكن التي كانوا يعيشون فيها قبل مجيئهم إلى الدولة العثمانية ولغاتهم وتقليدهم. وقد شارك اليهود في الحياة العملية في الدولة العثمانية، ولعبوا أدوارًا مهمة في التجارة والصناعات اليدوية لا سيما بعد شعورهم بالراحة والتخلص من التعذيب والأزمات التي كانوا يعيشونها في أوربا. كان لليهود أثر سلبي بالغ على اقتصاد الدولة العثمانية؛ فالتضخم الذي بدأ في القرن السادس عشر قد حدث بسبب كثير من اليهود الذين بدأوا في إنقاص أطراف العملة المعدنية، وقد أدى ذلك إلى هبوط قدرة الجنود الشرائية؛ مما تتسبب في بعض الأوقات في تمرات الإنكشارية والسباهية، وهذا الأمر سبّب الضرر لنظام المجتمع والدولة. لم يكن لرجال الدين اليهود في الدولة العثمانية تسلسل وظيفي مثلما كان الحال عند المسيحيين، ولهذا السبب فإن كل منطقة كانت تختار الحاخام الأكبر لها. وكان الحاخامات ينظرون في الدعاوى التي تنشأ بين اليهود؛ وذلك لأن الدولة العثمانية قد سمحت لغير المسلمين بتطبيق شرائعهم الدينية على أنفسهم. وكان اليهود العثمانيون يشكلون مجتمعًا متعدد اللغات، وكانت لغات اليهود العثمانيين تتغير تبعًا للمكان الذي جاءوا منه والمنطقة التي يعيشون فيها والعمل الذي يمارسونه، وكان اليهود السفارد يتحدثون اللغة الإسبانية (اللادينو)، والإشكنار يتحدثون اليديشية، أما اليهود المستعربة فيتحدثون اللغة العربية.