يقدم سليم بركات في روايته إشارات بانورامية عن الوضع السوري في الأيام التي تلت هزيمة حرب الأيام الستة سنة 1967. تعتمد الرواية في خطها العريض على غرام فتى مراهق بفتاة من الحي اليهودي، ثم تنمو في السياق خطوط كثيرة عن الأكراد، والأرمن، وأيام الحرب، وثرثرات المراهقين المغرمين بالسينما.
يمزج سليم بركات في سرديات الرواية، بين الموضوعات الكردية المأثورة، التي تعمّق طويلًا في استكشاف أبعادها البشرية المادية والرمزية المجازية، وموضوعة حضور الجاليتين الأرمنية واليهودية في بلدة القامشلي، من خلال قصة حبّ بين مراهقَين؛ على خلفية مباشرة هي حرب 1967، وعن الاستبداد البوليسي آنذاك الذي لم يتغير أبدًا فيما بعد، وعن الدور المشبوه للشعارات والمخابرات في تسهيل هجرة اليهود من مدينة القامشلي، بتهريبهم إلى تركيا، ولبنان، ومنهما إلى قبرص حيث يتوزعون من هناك على فلسطين وأميركا؛ وخلفية أخرى أوسع نطاقًا هي نظام الاستبداد البعثي آنذاك، والذي ازداد شراسة بعد هزيمته في الحرب أمام الجيش الإسرائيلي.
سليم بركات روائي وشاعر وأديب كردي سوري من مواليد عام 1951 في مدينة القامشلي، سوريا, قضى فترة الطفولة والشباب الأول في مدينته والتي كانت كافية ليتعرف على مفرداته الثقافية بالإضافة إلى الثقافات المجاورة كالآشورية والأرمنية. انتقل في عام 1970 إلى العاصمة دمشق ليدرس الأدب العربي ولكنه لم يستمر أكثر من سنة، ولينتقل من هناك إلى بيروت ليبقى فيها حتى عام 1982 ومن بعدها انتقل إلى قبرص وفي عام 1999 انتقل إلى السويد.
أسلوبه أعماله تعكس شخصية أدبية فريدة، كما كانت أعماله الشعرية الأولى تنبئ بمولد أديب من مستوى رفيع... وبالفعل أتت أعماله التالية لتقطع أشواط وأشواط في عالم إبداعي لم يعتد عليه قرآء الأدب المكتوب باللغة العربية. كما جاءت أعماله مغامرات لغوية كبري، تحتوي على فتوحات في الدوال والمعاني والتصريفات. طبعاً أضيف إلى ذلك أن سليم عمل على إحياء الكثير من الكلمات العربية التي كانت ميتة تماما واستطاع توظيفها ضمن قالب احيائي فريد.
أعماله * كل داخل سيهتف لأجلي، وكل خارج أيضاً (شعر) * هكذا أبعثر موسيسانا (شعر) * للغبار، لشمدين، لأدوار الفريسة وأدوار الممالك (شعر) * الجمهرات (شعر) * الجندب الحديدي (سيرة الطفولة) (سيرة) * الكراكي (شعر) * هاته عالياً، هات النّفير على آخره (سيرة الصبا) (سيرة) * فقهاء الظلام (رواية) * بالشّباك ذاتها، بالثعالب التي تقود الريح (شعر) * كنيسة المحارب(يوميات) * أرواح هندسية (رواية) * الريش (رواية) * البازيار (شعر) * الديوان (مجموعات شعرية في مجلد واحد) (شعر) * معسكرات الأبد (رواية) * طيش الياقوت (شعر) * الفلكيون في ثلثاء الموت: عبور البشروش (رواية) * الفلكيون في ثلثاء الموت: الكون (رواية) * الفلكيون في ثلثاء الموت: كبد ميلاؤس (رواية) * المجابهات، المواثيق الأجران، التصاريف، وغيرها (شعر) * أنقاض الأزل الثاني (رواية) * الأقراباذين (مقالات في علوم النّظر) * المثاقيل (شعر) * الأختام والسديم (رواية) * دلشاد (فراسخ الخلود المهجورة) (رواية) * كهوف هايدراهوداهوس (رواية) * المعجم (شعر) * ثادريميس (رواية) * موتى مبتدئون (رواية) * السلالم الرملية (رواية) * الأعمال الشعرية (مجموعات) * شعب الثالثة فجرا من الخميس الثالث (شعر) * لوعة الأليف اللا موصوف المحير في صوت سارماك (رواية) * ترجمة البازلت (شعر) * هياج الإوزّ (رواية) * التعجيل في قروض النثر (مقالات) * حوافر مهشمة في هايدراهوداهوس (رواية)
تقييمي لهذا العمل ثلاثة نجوم ونصف. 3.5 ⭐️ يتناول سليم بركات في روايته "ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟"، الوضع السوري في الفترة التي تلت هزيمة العرب وضياع قسم من خرائطها في حرب الأيام الستة عام 1967.
يقع الفتى الكردي "كيهات" في حب الفتاة اليهودية"لينا" التي تسكن الحي اليهودي في مدينة القامشلي.. ويتناول سليم بركات ضمن هذا السياق حياة الأكراد، والأرمن، واليهود في سوريا.
كما ويعرض سليم بركات واقع التسلّط البوليسي والمخابرات في تلك الفترة، ودورها في تسهيل هجرة اليهود من مدينة القامشلي، عبر تهريبهم إلى تركيا، ولبنان، ومن ثم إلى قبرص. منهم من يعبر إلى فلسطين، ومنهم من يستقر في أمريكا في حي بروكلين في نيويورك.
أتقن سليم بركات في هذا العمل التعمق في النفس البشرية للإنسان السوري لا سيما لدى الفئات التي طالها اضطهاد نظام الحكم وقمعه مثل الأقليات اليهودية والأرمن والأكراد؛ حيث زرع هذا النظام في نفوسهم الرعب والخوف لأنهم أدركوا أن الاعتراض على سياسة هذا النظام سينتهي بهم إلى سراديب عميقة تحت الأرض بحيث لا أحد يسمع صراخهم؛ وحيث سيختفون عن وجه الأرض. هذا النظام الذي زرع مخبريه في كل الأماكن حتى غدا الشعب غير قادر على التعبير والتفوه بأي شيء قد يكون ضد النظام.
من ناحية الأسلوب الروائي، عليَّ القول أنني في البداية كنت مترددة أن أقرأ لسليم بركات رغم رغبتي في القراءة له منذ فترة طويلة. سبق أن حاولت قراءة عمل له، لكنني اصطدمت بحاجز اللغة التي يكتب بها؛ شعرت أنها كانت لغة مجردة وكنت كما لو أنني أقرأ طلاسم لا أدرك ماهيتها. كانت فيها حذلقة ولم أستسغها. في هذا العمل، كانت اللغة عذبة وجميلة،ما جعلني أستمتع بالقراءة.
من ناحية السرد، كان هناك إسهاب في السرد بشكل كبير في العمل، لا أقول أنه لم يخدمه تماماً، حيث أنه في بعض المواقع كان هذا الإسهاب كما السحر، يضخ جمال اللغة عذوبة لدرجة لا تشعر القارىء بأن بركات يحشو النص بالكثير من الكلمات التي يمكن الاستغناء عنها، فوجدتني أستمتع بهذه اللغة وأغفر له إسهابه.. بالمقابل، في بعض مواقع العمل أضرَّ هذا الإسهاب في الإمساك بتركيز القارىء لدرجة بعثت على الملل، وبحيث كان من الممكن إسقاط الكثير من الجمل دون الإضرار ببنية العمل.
مأخذي على هذا العمل إضافة للحشو والإسهاب في بعض المواقع كما ذكرت سابقاً، هو أنني شعرت أن سليم بركات لم يستطع أن يفصل ذاته تماماً عن شخصيات عمله، وأقصد بذلك أن وعيه، لغته، ثقافته حاضرة في غالبية شخصيات عمله على ذات المستوى، ولم يكن هناك مراعاة وأخذ بعين الاعتبار للفروق التي من الطبيعي أن تظهر بين الشخصيات. فمثلًا موسى ابن الثلاثة عشر عاماً، شخصيته من النضج كما لو كان ابن ثلاثين عاماً. وهذا ينطبق أيضاً على غالبية الشخصيات الفتية في العمل والتي لا تتعدى أعمارها الستة عشر عاماً.
الطريقة التي تطور بها وعي الشخصيات والطريقة التي تعبر بها عن نفسها خلال العمل لم تكن مقنعة.. شعرت أن سليم بركات أسقط عليها هذا النضج بشكل لا يتلاءم مع بنيتها النفسية والعقلية. نقاشات وحوارات في مواضيع فلسفية وحياتية مختلفة، مبادىء الاشتراكية والشيوعية، وغيرها من المواضيع، طُرحت على لسان الشخصيات الفتية بطريقة تظهر هذا الخلل.. هنا، شعرتُ أن سليم بركات أسقط لغته بتعقيدها في بعض الأحيان وفِي زخمها، ومستوى وعيه على هذه الشخصيات، بحيث لم تخدم العمل، كانت غالبية الشخصيات على ذات المستوى والعمق من الوعي، بحيث ساهم ذلك في خلخلة انسجام العمل ومنطقيته.
تجذبني دومًا نهايات الأعمال، حيث في تقييمي للعمل، يأخذ هذا الجانب قسمًا كبيرًا من التقييم؛ أشعر أن العمل بنهاية محكمة، لا يقلُّ أهمية عن كيفية تطوره، عن لغته، وكافة جوانب العمل الروائي.. مع أنني أميل دوماً للنهايات القاسية والشرسة- كالتي وضعها سليم بركات لعمله-، والتي لم يكن بالإمكان أن تكون أكثر قسوة ومنطقية أيضاً مما جاء به الكاتب ، إلا أنني كنت أتمنى لو كان أكثر رأفة "بكيهات"، ذلك الفتى الذي كسر الحب قلبه وهو بعد لم يذق حلاوته... لكن بالمقابل، كان سليم بركات ابن هذه البيئة، حيث تغتال المخابرات فرحة الشعوب، وحيث يكون الوطن أقسى على أبنائه من أبواب الهجرة والهروب من بطشه. وبالتالي، لم يكن بالإمكان أن يخلق نهاية وردية في ظل كل هذا القهر وهذه البشاعة لهذا النظام الذي يبث الخوف في نفوس الشعوب!
في المجمل، هو عمل جميل لا يخلو أبداً من عذوبه، وطوال قراءتي، كنت أستشعر روح الكرديّ ونكهة حضوره بين سطور العمل!
. . . . أخرج كيهات ورقته بالحروف العبرية فيها من جيب بنطاله . فتحها تأمل الحروف نازفاً نزيف الماء عكرةً في المجرى الموحل . نشج كيهات. تمالك نفسه فلجم الصوت في مخارج قلبه الكهف. جلس أرضاً على التراب الساخن. نكت التراب بسبابة يده اليمنى . مضغ الورقة الصغيرة بين أسنانه فجعلها علكة . وضع الورقة المعلوكة في الجورة الصغيرة التي استحدثها في التراب . ردم التراب عليها . ضمّ فخذيه إلى صدره مطوّقتين بذراعيه . حدّق إلى البعيد البعيد فوق مستوى رؤوس السنابل . دَنْدَنَ كلمة " سوريا " مقطعة على نغم مرتجل : " سو . ري . يا " شهق شهيقاً خفيفاً أعقبه بزفيرٍ مديد . بكى كيهات .
في ظني وتقديري مجمل الرواية بين سطور هذا الكتاب الذي يتجاوز ٥٦٠ صفحة قد لاتتعدى ١٠٠ صفحة ، حيث اخذ الكاتب بوصف امور من مجملها اعطت هذا الكتاب ثقلة محملاً بوصف الدوامة تارة وبوصف الفرق بين السينما الامريكية والهندية وتارة بشرح طرق الذبح الكوشر او طريقة تحضير الخبز من العجين. وهذا لايمنع من الثناء على اسلوب الكاتب وتصويراته الرائعة التي اعطتني الحافز لوضع نجمتين لتقييم هذه الروايه.
من الواضح ان الكاتب متمكن من لغته العربية واسلوبه متميز … لا شك فى ذلك… ولكن اعيب عليه فى هذا الكتاب … الاطالة الغير مبررة من وجهة نظرى فى الحوارات بين كيهات واخوه او كيهات و عائلته… بعض الحوارات الثنائية اضافت بدون شك لكن بالنسبة لى اجدها اطالة كسرت كثيرا من تسلسل النص الادبى… بينما الاجزاء التى كان يوظف فيها الكاتب قدراته الفائقة فى وصف الاحداث والاستجوابات وغيرها كانت فى نظرى تشد القارئ وتجعله يتابع كانه فى فيلم "اكشن" اذا جاز لى استخدام هذا التعبير… فى المجمل انصح بقراءة هذا الكتاب
باعتقادي عندما يتصدّى شاعر ما لتأليف نص روائي فإنّ الاشتغال اللغوي عليه سيبدو جليّ الملامح من لغة شعرية عالية وجزالة في اللفظ وقوة في التركيب ونصاعة في التعبير وتكثيف في المعنى، وكأنّ الشاعر يركن إلى خبرته الشعرية في بناء القصة، ويبدو للوهلة الأولى أنّ الأمر واقع في رواية الشاعر والروائي الكردي السوري سليم بركات، فصدمة المتلقي الأولى في النص هي اللغة الجيدة ولكن المتكلفة رغم ذلك برأيي، كفرط استعمال البدل مثلا على حساب الإضافة أو النعت في الجمل كقوله "الحقيبة الجلد" لا حقيبة الجلد، وكذلك قوله: "الباحة الحصى" "النقود الورق" "النهاية الجنوب" "الرصيف الاسفلت" والمزيد، فضلا عن تكلّف حذف كثير من حروف الجر في السياق أيضا، لكن تلك القوة لا تتناسب ووجود أخطاء لغوية شائعة كدخول الباء على رغم واستعمال كاف التشبيه في غير مكانها، على كل فإن ثقل اللغة يخف تدريجيا حتى النهاية، ولكن ماذا عن القصة؟ ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟ تجري الأحداث في محافظة القامشلي في سوريا بعد حرب ١٩٦٧ وتداعياتها، وأعجبني أن وضع سليم بركات في أول الرواية قائمة بشخصياتها، كيهات فتى مراهق من أسرة كردية بسيطة يعمل والده أوسي موظفا في إحدى دوائر الدولة وأمه هدلا امرأة غير متعلمة تطرح حملها من خلال الأحداث وله أخ أصغر وحيد اسمه موسى يعشق السينما الأمريكية، أحب كيهات (أو من جاء بالكردية) فتاة يهودية تكبره بعام تدعى لينا وهي ابنة راحيل بائعة اللحوم في الحي اليهودي، وقد ظل هذا الحب في قلبه فقط لا يجرؤ على إشهاره على الرغم من زياراته المتكررة لمتجر راحيل وبيتها إما لشراء اللحم أو متبرعا لخدمتها وابنتها في أيام السبت التي لا يعمل اليهود فيها، بقي كيهات يأمل أن يجمع القدر بينهما كما فعل مع أختها الأكبر إذ فرت مع حبيبها المسيحي وتزوجته، وبطبيعة الحال فإن نهاية هذه الرواية الضخمة التي تتجاوز الخمسمئة صفحة الغنية بالتفاصيل الغزيرة بالحكي كانت نهاية متوقعة تعكس توجّه سليم بركات في محاولته رسم معالم القامشلي وسكانها في تلك الحقبة، رصد فيها حياة الأكراد وعرض مظلوميتهم بحثا عن وطن كما اليهود والأرمن، مركزا على قسوة النظام البعثي البوليسي وجرائم مخابراته آنذاك الممتلئ حقدا وشعارات فارغة المجبول على القمع والظلم والاضطهاد تحت شعار أمة عربية واحدة، فهذا أب يطرد من وظيفته بجريرة مزحة كتبها ابنه الطفل في مدرسته: عاش شارلي شابلن قائد أمة السينما الواحدة. لكن المؤلف من وجهة نظري في سبيل هذه الغاية أو التوجه حمّل المراهقين فلسفة وعمقا وفكرا أكثر مما ينبغي لهم من خلال الحوار، ما جعلني أشعر بخلل ما خاصة بوجود تناقض غريب فتارة يصدر عن المراهقين حوار عظيم يشي بفلاسفة مفكرين لهم وجهات نظر وجودية في الحياة والكون والدولة والدين والمجتمع وتارة أخرى يخرجون بحوار ساذج وتساؤلات أطفال لم يتجاوزا الخامسة ربما.. على كل فإن الرواية جيدة ولي فيها ذكريات مع مدارس سوريا زمن البعث من معسكر العاشر وأستاذ العسكرية وشبيبة الثورة وحلاقة الجيش وبدلة الفتوة والسيدارة والنطاق والبوط وترديد الشعار وقائدنا إلى الأبد وتجليد الكتب وبيعها مستعملة بنهاية العام وسواها من مؤلمات. التقييم: ٧.٥/١٠