"هذا كتاب أذكر فيه بعون الله و حسن توفيقه ما يسره الله من ذكر مبدأ المخلوقات، من خلق العرش و الكرسي و السماوات و ما فيهن و ما بينهن من الملائكة و الشياطين، و كيفية خلق آدم عليه السلام، و قصص النبيين، و ما جرى مجرى ذلك إلى أيام بني إسرائيل و أيام الجاهلية حتى تنتهي النبوة إلى نبينا محمد صلوات الله و سلامه عليه. ثم نذكر ما بعد ذلك إلى زماننا، و نذكر الفتن و الملاحم و أشراط الساعة. ثم البعث و النشور و أهوال القيامة، ثم صفة ذلك و ما في ذلك اليوم، و ما يقع فيه من الأمور الهائلة. ثم صفة النار ثم صفة الجنان و غير ذلك مما يتعلق به، و ما ورد في ذلك من الكتاب و السنة و الآثار و الأخبار المنقولة المقبولة عند العلماء و ورثة الأنبياء." ابن كثير
تقع هذه الدارسة التاريخية في طبعة المكتبة العصرية في أحد عشر مجلداً آخرها (المجلد الحادي عشر) مجلد فهرس شامل لمواضيع المجموعة. و هذا هو المجلد الأول من المجموعة التاريخية.
مواضيعه: من فصل في خلق السماوات و الأرض إلى قصة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في سبتهم
هو الامام عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي. ولد في سوريا سنة 700 هـ كما ذكر أكثر من مترجم له أو بعدها بقليل كما قال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة. وكان مولده بقرية "مجدل" من أعمال بصرى من منطقة سهل حوران وهي درعا حالياً في جنوب دمشق بسوريا, وكان أبوه من أهل بصرى وأمه من قرية مجدل. والأصح أنه من قرية مندثرة تسمى الشريك تقع بين قريتي الجيزة وغصم ويمر من جانبها وادي مشهور اسمه وادي الزيدي وهي في منطقة حوران أو درعا حالياً. انتقل إلى دمشق سنة 706 هـ في الخامسة من عمره وتفقه بالشيخ إبراهيم الفزازي الشهير بابن الفركاح وسمع بدمشق من عيسى بن المطعم ومن أحمد بن أبى طالب وبالحجار ومن القاسم بن عساكر وابن الشيرازى واسحاق بن الامدى ومحمد بن زراد ولازم الشيخ جمال يوسف بن الزكى المزى صاحب تهذيب الكمال وأطراف الكتب الستة وبه انتفع وتخرج وتزوج بابنته. قرأ على شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً ولازمه وأحبه وانتفع بعلومه وعلى الشيخ الحافظ بن قايماز وأجاز له من مصر أبو موسى القرافى والحسينى وأبو الفتح الدبوسى وعلى بن عمر الوانى ويوسف الختى وغير واحد.
تنازع الأشاعرة والسلفية في أمر معتقده. فأما الأشاعرة فزعموا أنه أشعري العقيدة حيث ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة, ص17 ج1 باب الهمزة ( وهو حرف الألف) قصة حدثت بين ابن القيم وابن كثير عندما قال ابن كثير لإبن القيم "أنت تكرهني لأنني أشعري فقال له لو كان من رأسك إلى قدمك شعر ما صدقك الناس في قولك إنك أشعري وشيخك ابن تيمية". كما أن ابن كثير تولى مشيخة دار الحديث الأشرفية وشرط واقفها أن يكون أشعري العقيدة - انظر طبقات السبكي.
ورأى السلفية أنه كان واضحاً وجلياً أن ابن كثير سلفي الأعتقاد في غالب بل كل مؤلفاته فكان يصرح بها ولعل المتتبع البسيط لتفسيره (تفسير القرآن العظيم) يرى بوضح وبدون أدنى لبس أنه على عقيدة شيخه أبن تيمية. وكذلك ما كتبه في أول كتابه الجليل "البداية والنهاية" عن علو الله على عرشه وإثبات صفة العلو والفوقية لله العلي القدير. أما ما أثير حول كونه أشعرياً لقبوله مشيخة دار الحديث الأشرفية التي شرط وقفها أن يكون المدرس فيها أشعرياً فهو شرط غير ملزم وقد ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية علماء سلفيون من قبله: مثل الحافظ جمال الدين المزي والحافظ أبو عمرو بن الصلاح. أما ما رواه الحافظ ابن حجر فهي كما قال نادرة وقعت بينهما ولم تكن في مقام البيان والإقرار.
المجلد الأول من هذه السلسلة العميقة... في هذه البداية الّتي قادنا فيها أبن كثير من بدايات الخلق الى قصص الأنبياء بالتَسلسُل الى ما وصلنا الى قصّة سيدنا عيسى عليه السلام و من ثمّ عن قصّة ذو القرنين و أصحاب الكهف و ما أتى من شرح قصّة الرجلين المُؤمن و الكافر صاحب الجنّتين .
و هي حقّاً بداية عميقة لأنّ ابن كثير أراد ان يوضِح للقارئ في كل قصّة و في كل حدَث ما جاء من أقاويل و هنا أريد أن أُدافِع عنه و عن من ذَكر أنّ ابن كثير يعتمِد على الإسرائليّات في كتابه هذا... و هذا كلام خارِج عن الصحّة و إنّما هو ذكَر و أوضح في كِتابه أنّ هذا ما قاله المُؤرِّخ الفلاني و ما ذُكِر عند أهل الكتاب و ما هوَ اسرائيلي و ما هوَ مُحقّق و صحيح في الأحاديث النبويّة و إنّما ذكَرها جميعها ليوضِح للقارِئ الصواب عن الخطأ و كان ينهي حديثه دائِماً بكلمة ( الله أعلم ) لِكي لا يقَع بالخطأ.
فهذه رسالة دينيّة تاريخيّة عميقة و ليس من السهل أن تبني تاريخ على حق إن لم تكن صاحِب دين و علم ، فرحمه الله و أسكنه فسيح جنّاته على هذا الجُهد و لنا لقاء أخر إن شاءالله .
الكتاب اعتمد بشكل كبير على الإسرائيليات و روايات لروات عرف عليهم الكذب و لا يجب اتخاده كمرجع لمعرفت التاريخ و لا الدين. فهو يعتمد أسلوب الحكي الذي يدس السم في العسل و لا أفهم لماذا يتم نشره لليوم و كأن صحيحي البخاري و مسلم، و كتب التفسير قد قصروا في نقل الحقائق و يجب أن نعتمد على الإسرائيليات لنفهم. القصص المذكورة في الكتاب لو أراد الله أن تصلنا لأخبرنا بها في كتابه أو لبلغنا بها نبيه و رسوله خير خلقه عليه السلام. قرأت جزء منه بعدما لاحظة أن أنتخيستوس 2 إعتمده بشكل كبير في بناء كتابه و فهمت أن القصص متعارضة بشكل مضحك مع نفسها فما بالك بكتاب الله عزة و جل.
يجمع بين التاريخ العام والتفسير، يبدأ بقصص الأنبياء ثم تاريخ الأمم ثم تاريخ الإسلام حتى عصر المؤلف مهم للباحث في التاريخ العقدي والروائي عند أهل السنّة، وفيه مادة واسعة عن الفتن، والملاحم، وأحداث آخر الزمان.