لكم أجلّت قراءة هذه المجموعة لحين صفاء الذهن للاستمتاع بها كما ينبغي؛ وقد كان. بمجرد صدور هذه المجموعة القيّمة عن دار الجمل، هرعت لاقتناءها لعلمي بعدم توافر ترجمات حقيقية لصادق هدايت، بالإضافة إلى تحريم نشر كتبه في لغته الأم. أعرف صادقًا منذ فترة طويلة وأخيرًا انتهت رحلتي معه. متعة ما بعدها متعة! ما هذه القدرة العجيبة على القص! شخصيات صادق حية ونابضة بالحياة جدًا، كأنها فعلاً من لحم ودم وكأنك تعرفها بسهولة. ستظل هذه المجموعة القصصية من أجمل ما قرأت في حياتي وكنتُ ألوك كل قصة على مهل وأنا أقرؤها ولا أريدها أن تنتهي حتى. الموت عند هدايت هو الحرية والسعادة، وهو كذلك الصديق الحميم الذي ننتظره. يحل الموت كل الأزمات ويتم انتظاره بشغف وحب. هذه هي الثيمة الأساسية تقريبًا التي يمكن ملاحظتها في معظم قصصه. يا ترى ما الذي كان في رأسك يا صادق! لكم عانيتَ في رأسك الكثير من ("الكلاب السعرانة")! عشتُ كل قصة حتى آخرها بمتعة بالغة. الترجمة مثال يُحتذى به على الترجمة الأمينة الصادقة المضبوطة - ولم يتركنا المترجم لحظة وصاحبنا في الهوامش مفسرًا كل غامض من ثقافة الإيرانيين والشيعة. *** ::في سطور:: ======== هذا الكتاب يعدّ الوحيد الذي يشمل كل قصص صادق هدايت القصيرة، وليس ذلك على المستوى العربي فحسب، وإنما حتى في إيران أيضًا لن نجد مجموعة كاملة لأعماله القصصية؛ وذلك يعود إلى الرقابة المفروضة على أعماله حيث تباع نسخ أوفست من كتبه في السوق السوداء. وفي أفغانستان أيضًا قام روائي وناشر أفغاني بنشر قصص هدايت ضمن كتاب كبير ولكنه جمع أربع مجموعات من قصصه فقط ولم يضف إليها قصصه المتفرقة الأخرى.
رغم أن صادقًا ليس أول من كتب القصة الحديثة الإيرانية، إلا أنه أول من أدخل الحداثة في الرواية الإيرانية في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين. اشتهر صادق بروايته ("البومة العمياء") ("بوف كور") التي طغت على أعماله الأخرى باعتبارها فاتحة المسيرة الروائية الجادة في إيران، إضافة إلى أنه كان غزير الإنتاج في كتابة القصة القصيرة المتأثرة بوضوح بأسلوب فرانز كافكا السوداوي، وكان هدايت قد ترجم بعض أعماله إلى الفارسية.
كان هدايت في أدبه يجرب، لذا يجد القراء تأثير الأدب الألماني - خاصة لمطلع القرن العشرين- واضحاً في كتاباته، والمفاجأة التشيخوفية شاخصة في قصصه. وفي كتابه القيم ("أناشيد الخيام") تجد الروح العاشقة للجمال والطبيعة تتجلى بأبهى صورها بحيث تجعل المرء لا يصدق أن محباً للجمال والطبيعة هذا الحب يمكن أن ينتحر، إلا أن فكرة الموت تسكن أكثر كتاباته، حيث كتب في مقال: "لو لم يكن الموت موجوداً لتمناه الجميع"، ثم انصرف إلى مخاطبة الموت قائلاً: "إنك لست رسول حزين، بل أنت علاج الروح الذابلة، إنك تفتح بوابة الأمل بوجه اليائسين". إلا أن الوجه الآخر لصادق هدايت بقي مجهولاً في العالم العربي؛ فقد تأثر هذا الأديب كسائر مثقفي عصره، لأسباب كثيرة، بالنزعة القومية والشوفينية التي عملت على إلقاء اللوم على الإسلام والفاتحين العرب المسببين لتخلف المجتمع وإبادة الحضارة الإيرانية، وكان الخطاب القومي الشغل الشاغل لهدايت حتى شكل المضمون الأول الذي تكرر في كل آثاره. *** ::القصص:: ======= تحتوي المجموعة على (39) قصة قصيرة موزعة على المجموعات التي نشرها هدايت على مدار سنوات حياته حتى انتحاره في باريس عام 1951 على النحو الآتي:- أ_ مجموعة الموؤود: 1_ الموؤود (الانتحار ليس قرارًا بل هو داخل أشخاص مولودين به وهم الموؤودون) 2_ الحاج مراد 3_ الأسير الفرنسي 4_ داود الأحدب 5_ مادلين 6_ عابد النار 7_ آبجي هانم (أعجبتني جدًا) 8_ آكلو الموتى 9_ ماء الحياة (ديستوبية سياسية وذكية جدًا) ... ب_ مجموعة ثلاث قطرات من الدم: 10_ ثلاث قطرات من الدم 11_ الدوامة 12_ داش آكل 13_ المرآة المكسورة (عن الحب ضائع، مؤثرة جدًا!!!) 14_ طلب المغفرة (كلنا أبناء الخطيئة) 15_ لاله (كلنا عبيد من نحب أي كلنا مغفلين) 16_ القناعان 17_ المخلب 18_ الرجل الذي قتل نفسه (التصوف واللذة والموت) - هذه أفضل قصة في المجموعة من وجهة نظري ❤ 19_ المحلل (ثيمة المحلل المعروفة) 20_ القلعة الملعونة (كافكاوية قوطية) ... ج_ مجموعة ظل وضوء: 21_ س. گ. ل. ل. (ديستوبية رهيبة وذكية جدًا) 22_ المرأة التي أضاعت زوجها (مازوخية المرأة وفيها ميزوجينية واضحة) 23_ دمية ما وراء الستارة (الحب المثالي الوهمي) 24_ آفرينگان (محادثة بين الأموات: الفكرة مبتكرة) 25_ ليالي ورامين (هل للروح وجود؟ هل الآخرة موجودة؟ 26_ الابتسامة الأخيرة (معادية للعرب وتاريخية) 27_ آباء آدم (التطور الأعمى والفناء الذاتي للبشرية) ... د_ مجموعة الكلب الضال 28_ الكلب الضال 29_ دون جوان گرج (ميزوجينية) 30_ الطريق المسدود (المساعي الفاشلة) 31_ كاتيا (الفيميل) 32_ تخت أبي نصر 33_ التجلي (الموسيقى للمرأة الفيميلية) 34_ غرفة التظهير (غرفة للذات والموت الجنيني: رهيبة!) ❤ 35_ محب الوطن (شوفينية تاريخية) ... هـ_ مجموعة انيران المشتركة: 36_ ظل المغول ... و_ باللغة الفرنسية: 37_ سامپيگه 38_ المهووسة ... ز_ القصة الحديثة: 39_ غدًا *** ::اقتباس:: ======= "فليس عندي رغبة قط في الخروج من غرفتي أو أن أختلط بأحدهم. حتى أنني حصرت طعامي بالحليب لكي أستطيع تناوله في أي وضع أكون: نائماً أو جالساً، ولا أكون محتاجاً إلى تحضير الطعام. ولكنني عاهدت نفسي أن أنهي حياتي في اليوم الذي تنفد فيه مدخراتي، أو أصير محتاجاً لإنسان آخر. الليلة هي الليلة الأولى التي أنام فيها في غرفتي. إنني شخص محظوظ وقد بلغت مناي. إنسان سعيد، كم تصوره صعب! لم أستطع قط تصور ذلك، ولكنني الآن شخص سعيد! مرة أخرى حل الصمت، ولكي أحطم هذا الصمت المزعج قلت: - إن الحالة التي تبحث عنها هي حالة الجنين في رحم أمه التي لا ركض فيها ولا صراع ولا تملق، داخل حائط أحمر دافئ ليّن، منكفئ على نفسه، يمص دم أمه على مهل وتتحقق كل أمنياته واحتياجاته ذاتياً. هذا هو نوستالجيا الفردوس المفقود ذاتها الموجودة في أعماق وجود كل إنسان. إن الإنسان الذي يحيا في ذاته ولذاته، ربما هو نوع من الموت الاختياري."
انتهيت قبل قليل من قراءة هذا الكتاب الذي أقر أنني استمتعت كثيرا بين أوراقه ، فهدايت بارع جدا في قول ما يريد ، سوف تشعر بأن اشخاصه من لحم ودم وليس مجرد شخصيات وهمية بين دفتي كتاب ،كما أنّ هدايت يضمن افكاره بكل براعه فثيمة الموت والظلام والسوداوية حاضرة بشكل جلي وواضح للعيان من خلال قصصه. واكاد اجزم ان هناك العديد من القصص مذكور فيها هدايت بشكل أو بآخر
رغم ان هدايت شوفيني ويبدو عديم الايمان فأنه ضمن في قصصه ابرز الاديان التي كانت موجوده في ايران مسقط راسه الا وهي المذهب الزرادشتي والمذهب الشيعي ولم يقتصر على الدين فقط بل انه ذكر ابرز اعتقادات الشعب الايراني الدينية والمجتمعيه انماط العيش والبساطة الموجودة في المجتمع، قد لا يعتبر ان هناك قبول لـ افكار هدايت من قبل المجتمع الايراني في حينه الا انه عراهم بشكل مذهل وبارع
إن قصص هدايت متنوعة بشكل جلي فهو تكلم عن العادات والتقاليد والدين وطبيعة المعاش والرغبات الدفينة لكن بطريقة ما ترى ان شخصياته تميل لانهاء حياتها بل ان هذا الانتهاء السامي سيكون خلاص وليس نقيصة ، وهي ذاتها الافكار التي كانت تدور في عقل هدايت نفسه الذي انهى حياته بالغاز
يا إلهي … !!!!! شهقات وصدمات وصفعات ودهاليز مظلمة وهذيان وهلوسات وأحلام بين الواقع والخيال ماهذا الرجل يا الله !!!!! لساني معقود ، كلماتي لا تطيعني في الانطلاق قلمي ملجوم لوصف كل ما قرأت .. ولترجمة مشاعري المضطربة والمتلاطمة والمتهيجة في ريفيو قد يكون إما ظالماً او ناقصا بحق هذا الرجل .. هل من قارئ هنا يفهمني ويستطيع أن يتحمل هذياني بعد قراءة هذا الرجل السريالي الكافكاوي السوداوي الساخر الشوفيني والنرجسي والمتأمل والناقد والعبثي والفلسفي والجنوني والمبدع والخارج عن سيطرة المألوف ، الرجل الذي يرقص مع كلماته ليصفعنا بها .. الرجل المختل عقليا في حفلة زار الحياة .. لا اعلم حقيقة ماذا اكتب وماذا أعلق عن رجل يكتب في الحب والموت والانتحار والجنون والفلكلور والعقيدة والجنس والديانات واللغات والفكر والفلسفة والتشيع والخيال والعلوم والطبيعة والأساطير والخرافات والأحلام وعن بلده ايران وشعبه وفكره وعقيدته والزرداشتية والبوذية ، يكتب عن المحرم والممنوع، البسيط والمعقد ، العقلي والجنوني ، الباطن والظاهر ، الواعي واللاواعية يهيم في فضاءات عقله وقصصه فنهيم معه! يا الهي .. هذا الرجل مجنون وكل قصة من قصصه هي في ذاتها هدايت نفسه .. القراءة له أشبه بالغرق ثم الطفو في بحر الحياة، مرة تلمس نجومًا ومرة يحرقك شهاب مرة تضحك معه، وأخرى بودك أن تلطمه .. مرة يستفزك وتارة يسايرك .. من بعدها ستعرف -ربما- لماذا أقدم على الانتحار، وقد تضعك القراءة له على مطرقة السؤال وسندان التعجب والتساؤل وربما الهذيان
هذه القصص ليست مجرد كلمات صُفّت كأحداث بل هي ربما تخلو من بذخ تسلسل الاحداث و المواقف بقدر ما هي فكر و توجّه و شعور بالاغتراب الروحي لدى صادق هدايت .. كل قصة هي مشروع للدراسة و التحليل النفسي و التأمل و تفكيك الرمزيات .. نرى بوضوح الغزل العميق لصادق هدايت نحو الموت و رغبة الانتحار نراها في اغلب القصص الذي يطغى عليها اسلوبه الكافكاوي الذي تأثر به من قراءاته و ترجماته و مقالاته عن كافكا .. كل قصة من قصصه تستحق الوقوف عندها و التعليق عليها لكني سأكتفي برأيي
في قصة الكلب الضال الذي ذكرتني بقصة تحريات كلب لفرانز كافكا : نرى بوضوح موجع عطشٌ ضارٍ ازلي لدى صادق هدايت للحنان و المشاعر الانسانية الرقيقة و الصادقة التي لم ترتوي فما زال يحنّ إليها و إلى أمه و إلى عينين زرقاوين مخضرتين عميقتين تلاحقه في صحوته و منامه .. و قد جسد في قصة هذا الكلب كل هذا الاحتياج الوجودي الذي يلازمه ..
قصص لا تجد فيها اي احداث او نهاية مفرحة فأغلبها ينتهي بالانتحار او الموت او الرحيل .. مؤلم كيف كانت روحه معذّبة حتى تنزف كل هذه القصص المؤلمة و المحزنة و المجنونة العجيب ان صادق هدايت كان نباتياً حتى اخر حياته رقيق القلب تجاه الحيوانات محب للطبيعة و الجمال .. حتى ليذهل المرء كيف لمثل هذا القلب ان يتشح بكل ذلك السواد و يعشعش الموت معه في فكره و مأكله و عمله و نومه …. حتى يقرر ان ينهي معاناته مع الحياة و هو في عمر ٤٨ سنة فقط
السؤال الأصعب الذي دارَ في ذهني حينَ إطّلعتُ على حياة "صادق هدايت": ما الذي يدفعُ مؤسس القصة القصيرة الحديثة في ايران وشخصٌ ارستقراطي ويعيشُ في باريس، أن ينتحر بطريقة دراماتيكية ومؤلمة في شقّتهِ في باريس، تاركاً خلفهُ ٤٨ سنة وأربع مجاميع قصصية ناجحة وعدَّة مؤلفات أخرى بارزة في الأدب الايراني.؟
"كم سيكون جيداً لو أمكن كتابة كل شيء. لو استطعت أن أجعل شخصاً آخر يفهم أفكاري لاستطعت أن أتحدث. لا، فثمة أحاسيس، ثمة أمور لا يُمكن إفهامها للآخرين؛ لا يمكن قولها، إذ يسخرون من المرء، فكل شخص يحكم على الآخر وفقاً لأفكاره هو. إن لسان المرء مثلهُ، ناقص وعاجز."
شخصياً أعتبرُ هذا الاقتباس هو التبرير الأمثل لكلّ ما كتبهُ صادق هدايت. وهو المولود عام ١٩٠٣ لعائلة أرستقراطية في طهران.
عندما قرأتُ هذا المَتن بجمع وترجمة غسان حمدان، قصصٌ مثل:(الموؤود، ثلاث قطرات من الدم، الدوّامة، الرجل الذي قتل نفسه وحتى المهووسة). كلّها تعريف واضح للحالة التي كانَ يعيشُ بها صادق والأفكار التي تُسيطِر عليه، والتي كانت تجعلهُ في حالة هِياج وكُره وسخرية من أفكار ومُعتقدات المجتمعات والناس وحتى كُرههُ الواضح للعَرب وسُخريتهُ المُستمرة من بعضِ الطقوس الدينية لبعضِ المذاهب أو الأفكار التي ترتبط بهذه الطقوس.
شخصٌ كتبَ في مناطق صعبٌ تقبُّلها لدى الكثيرين، شخصٌ كتب عن ' الانتحار، الأرق، الجنون، الجنس، الحرمان، التخلُّف الفكري والعقائدي، الحُب، القهر والظلم..' وغيرها الكثير.
للتو ختمت هذا الكتاب الجميل الذي إستمتعت وتوجعت كثيرًا بين صفحاتها وصدقها تجاه الوضع الإجتماعي الإيراني والعربي واخيرًا العالم.. أبدع صادق في لغته البسيطة وسخريته الممتعة لتدوير قصصه في قالب رائع وإسلوب مدهش وصادم!
قصص أعجبتني كثيرًا ومغرم بها جدًا ١- المؤود ٢- ماء الحياة ٣- طلب المغفرة ٤- الرجل الذي قتل نفسه ٥- القلعة الملعونة ٦-آفرينگان والقريبتين من قلبي جدًا ١- س.گ.ل.ل. ٢- غرفة التظهير
يعتبر صادق هدايت (1903 طهران - 1951 باريس) من أهم كتاب اللغة الفارسية المعاصرين على الإطلاق. من أبرز سمات المحتوى القصصي لصادق هدايت أنه كُتب بلغة مبسطة من دون تكلف وتعقيد، إذ لجأ مؤلفها إلى الواقعية، وتطرق إلى الإنتحار والجنون وانتقاده للخرافات السائدة والظلم المفروض على المجتمع وأن شخصياته أغلبهم من العامة. وبسبب انعكاس صراعه الذاتي فإن أغلب قصصه تحكي عن أزمته النفسية، إلا أنه في الوقت نفسه يمكننا لمس حسه الفكاهي ونبرته الساخرة في الكثير من قصصه