صدر لي قبل أعوامٍ خمسة كتابٌ بعنوان: «أفكار خارج القفص»، وهو من نفس فصيلة الكتابة الشذريَّة التي ينتمي إليها هذا الكتابُ. وإنما دفعني إلى تبني هذا اللون من الكتابة الرغبةُ في إطلاع القارئ على بعض مراحِلِ التطور التي يمرُّ بها المفكرُ، لا أعني تطور الأفكار فحسب؛ وإنما تطور منهج النظر الكُلي الذي تُعَالَجُ به شتَّى الموضوعات أيضًا.
وتمثِّل هذه الطريقةُ الشذريَّة سُلَّمًا أساسيًّا في تطور منظومة أي مُفكرٍ حركي يؤمن بتمثُّل كل ما يعتقده وتجسيد كل ما يؤمن به، ككاتب هذه السطور؛ ويبغضُ التقاليدَ الأكاديميةَ المدرسيَّة الجوفاء، ولا يُهدِرُ أبدًا قيمة أنواعٍ أخرى من المعرفة؛ أسمى وأكثر ربانيَّة، ولا الطرائق المختلفة والمتنوعة في تحصيلها؛ مثل المعرفة الحدسيَّة والإلهام والمعرفة الإشراقيَّة (العرفان).
إن هذه الطريقة القرآنيَّة لا تجعل من الفكر الإنساني نسقًا مُنفتحًا دائم الانفتاح فحسب؛ بل تُبرهِنُ لكل ذي عقل موَّارٍ يتحرَّكُ بإدمان النظر، وكل ذي نفسٍ لوَّامةٍ تتحرَّكُ بمكابدة الذكر، وكل ذي جسدٍ أنهكته الحركةُ بالطاعة والامتثال؛ على أن التأمُّل والاستنباط في مواضعِهِ أبلغُ وأحكمُ وأنضجُ من عبثيَّة «الاستقراء»، ومن رصِّ المعلومات «الموثَّقة». بل إن التأمُّلات قد تصير في كثيرٍ من الأحيان هادِمًا مُناقِضًا للمعلومات «الصحيحة».
أديبٌ ومفكِّرٌ ومترجمٌ وناشرٌ مصريٌّ. وُلِدَ بالقاهرة، وتخرَّج في كلية اﻵداب. نشر أكثر من مئتي مقال وورقة بحثية، تصب جميعُها في استعادة مركزية الوحي الإلهي وتجديد الاجتهاد الإسلامي في الفكر والحركة.
كتاباته حسب تاريخ النشر: - أفكار خارج القفص (2014م) - طير بلا أجنحة (2017م) - تأملات مسلم (2020م) - حضارة السوبرماركت (2021م) - لماذا فشل الإسلام السياسي؟ (2026م)
ترجماته: - ما بعد الدول القومية المسلمة: كليم صديقي (2013م) - حركة فتح الله گولن: هيلين روز ايبو (2015م) - نظرية الثورة الإسلامية: كليم صديقي (2018م) - كل يوم: مولانا جلال الدين الرومي (2018م) - جذور الثورة الإسلامية في إيران: حامد الگار (2021م) - الفكر السياسي الإسلامي الحديث: حميد عنايت (2021م) - الإسلام بين الشرق والغرب: علي عزتبيغوڤيتش (2023م) - هروبٌ إلى الحرية: علي عزتبيغوڤيتش (2026م)
التحقيق: - العروة الوثقى: السيد جمال الدين الأفغاني (2021م) - ما هنالك؛ آخر أيام العثمانيين: إبراهيم المويلحي (2024م) - تتمة البيان في تاريخ الأفغان: السيد جمال الدين الأفغاني (2025م) - خاطرات السيد جمال الدين الأفغاني في إيران: تقرير فرصت الدولة الشيرازي (2025م)
استغرقت قراءة هذا الكتاب أربعة أشهر تقريباً ! كنت لا أريد نفاده، صار كالوِرد اليومي. وأعتقد هكذا يُقرأ؛ كل يوم صفحة/صفحتين للتلذذ والتأمل.
ولا يسعني هنا أن أقول إلا ما قاله المؤلف في أحد شذراته: " ما من كاتب أحب إلي، في هذه المرحلة من عمري؛ مثل من يجعلني أشرد وأغيب عن سطوره متأمّلاً فحواها، لأُقلِّبَ ما يقول على وجوهه؛ فإما وضعته لبنة في بناءٍ مستقر الوجود في ذهني، وإما نبذته. وأكثر من أقرأ لهم في السنوات الأخيرة يُصيبونني بهذه الحالة. صحيح أنني صرت أنتقي الكتب الملهمة، وهي نادرة بطبيعة الحال؛ لكن يبدو أنه استعداد شخصيٌّ للتأمل، ربما بدرجة تساوي زيادة الحمولة المعرفيَّة بين السطور! "
عشقي لهذا النمط الشذري من الكتابة قديم، منذ اللحظة الأولى التي انهالت فيها موعظة الإمام العلامة ابن الجوزي رحمه علىّ كنجمة من السماء في افتتاحة كتابه الماتع ( صيد الخاطر)، ثم صرت أبحث عنه بين الكتب .
التأملات هو كتابُ عابر سبيل يرى عليه أثر السفر، و أثر العمر، و عمق التجربة. بالنسبة لكتاب الكاتب ( السابق أفكار خارج القفص) يبدو هذا أكثر تأثيرًا و أكثر تمامًا و كأن الكاتب كان يحاول تسوية طعامٍ لم ينضج إلا هنا على أثر النار الهادئة. قرأت كتاب التأملات مرة واحدة على مهلٍ فتركني في ثراء من المشاعر و الأفكار، تارة ملتاعة، تارة يخترم الحزن قلبي و آخرى و أنا طَربة من جمال العبارةو موافقتها لما في نفسي، و آخرى أتساءل ، قيمة الكتاب الكبرى بالنسبة لي هو أنه يضعك على طريق وجودي كامل في أجواء إنساتية ممتدة لما بعد الموت و هنالك في الجانب الآخر من الوجود. كذلك أعجبتني تلك القدرة الفائقة على التحليل للظواهر المختلفة سواء الاجتماعية أو النفسية، وحتى التأملات الموسيقيةكانت تدهشني في كل مرة و تمنيت أن يخصص الكاتب كتابا خاصًا بها وحدها. مقدمة الكتاب التي لا أدري إلى الآن كيف أحببتها و أدركت منها الكثير تستحق وقفة وحدها بعيدة عن التأملات نفسها. ففي كل مرة كنت أبدأ القراءة أذهب إلى المقدمة أولا. و على الرغم من كرهي لمقدمات الكتاب و عدم قراءتي لها إلا بعد الانتهاء من الكتاب أو لاتباع إرشادات مهمة في القراءة ، أو إهمالها تماما فقد أحببت هذه ووجدت فيها جزءا لا يمكن اجتزاءه أو فصله عن التأملات نفسها. و حتى لا تنخدع -حماك الله- فالريفيو لم يُكتب بعد ! و ما هذه إلا انطباعات متناثرة بعد فترة طويلة من الانتهاء من القراءة الأولى.
"تأملات مسلم".. مكابدات العقل والروح في كتابات عبد الرحمن أبوذكري
كنتُ في مستهل حياتي محبا للاستطراد؛ فأفضل الروائي الذي يوغل في الوصف، والكاتب الذي يسهب في الشرح، والخطيب الذي يطيل خطبته. وبمرور الوقت، وكلما كبرت وازددت نضجا، صرت أميل شيئا فشيئا إلى الإيجاز؛ فأقل ما يصل به المعنى صار يكفيني، وأضيق بما زاد عن حد حاجة الكلام. ولعل أول ما جذبني إلى كتاب عبد الرحمن أبوذكري الأول (أفكار خارج القفص) هو الإيجاز والتكثيف عبر طريقة الكتابة الشذرية التي اتبعها في ذلك الكتاب، ثم استمر على النهج ذاته في الكتاب الذي تلاه (تأملات مسلم). ففي كتاب (تأملات مسلم) واصل أبوذكري رحلته الملأى بالتفكير ثم إعادة التفكير والمكابدة، عبر ثمانمائة شذرة تنضاف إلى الشذور الستمائة التي احتواها كتابه السابق. وتتسم كتابات أبوذكري بسمة واضحة؛ هي اتساقه شديد الوضوح مع أفكاره لدرجة تصل بأسلوبه إلى الحدة في كثير من الأحيان. تجربة قراءة الكتاب لم تكن سهلة مريحة كما قد تُوهم طريقة تأليفه، بل تحتاج قراءته لقدر كبير من التركيز وإمعان النظر، وعلى حين أن أكثر الكتاب يطلعونك على عقولهم عبر ما يكتبون، تجد صنفا آخر منهم يطلعك على عقله وروحه معا، أحسب أن مؤلف الكتاب ينتمي إلى الصنف الأخير. فشذور الكتاب الثمانمائة يأخذنك في رحلة مع عقل وروح كاتبه، وهي روح ألهبتها الأسئلة ودفعتها إلى رحلة فكرية/روحية للبحث عن إجابات، الرحلة التي أسماها الكاتب بالمكابدة، ويراها لا تنتهي إلا بالسكون إلى الله جل شأنه. وعن ذلك يقول علي عزت بيجوفيتش -رحمه الله- وقد نقله عنه المؤلف في الشذرة رقم 730- يقول بيجوفيتش: " لا يتلقى الإجابة إلا من يؤرقه التساؤل ". يدور الكتاب حول آراء المؤلف وتأملاته في الدين والفكر والفن والسياسة والاجتماع. تتقافز بك هذه التأملات بين تلك الحقول المعرفية، فمن تعليق على موقف سياسي، إلى تفسير آية، إلى رأي في كاتب أو كتاب، إلى أبيات شعرية دونما تعليق. ولكم وددت لو قسمها المؤلف قسمة نوعية قريبة من فعل بيجوفيتش في كتابه "هروبي إلى الحرية". ثمة فكرة رئيسة حاكمة تهيمن على أفكار الكتاب بكامله؛ هي فكرة مركزية الوحي الإلهي باعتباره سبيلًا للنجاة في الدنيا والآخرة؛ فحركة الإنسان في الأرض تبقى حركة عشوائية لاغائية إذا هي لم تكن في الإطار الواسع لمقاصد الوحي، وقراءات الإنسان -وإن كثرت- لا تنفعه إلا إذا هي درجت على طريق {اقرأ باسم ربك الذي خلق}، وليست تلك دعوة للاقتصار على الدرس اللاهوتي كما قد يظن بعض المتوهمين، بقدر ما هي دعوة لاستصحاب جوهر الوحي الإلهي وروحه في كل صيرورة معرفية نسلكها في حياتنا الثقافية من البداية إلى المنتهى. بدا ذلك متحققًا في قراءات أبوذكري للفكر والأدب، وقفت على مثل ذلك في استخراجه للكامن الديني/الفطري في الأدب والفلسفة، حتى إن لم يكن صاحبهما مؤمنا! مثل ما تعرض له من بعض أفكار نيتشه، وكذلك فعل من قبله بيجوفيتش مع أفكار ألبير كامو، يقول بيجوفيتش في كتابه (الإسلام بين الشرق والغرب): " إن أفكار ألبير كامو يمكن فهمها فقط إذا اعتبرناه مؤمنا مُخيَّب الرجاء ". وهذا الاستصحاب للوحي الإلهي يستنقذ الإنسان من الوقوع في براثن طبيعته الطينية وإخلاده إليها، ويذكره بثنائية تركيبه الروح/الجسد، كما يعصمه من الوقوع أسيرا للأنساق المعرفية المنغلقة على ذواتها؛ فيسمو به فوق أدران المذهبية والأدلجة. وجماع هذا المعنى في فكر المؤلف حاضر في كلمة له كُتب لها الذيوع: " كل نص بشري لا يردك إلى الوحي لا يُعوَّل عليه". نجد كذلك فكرة تتفرع من الفكرة السابقة تتعلق بمعنى الوجود الإنساني وغايته، وبرحلة الإنسان في طريق معرفته ذاته مستعليا على طبيعته المادية لا نبذها بالكلية، الرحلة التي تحدوه إلى معرفة الإله أو محاولة معرفته -سبحانه- حق المعرفة. يختلف هذا الكتاب (تأملات مسلم) -أو كذا بدا لي- عن سابقه (أفكار خارج القفص) في أن بعض الأفكار أكثر عمقا وتبلورًا، كما وصل فيه الكاتب إلى مقولات نهائية أو شبه نهائية تجاه بعض الظواهر والقضايا اتفقنا معه فيها أو اختلفنا، خاصة وقد شابتها حدة التعبير في بعض الأحيان إلا أنها تميزت بقدر كبير من الوضوح والاتساق! من أهم هذه المقولات آراء المؤلف في جماعات وأحزاب الإسلام السياسي، فقد ألفيتها أفكارا تمتاز بالجدة والفهم العميق لطبيعة هذه الجماعات والأحزاب؛ فأفدت منها زوايا جديدة للنظر كنت غافلا عنها فيما مضى. والشذرات التي تناولت هذا الموضوع تحديدا جاءت تحمل همًّا روحيا وفكريا مطَّرِدا يلجمه أبو ذكري في سطور قليلة في كل شذرة، ولكَمْ أودُّ لو أخرج هذا الكمّ الهمومي مستقبلا في أنساق أكبر وأكثر استقلالًا، خاصة ما جاء عن الكامن العلماني في الأحزاب الإسلامية، وللمؤلف مقال دسم عن هذا الموضوع نشره منذ سنوات بعنوان: (السلفية وعلمنة التدين). أعجبني كذلك تناوله لقضايا الدولة الحديثة في دول ما بعد الكولونيالية ثم ما بعد الربيع العربي. عاب الكتاب -كما أسلفت- غياب تصنيف الأفكار إضافة إلى تكرار بعض الأفكار في عدة شذرات. والكاتب مثقف مخلص لمصادر ثقافته؛ فما بين تفكيك المسيري وتركيب بيجوفيتش وروحانية قطب وغضب أحمد مطر تتنوع مشاربه ليخرج لنا نصوصًا فكرية ممزوجة بمكابداته الروحية الخاصة، قد صيغت بأسلوب تأثر كثيرًا بالأدب -شرقيه وغربيه، فالمؤلف أديب وناقد أرقته الأسئلة ودفعه عقله وروحه بحثا عن الإجابات؛ لينتج لنا أفكارا وتأملاتٍ تُقرأ ثم يُرجع إليها مرة أخرى بعد طول تأمل.
بدايةً، فأيّ كتابٍ أعرف صاحبه و لو معرفة افتراضية من خلال متابعة المنشورات على مواقع التواصل و التعليق و الرّد، و سماع/مشاهدة اللقاءات الخاصّة بالمؤلف يجعل من القراءة للكتاب تجربة ممتعة، فأتخيلني أستمع للكتاب بصوت صاحبه بل و يكون وقت القراءة وقت مجالسة للكاتب، فأقبل بشغف على الكتاب، و أصطحبه معي أينما حللت، و هذه حالي مع الأستاذ عبدالرحمن و كتابه "تأملات مسلم".
إضافةً لتلك الميزة، فإن هذا الكتاب هو أول كتاب أقرؤه و أنهيه منذ فترة طويلة جدًا، فعادتي أن أتنقل بين الكتب و لا أكمل كتابًا لآخره، لكن أسلوب الكتابة الشذرية جذب نفسي الملولة بتنوع الأفكار فأكملت الكتاب في فترة وجيزة جدًا.
كذلك، فهو أول كتاب أنهيه في أول شهر من زواجي، و قد أفدت كثيرًا من حديث الأستاذ عن الزواج الحب و العشق.
رأيت في أسلوب الكتابة الشذرية بذورًا لأفكار، إلقاءً لشكوك و تساؤلات و احتمالات لإجابات أخرى غير التي ألفت للأسئلة الكبرى، و يترك الكاتب للقاريء مساحة للتفكير و البحث و التساؤل و الحيرة" إن سمح هو بذلك"، ولا يُملي عليك هو إجابة ولا حتى يحيل لمصدر لها.
قمت بتظليل أرقام الشذرات التي أعجبتني كعلامات مرجعية لي، ففي نيتي العودة للكتاب مرة أخرى بعد التوسع في قراءة في بعض أفكاره، اختبار البعض الآخر، كتابة تعليقاتي الخاصة.
في بعض الأوقات خُيِّلَ لي أني أتصفح صفحة الفيسبوك الخاصة بالكاتب لا كتاب بالمعنى التقليدي.
بعض الأفكار مكررة و إن اختلفت الصيغة.
أظن أن خير ما اكتسبت بل و غيّر من أفكاري حول نوعية التعلم و القراءة فيما سيلي هذا الكتاب هو طلب تصحيح الوجهة و بناء التصور حول مراد الله مني كمسلم بالمعنى العام، و حقيقة و تجليّات هذا التصور في مناحي الحياة، و كشف زيف ما يخالفها في الواقع.
شرعت في كتابة بعض أفكاري أملا في أن أعود لها بعد زمن فألحظ ما تغيّر في نفسي، هل انا "محلّك سرّ" أم تغيّرت، و إلى أين كان هذا التغير؟ و هل اختبرت ما أفكر و أعتقد بالفعل؟ و ماذا كانت النتائج؟ أزعم أن ذكريات الفيسبوك تقوم بنفس الوظيفة، لكن الكثير مما يدور بالنفس و الخاطر أثمن من أن يُبتذل للجميع ليعبث به أي مارّ و عابر.
الشكر موصولٌ للأستاذ، و لأساتذته، و لصاحب الإهداء الخاص في أول الكتاب.
أعلم أن مراجعة الكتب يُفضل أن تكون وصفية و حيادية، و مراجعتي تلك شخصية بحتة، لكنني أحببت توثيق التجربة بالتدوين.
هذه الطريقة الشذريَّة في الكتابة تقترِنُ دائمًا بمكابدةٍ عميقةٍ مؤلمة، بعكس كثيرٍ من الأطروحات المطوَّلة، التي قد تعتمِدُ على مادةٍ بحثيَّةٍ نظريَّةٍ يعمَدُ المدرسيَّون لجمعها ورصها وتوثيقها معرفيًّا، وقد يتكرَّمون على القارئ بالربط بينها بأسبابٍ واهية، ليصفوا مُخرجاتهم آخر اﻷمر بـ"العلم"، بعد أن يدَّعوا "كمال" استقرائهم المتوهَّم، ليجِدوا مَنْ يُصدِّق إمكانيَّة هذا "الاستقراء الكامل"، في عالم سمته النقص! لكنَّ الشذور، على العكس من ذلك؛ تعبيرٌ عن مكابدةٍ حياتيَّة للأفكار، مكابدةٍ لحظيَّة وانشغال حقيقي دائم، وليس مُجرَّد شُغلٍ نظريٍّ يُنفِقُ المرء فيه ساعة من نهار، وشتَّان.
أمضيتُ شهرين كاملين وأنا أقرأ هذا السفر الماتع. تعمّدتُ أن أجعل لي منه وردًا يسيرًا أقرأه في اليوم كي أتلذّذ به.
يكفي منه أنه زاد شغفي ببعض الاهتمامات التي انصرفتُ عنها، مثل: استكمال قراءة تراث بيغوفيتش، والتعرف أكثر على الرؤية التوحيدية في الفكر والحياة، ومحاولة فهم نصوص المسيري التي سخّرها في تفكيك الحداثة.
سأحاول أن أجعل لي كتابًا في كل عامٍ أقرأه قراءةً بطيئة كما فعلت مع هذا الكتاب.
ملاحظة: قرأتُ هذا الكتاب مرّتين متتاليتين دون أن أشعر!
عندما فكرت أن أكتب مراجعة لكتاب " تأملات مسلم" تهيبت الكتابة، ولم أدرِ ما الذي سأكتبه عن هذا الكتاب المرشد - كما وجدته- وهو ينتمي إلى نمط الكتابة الشذرية، فقد أخذنا المؤلف في رحلة تأملية عميقة الأثر في شتى الموضوعات. وما أعتقده أن أكثر ما يحتاجه جيلنا هو ذلك النمط من الكتابات؛ فأنا انتمي لذلك الجيل المخذول- حتى من نفسه أحيانا-يعصف بنا الأسى والحزن، و ألم الفقد لكل ما رأيناه جميل في عالمنا المفرط في الوحشة، نتألم لحال أمتنا المنكودة ونسعى للتعلم أملا في أن نصبح لبنة في بناء " خير أمة أخرجت للناس"، ننجح أحيانا، ونفشل أحيانا أخرى، كثير منا قرر أن يعتمد على نفسه في كل شئ، وكثير منا لم يجد معلم/ مرشد كثير منا تقطعت به السبل إلا ما رحم ربي.. قرأنا وقرأنا وعرفنا من الأمور ما عرفنا ولكن لم تطمئن قلوبنا ..صدمنا مما قرأنا وتألمنا لما عرفناه من أمور، فُجعنا لما أدركناه من عظائم الأمور، وفي أحيان كثيرة لم ندر ما الذي نفعله بتلك المعارف.. وبالنسبة لي؛ إلى أن قرأت كتاب أستاذي عبدالرحمن أبوذكري " أفكار خارج القفص" وهو من نفس نوع الكتابة الشذرية فقد وجدت فيه ليس فقط الكثير من المعارف التي كنت أجهلها وإنما وجدت- في الكتابين- مرشدا لنا لما ينبغي علينا فعله تجاه ما عرفنا ووجدت فيهما المنهج الذي يمكننا الاسترشاد به والسير وفقا له . قرأت الكتابين مرتين ولن أكف عن قرأتهما مرارا وتكرارا وإذا أمكنني أن أنصح كل مسلم؛ فسوف أنصحهم جميعا بقراءة الكتابين" أفكار خارج القفص" وتأملات مسلم".
كتاب جميل جدا اعتبره من باب التواصي بالحق و التذكرة في زمن كثرت فيه الملهيات و بجانب ذلك، كنت في رحلة من التأملات الأدبية و الفنية و الصوفية و السياسية الماتعة بعضها شديد الأسلوب و غاضب بشدة و أغلبها عكس ذلك بالغ العذوبة هو كتاب لا يقرأ سريعا و من الكتب التي يرجع للتأمل في عبارات كاتبها و اقتباساته من وقت لآخر
شذرات نفيسة ! مادة دسمة وجدا ، تستحق التأمل العميق ! لا ينفع مع هذه الشذرات القراءة العابرة ! تحتاج معها الى توجيه الافكار الى زمن ومكان بعينه حتى تستشف الحقائق المؤلمة! هذا النوع من الشذرات يدربك على الاشتباك مع الوعي والتاريخ والحقيقة ومع نفسك ! انصح بالاشتباك مع هذا الكتاب حتى تستبين الطريق الذي ينقلك الى طور الوعي الناضج ..
الحمد لله الذي يفتح على عباده بما شاء من فضله، ويبسط رزق قلوبهم فيُسطِّرون ما يستقر في قلوب خلقِه، والصلاة والسلام على خير أنبيائه ورسله، مَن بعثه بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كلِّه، وعلى آلِ بيته الطاهرين المُطهَّرين، وصحابته الكرام المتقين، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وبعد.. هذا حرف عن شيء مما تركه "تأملات مسلم" في نفسي. كنت قد اقتنيته قبل كتاب "الأفكار" وشرعت في قراءته، ولكن سرعان ما أتى معرض الكتاب فاقتنيت منه "الأفكار" وسألت مؤلفه الأستاذ عبدالرحمن -أمد الله عمره في عافية- هنالك، فاقترح عليَّ أن أتوقف عن "التأملات"، وأنهي "الأفكار" أولًا؛ لفهم أثر مضيِّ الأيام على فِكر المؤلف، وكيف تشكلت أفكار ونضجت، وتغيرت أخرى، ففعلت، وقد أسرني "الأفكار" حقًا لعُلوِّ الطرح في موضوعاتٍ شتَّى، وحين أعدت ما قرأت في "التأملات" إذا بأفكار الكتابين يُجلِّي بعضها بعضًا، والكتاب من الكتب الشذرية التي لا تبقى على موضوعٍ لا تبرحه، بل تأخذ قارئها في جولة فكرية تارة، واجتماعية تارة، وسياسية حينًا، ودينية أحيانًا. وسأتكلم عن أجلّ ما وقع في نفسي وهو الجزء الديني الذي ظهر في بيان كاتبه الذي يأبى الرضا بمجرد الحديث النظريّ عنه، ولا يقنع بِسوى العيش فيه. ظهر هذا من الوهلة الأولى في الكتاب، لا أقول من المقدمة، بل من الإهداء! فقال: إلى الإيمان الذي أراد الله أن يحملني به إلى المعية بغير واسطة. وهل هذا معنى يُحَسُّ بغير عيشِ النفس فيه، واستغراقها فيه بكليتها؟! تلك حروف لا يخالج قارئها شك أنها كُتبت بِمِداد التجربة. ثم تنتقل إلى خطبة الكتاب فتجد لؤلؤة منثورة من درر مولانا النِفَّري -رضي الله عنه- في "مواقفه" كان منها: "إني ابتليتك في كل شيء مني إليك بشيء منك إليّ؛ فابتليتك في علمي بعلمك لأنظر أتتبع علمك أو علمي، وابتليتك في حكمي بحكمك لأنظر أتحكم بحكمك أو حكمي". تلك بداية رحلة العيش في رحاب المعية! وهذه الفكرة -أعني الحياة بالفكرة ذاتها وفيها- لا تفارق صاحبها في حديثه، فتراه يعقد مقارنة بين أبي الطيب وشيخ المعرَّة في أبيات لهما، ويميل إلى أبي الطيب معلِّلًا ذلك بقوله: لقد أيقن المتنبي أنّ الشعر حياة أسمى من الفِكر، في حين اصطبغت أبيات المعري بفلسفته العدمية النظرية التي لم يستطع هو نفسه الالتزام بها. وفي موطن آخر تجده ينتقد طريقة المتكلمين وغيرهم ممن يعدل بالعقيدة عن العيش فيها وبها إلى تقريرات نظرية لا تُسمن ولا تغني من جوع! وترى الكاتب -وفقه الله- يميل إلى الإمام النِفَّري، وابن عطاء الله، وغيرهم ممن اصطبغ كلامهم بسرٍّ قد ذاقوه، وجِهاد نفسٍ كابدوه، وقد تأثربهم كثيرًا حتى في دعواته التي يدعوها كقوله: اللهم تجلَّ علينا بصفات الجمال، ولا تحرمنا الثبات بصفات الجلال! هذه واللهِ دعوة محب جاثٍ على عتبة العبودية يرجو من ربه المعية. وقد ذكر في خطبة الكتاب أنّ تفضيله لطريقة هؤلاء الأعلام أنهم ينتهجون النهج القرآني في شدة العمق وكثافة المعني مع إيجاز اللفظ في كلماتهم، والتي يمكن أن يتمثلها القارئ في حياته، وأنها تجعل العقل يمور لا يسكن، وهذا القلق هو الذي يفتح له باب الحكمة التي تقترن دائمًا بمكابدة عميقة مؤلمة وقال في موطن آخر: "لا تحدثني عن حبك لله ولدينه.. أرني كيف تحبه وكيف غيَّر ذلك حياتك، ومن قبل كيف شكَّل وجدانك؟" وتلك الحالة الوجدانية يمتد أثرها في تعامل العبد في علاقاته البشرية، حتى كأنّ كل علاقة إنما هي ارتقاء في سُلم عروج القلب إلى السماء. مِن اللهِ ذي المعارج! ولعلي هنا أعرِّج على موطن في "الأفكار" لزيادة بيان معنى العروج، فقد قال المؤلف في نص تغشاه السكينة: "قلت لها: إنّ وجودك يملؤني وجدًا، وصحبتنا في هذه الدنيا لا تكفيني، فأعينيني على نفسي بنفسك حتى نجتمع في ظل العرش، فإنّ صحبة أبدية فقط قد تشبع بعض حنيني الأزلي" وقال فيه أيضًا: "إن الطريق إلى الله طريق مكابدة ومعاناة..، وإنم�� هي طريق العروج إليه..، إنها الطريق التي تعيد العبد إلى معبوده، والحبيب إلى محبوبه" الرابط بين هذين النصَّين المكابدة في سبيل العروج إليه سبحانه، إما مكابدة النفس مع نفسها، وإما مكابدتها مع الخلق للعروج إلى الخالق وجعل كل شيء إنما هو مطية للغاية التي لأجلها خُلق الإنسان! ولكننا سَبيُ العدوِّ فهل ترى ** نعودُ إلى أوطاننا ونُسلِّمُ؟!
وقد جعل بعض مقاومة الإثم لئلا تشتهيه النفس من سُبل العروج إليه سبحانه فعلَّق على قول ابن عطاء الله (لو أنك لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك، ومحو دعاويك، لم تصل إيه أبدًا) قائلًا: "وذلك لأنّ القدرة على الإثم -وليس الإثم ذاته- مفطورة في جِبلتك، وهي قدرة لها غواية أبدية يتعين عليك مقاومتها أبدًا لئلا تشتهي ارتكاب المحرم، وربما كان بعض مقاومة هذه الرغبة في الإثم من الوصول إليه سبحانه، حتى إن كانت مقاومة لا تصل بك لكل مراده منك، والله أعلم". أرءيت كيف يفعل الإيمان بالغاية في الإنسان؟! يجعله لا يبصر شيئًا سوى مراده الذي يرنو إلى الوصول إليه. إنّ المحب عن العذال في صممِ!
واستنبط المؤلف مما رُويَ عنه سبحانه {ليعلم العاملون أنّ مَن قام بين يدي يجب عليه مراقبة نظري} أنّ الصوفية قد يكونوا أخذوا من هذه المشكاة قولهم: مُلتفِت لا يصل. وهذه المعاني قلَّ مَن يتعرض لها في زمانٍ لا أقول تسير فيه العلمانية والمادية بأهله، بل تطير بهم! فصار أغلبنا -إلا من رحم الله- لا يكاد يتفقد أحوال قلبه، ويكتفي بأعمال جوارحه، ولعمري هذا صنيع مَن لم يفقه كُنهَ التكليف الرباني وجوهره؛ فاللهُ سبحانه لا ينظر إلا إلى قلوبنا، وترك لنا الظاهر ليفعل كل امرئ ما يحلو له {اعملوا ما شِئتم} وهذا من تمام العدل والغِنى لأنه سبحانه {عليم بذات الصدور}. ولهذا، فإنّ أول مَن تُسعَّر بهم النار أُناس أثنى عليهم الخلق لظاهرهم، لكن ساء ما انطوت عليه قلوبهم! اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، وقد قيل، وقد قيل، وقد قيل. وهذا من معاني "ملتفت لا يصل" لأنه التفت بقلبه إلى الخلق دون الخالق، وحجبته الأسباب عن المُسبِّب، نعوذ بالله من الخذلان! وقد أكّد المؤلف مرارًا على ثمرة العلم، وهي تجريد النفس من سلطان نفسها، وإلا فالجهل خير مِن علم يُطغي. وقد قال القوم: "إنّ للهِ مسافات تُقطَع بالقلوب لا بالأبدان"، ولن يستطيع العبد درك المنازل إلا بترقيه في أعمال البواطن التي لا يطلع عليها إلا اللطيف الخبير. والكتاب لم يفته أن يُنبه على أنّ "أعمال القلوب تفسد بالحديث عنها، وأنّ القلب لا يُشوِّش عليه ويُحرِّفه عن الحق مثل العبارة البشرية -ولو كانت تصفه!- وليس الحديث عن القلوب ومكابداتها إلا على سبيل المجاز الذي يُقرِّب بعض الوجدان لأسماع الخلق؛ لأنّ بعض النفوس لا تتحرك قلوبهم إلا إذا سمعوا بقلوب سبقتها على الدرب".
بعد هذا ستجد أنّ أقوال القوم ليست أقوالًا يُتشدق بها، بل يُعاش في كنفها، حتى يدرك الموتُ العبدَ، ولعله بعد هذا يجد عذرًا بين يدي ربه سبحانه وتعالى، فرحلة الوصول إليه لا تنتهي عند حدٍّ يقال عنده: قد وصلت! بَكى صاحِبي لَمّا رَأى الدَربَ دونَنا ** وَأَيقَنَ أَنّا لاحِقانَ بِقَيصَرا فَقُلتُ لَهُ: لا تَبكِ عَينَكَ إِنَّما ** نُحاوِلُ مُلكًا أَو نَموتُ فَنُعذَرا
وإذا بلغ العبدُ جهده مستعينًا بربه على نفسه، فطوبى له! إنّ له ربًّا غفورًا شكورًا؛ فالمرء لو مارس علمًا من العلوم فترة سيصير سجيةً له، وسيكون متقنًا له، لكنّ أعمال القلب لا طمع في إتقانها، بل يظل العبد يجاهد نفسه على الإخلاص في كل طرفة عين، ولذا قال سفيان: ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي لأنها تتقلب عليَّ! وسفيان هو من هو، فكيف بمَن دونه؟!
والعبد إذا تجلت قطرة من سحائب معرفته سبحانه في قلبه يقول كما قال الأول: واللهِ لو أنّ أهل الجنة فيما نحن فيه إنهم لفي نعيم عظيم!
وقد قال الإمام جعفر الصادق: واللهِ لقد تجلى الله تعالى لخلقِه في كلامه، ولكنهم لا يبصرون!
فما بال العبد بالنظر إلى وجه الكريم سبحانه وبحمده، ويسمع قوله: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى! فيقول جلّ جلاله: أعطيكم أفضل من هذا؛ أُحِلّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا. ومن هذا الرضوان: فيُكشف الحجابُ فينظرون إلى الله، فما شيء أحبّ إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة (للذين أحسنوا الحُسنى وزيادة) فينظرون إليه بكرةً وعشيًّا! جعلنا اللهُ منهم. ولهذا قال من قال: إنّ اللهَ لو تجلى لأهل النار لما أحسوا بالعذاب! ولعل هذا الحجاب (كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون) هو أشد ما يُعاقَب به أهل النار. فلو لم يكن في مكابدة النفس سِوى أن تذوق طرفًا من نعيم معرفته ومناجاته في الدنيا لكان حريًّا بالعاقل أن يبذل روحَه ليصل.
ما لي سِوَى روحي، وباذِلُ نفسهِ ** في حُبّ مَن يَهْواهُ ليس بِمُسرِفِ فلَئن رَضِيتَ بها فقد أسعَفتَني ** يا خَيبَة المَسعَى إذا لم تُسعِفِ!
وما الموت إلا رحلة انتقالية ليعاين كل امرئٍ ما عاش لأجله، وبذل فيه عمره، ومن هنا كان قول أبي حامد الغزالي: مَلك الموت سبب إخراجنا إلى ذلك العالَم الأخروي، فحقُّه عظيم، وشُكره واجب. ولقد سكَّن الله شوق أوليائه بقوله تعالى (مَن كان يرجو لقاء الله فإنّ أجل الله لآت). هذا حديث ذو شجون، وإنّ الشجى يبعث الشجى، فأرجو من الله أن يُمتع قلوبنا وأرواحنا بمعرفته ومحبته، وأن يبسط رزق قلوبنا، وألّا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين! نرجو فواضِل ربٍّ سَيْبُه حسنٌ ** وكُلُّ خيرٍ لديهِ فهو مقبولُ
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألّا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
(تأملات مسلم) للأستاذ المفكر المصري عبدالرحمن أبو ذكري، كتاب يقع في 334 صفحة من الحجم المتوسط. وهو ثاني كتاب له بطريقة الشذرات بعد كتابه المبارك الأول "أفكار خارج القفص". قرأته مرتين، وهذه الثالثة واظنني أدمنته بقربي ابدا، فالكتاب يتمتع بالرصانة اللغوية ودقة البيان واجمل خصيصة به هي أنه كما ذكر المؤلف مجاف للطريقة المدرسية الرتيبة، فهو قد كتبه بأسلوب الشذرة، وأقرب للمواقف العرفانية لمولانا الاستاذ ابن عبدالجبار النفري قدس الله روحه. من مميزات كتب الأستاذ ابو ذكري هو أنه كاتب صادق، جزل، صريح ومصادم لدرجة لا يحتملها السذج المدجنين أصحاب الافكار الطوباوية المعلبة والافكار الوضعية البليدة الناشدة للكمال في دنيا النقص. هذه التأملات التي تعيشها بكيانك كله وتشعر فيها بأنفاس الكتاب ولواعج روحه وتحس فيها مكابدته حروفا صادقة في زمن الزيف والرص والغثاء، ستجد فيها حبا لال البيت واضح فتظن الكاتب شيعي لكنك ما تعمقت حتى رأيت حب الال والصحابة باذخا يمخر عبارات الكاتب وثناءه عليهم مضمخا بالاحترام والتبجيل، ثم تجد نفسك في رحاب الفن والنقد الأدبي والقصة والرواية بنظرة ناقد حصيف اتخذ الوحي اطارا مركزيا للفن والجمال وللثقافة، فلم يشنشن او يرطن برطانة محلقة بعيدة او غير متماسكة. يتنقل بك في السياسة والثقافة والفن وتاريخ الافكار ومدارس الاسلاميين وضلالهم وصلاحهم النظري القديم والحديث.. ونزق وتسلط الناصريين والقوميين وتسلطهم على الحياة العامة في الوطن العربي. ولن تقدر بحال أن تختزل الكاتب في لون او اتجاه او جماعة، فابو ذكري كاتب نسق وحده له فرادة قل ان يجود بها الزمان. فهو يكتب مكابدا تيارات الضلال والاصلاح وجماعات الطوبيا الحداثيين الجدد ليتحقق في العرفان سيره واسمه. يقول(فكأن القارئ يمخر وجدان الكاتب حرفيا، فيغرق في انفعالاته كأنه جزء منها؛ وهو ما يجعل قراءة هذا النوع جد منهكة، اذ تتغلغل في النفس بقدر تعرض القارئ لعواصف انفعالات الكاتب). يقول مولانا النفري (العبارة ميل، فإذا شهدت ما لم يتغير لم تمل) يقول المؤلف (إن هذه الطريقة القرآنية لا تجعل من الفكر الإنساني نسقا منفتحا دائم الانفتاح فحسب؛ بل تبرهن لكل ذي عقل موار يتحرك بإدمان النظر، وكل ذي نفس لوامة تتحرك بمكابدة الذكر، وكل ذي جسد أنهكته الحركة بالطاعة والامتثال؛ على أن التأمل والاستنباط في مواضعه أبلغ وأنضج من عبثية "الاستقراء"، ومن رص المعلومات "الموثقة". بل إن التأملات قد تصير في كثير من الأحيان هادما مناقضا للمعلومات الصحيحة).
لا أريد أن افسد استمتاع القارئ بهذا الكتاب العظيم بحق، قراءة ممتعة للجميع.
على غرار كتابه الأول "أفكار خارج القفص" يكمل عبدالرحمن أبوذكري الكتابة الشذرية مستصحبًا القارئ في دورة فكرية عن تعلّم التفكير الشامل والقراءة الواسعة في مختلف حقول المعرفة مجاورًا في كتابه بين نصوص فلاسفة اليونان بشعر الجاهلية بروايات نجيب محفوظ وآيات قرانية ونصوص صوفية وعبارات غزلية إلى آخره من التنوع.. تأملات قارئ له تجربة واسعة تستحق التأمل وتستدعي المخالفة في كثير من الأحوال والتعجب في أحايين أخر. كتاب ماتع