يمكن النظر لهذا الكتاب على أنه مقدمة مطوّلة لكتاب أنماري شميل"وأنّ محمّدًا رسول الله" فكلاهما يتحدث عن شخصية النبي محمد صل الله عليه وسلم باعتباره الإنسان الكامل، وإنه والله كذلك، وأكثر، وأكبر
القلوب القابلة تلاوين الحق نادرة، تلك التي تظل مخلصة لما به يتسنى لها استنبات روح العبودية في كل لون. شكّل الرسول الرحمة المهداة إلى البشرية بما مكَّنه احتلال مكانة روحية عظيمة داخل كل قلب ينظر في تجاويف روحه وطياتها العديدة. تتبّعت الباحثة المتخصصة في الدراسات الأكبرية، ابنة الأستاذ ميشيل شيدكوفيتش، وريث الكبريت الأحمر بامتياز، الأستاذة كلود عداس الإلماحات الصوفية المتعلقة بالحقيقة المحمدية في مختلف جوانبها: الشفاعة، أَوَّلِية الخلق المحمدي، مشاهدة الحقيقة المحمدية والتخلّق بها،...إلخ. لا يمكن استنفاد الحقيقة المحمدية لأنها متعالية عن كل زمن تاريخي.. يمنع الحديث النبوي الشريف الذي يحضر بكيفية لافتة في الدراسات الصوفية "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" كلَّ محاولة للنظر إلى الحقيقة المحمدية في صيرورتها الجسمانية، ذلك أن جسد النبي عينه لم يكن جسدا طبيعيا، انطلاقا من "كان خلقه القرآن"؛ إذ الخُلق المعنوي والجسدي للنبي انطبع بالحقائق القرآنية. لا يتوقف الصوفية عند الحدود الجسمانية للحقيقة المحمدية واتباع أطرافها الظاهرة والباطنة من كيفيات وأفعال وأقوال بقدر ما يضيفون إليها المستويات الباطنية التي بلغتها الروح النبوية، ناهيك عن حديثهم المسهب عن الملامية، أولئك الورثة المخفيون للحقيقة المحمدية، في إشارات بديعة إلى بعضهم، منهم من عيّنه النبي ذاته، خصوصا في قوله "سَلمان منا أهل البيت". لا حدود للحديث عن الرسول، فمحمد لا يخلو منه زمان ولا مكان. اجعلني نورا واجمعني به.