.. اقترب الصوت بحيث اهتزت النوافذ، ثم تزايدت حدّته أكثر فأكثر. اهتزّت البناية. لقد بدا صوت الآر بي جي والأسلحة الثقيلة أمرًا مفاجئًا وغريبًا، نحن الذين كنّا هذا الصباح في إيران ننعم بالأمن، وبدأنا نتساءل ما الذي يحدث؟ دسستُ شريحة الجوال التي أعطاني إيّاها حسين في جهاز جوالي ولم أجرِ أي اتصال. لم أستطع معرفة من أي جهة حاصر المسلحون هذا الزقاق؛ لكني كنتُ مضطربة وقلقة. استغثتُ بالله وفتحت القرآن لأقرأ،.. نظرتُ وإذا بزهراء وسارة غير مكترثتين للرصاص، تقفان خلف النافذة وتشيران من خلال فتحات الستارة نحو المسلحين.. فجأة دوّى انفجار قطع كلامي. ذكّرني بانفجار "أبو ذر" في سربل ذهاب شتاء العام 1984م، حين قذف عدة ضحايا من الطوابق العليا إلى الشارع. خطر في ذهني أن الانفجار التاي ربما يفعل بنا الفعل ذاته، نظرتُ نحو ابنتيّ وقلت: هيّا إلى الطابق السفلي.
" الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّه (وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ) " ☁️ قد قال السيِّد حسن نصرالله في لقائه الأول مع العميد الشهيد: (لم نلتقِ من قبل لكني أعرفك منذ زمن. أنتَ قائد تحت راية الإمام وأنا جندي عنده. بين مجاهدي المقاومة.. قليلون هم القادة الماهرون والمخضرمون أمثالكم).
كان الشهيد قد كتب على زاوية من دفتره:«لقد سمعت أنَّ رؤوس العشاق على ركبتيك، ومن ذلك الوقت ورأسي يشتاق للقطع».
وكتب أيضًا: «لقد هوى قلبي الرحيل كثيرًا في الآونة الأخيرة».
قبل استشهاده بأيامٍ قليلة أشار إلى مكان وصيته ولهج قائلًا: لديَّ شعور بأنَّ الله راضٍ عني. كان يتوق للرحيل، للحاق برفقاءه. فذَهب.
لم يأخذ الحاج الشهيد قلب أهلهِ فقط برحيله. بل أخذ قلبي معه أيضًا. أيُّها الشهيد السعيد أسألك الدعاء الكثير. ☁️
أطبقُ دفّتي هذا الكتاب، وأخرج من أرصفة همدان وكرمان والأهواز وطهران ودمشق وبيروت، أنفض ركام الحرب عن ثوبي كما لو تمرّغت في لججها، وأذرف دمعي على مآثر الشّهداء كما لو شهدتُّ عليها خلف الدّشم، وأكادُ أحسّ بقلبِ إبنةٍ تفطّر على فقدان والدها ينبضُ في صدري.. كتابٌ يثنيكَ عن إغلاقهِ قبلَ إتمامهِ بفضل براعة الكاتب في عرض الأحداث بتسلسلٍ جذّاب.
أراه يناظرُني كلما بحثتُ في المكتبات الإيرانية عن رفِّ الكتب العربية، ولأنه كان أكثرها توفرًا، ولعله الوحيد فوق تلك الرفوف، ألفتُ غلافه الذي أتشابه وإياه في حروفنا فأفهمُ عنوانه بينما تصعب عليّ العناوين الباقية، فاشتريته. انتقلَ من رفِّ المكتبة حيث تصافحه أكفٌّ عدة إلى رفِّ مكتبتي حيث لا يصافحه غيري، توسَّدَ وارتقبَ لمدة عامٍ كاملٍ تقريبًا أن أنتشله من مكانه وأبدأ بقراءته، لكنني لم أفعل إلا قبل بضعة أسابيع.
أكنتُ أنا من انتشلته أم هو من انتشلني؟ فبين صفحاته الثلاث مئة وجدتُ في نفسي القارئ الذي أفتقد، القارئ الذي يتفاعل مع الكتاب بكلِّه، فيغدو الكتاب جزءًا منه. ورغم أنّ نهاية كتبٍ كهذا تكون مؤطرة في الغلاف، إلا أنّك تعيشها كما لو كنت تجهل وقوعها، فتتوقف نبضاتك هُنيهة كأنّك أنت الشهيد، ثم تبكيه مع الباكين، وترثي البطل الذي عرفته في صفحاتٍ معدودة وكأنها عمرٌ طويل..
طويتُ آخر الصفحات مرددةً: نحنُ بحاجةٍ إلى قصص الشهداء دائمًا لتحيي ما ماتَ فينا.
إن الله ينتقي الأخيار ويغدو اختبارنا أصعب ___________
تجول بنا السيدة بروانة بذكرياتها تارةً من سوريا دمشق إلى همدان وطهران، وتارة أخرى إلى كرمنشاه ودزفول والأهواز وحتى العراق، تروي لنا منذ الطفولة والصبا وأيام الثورة والحرب حتى اللحظات الأخيرة لاستشهاد زوجها العميد الشهيد الحاج حسين همداني ذكرياتها وحياتها معه. أبرز كتاب وداعاً أيتها السيدة الجانب الأسري والجهادي للشهيد وكذلك تواضعه وأخلاقه الحسنّة التي ما فتئت تُدهشني في كُل صفحة. لم أقرأ قبلاً عنه ولا أتذكر جيداً إذا كنت قد سمعتُ عنه ولكّني أعلم الآن بأنَ اسم همداني سيظل مخلداً بذاكرتي.
قراءة ذكريات سوريا وما آلت إليه على لسان السيدة كان أكثر جزء أحزننّي بالكتاب وقد جعلتني أتطّلع شوقاً لزيارتها أكثر وأكثر.
تصنيفُ الكتُب هذا تقرأُ صفحتهُ الأولى تعرفُ فحوى صفحته الأخيرة، وما بين الصفحتين عُمرٌ من ألمٍ وتضحياتٍ كثيرة ما مكتوبٌ في طيّاتها غيضٌ من فيضٍ نجهلُه، ولأن الشهيد يعيشُ شهيدًا قبل أن يرتقي، فنحنُ لمّا نُطالع القصص نعي أننا لا نعرفُ الشهداء إلا بعد عروجهم، وإن كانت تلك حقيقة يصعُب تجرُّع مرارتها، إلا أنها تدلُّك على حقيقةٍ أُخرى أهمُّ وأوفى؛ هُم أحياءٌ عند ربِّهم يُرزقون.
الحقيقة أنّي لا أقرأُ كثيرًا من هذه السلسلة، لكن غلاف الكتاب الجميل وحيرتي في أيّام الزيارة الأخيرة أيُّ الكتب أشتري، وعيتُ إلى أني ألفتُه بسبب مراجعة صديقتي، فقررتُ شراءه. والحقُّ أنه مكتوبٌ بشكلٍ جيد ومترجمٌ بشكلٍ جيد جدًا كذلك. ذكريات السيدة براونه التي بدأت كتابتها عندما كانوا في زيارةٍ للشهيد في سوريا قبل سنواتٍ قليلة من عروجه، بطلبٍ منه حتى تقوم السيدة بروانه بدورِ الرسالية والتبليغ صفًا لصفٍّ مع زوجها في الجبهة، تأسيًا بدور سيدتي ومولاتي العقيلة زينب. والذكريات مكتوبة بدءًا من طفولتهم إلى يوم عروجِ الشهيد السعيد، التفاصيلُ كُلُّها مُبكية، الحاج قاسم سليماني وسيِّد المقاومة وذكراهما مع الشهيد قشعرت بدني، كُلُّهم اليومَ في شُغلٍ فاكهون بعد زرعٍ طالَ نموُّه فحان قِطافُهُ شهادة.. هنيئًا لكُلِّ الشهداء السُّعداء، هنيئًا.. ولا نقول وداعًا أبدًا، بل إلى اللقاء.
كتاب رائع بأسلوب الكاتب حميد حسام و زوجه الشهيد ذكريات الدفاع المقدس و ذكريات الدفاع عن حرم السيده زينب(ع) هؤلاء المؤمنون المخلصون اللذين يسلكون درب العشق لا تليق بهم سوى الشهاده أجمل عباره من الكتاب هي :((لقد سمعت أن رؤوس العشاق على ركبتيك ومنذ ذلك الوقت و رأسي يشتاق للقطع))♥️♥️