في عودة للذاكرة إلى أسباب أحداث القرن التاسع عشر في جبل لبنان يبحث الكاتب أسامة كامل أبو شقرا عن خارطة طريق أو مخرج لبلدٍ متنوع العناصر والفئات والتيارات، وتعايشت في فضائه ديانات وطوائف وجنسيات شتى، كان فيه لبنان - وربما لا يزال - الحلقة الأضعف من جانب القوى الفاعلة على الساحة اللبنانية، بثالوثها العربي والاقليمي والدولي. قدم الكاتب لكتابه بمقدمة يقول فيها: "إذا اقتنعنا جميعاً أن "بوسطة عين الرمانة" كانت السبب الحقيقي لأحداث دامت في لبنان منذ العام 1975 حتى العام 1990، وما زلنا حتى اليوم نعاني من ذيولها، عندها يمكن لي أن أقتنع أن خلافَ ولدين أو غلاماً وحماراً قد يكون السبب الحقيقي لإشعال نارِ فتنةٍ لم تلبث أن تحولت، بقدرة قادرٍ، إلى حربٍ أهلية تعمُّ جبل لبنان بكامله وتوقŸ
#إقرأ ما كتبه أهالي جبل لبنان إلى الكونت دي بونتري سفير فرنسا في الآستانة بتاريخ تموز ١٨٤٠:
"فهل جهلت فرنسا الأضرار التي ألحقها محمد علي باشا وأنواع المظالم التي أرهقنا بها منذ ساعدته الأقدار على امتلاك سوريا؟ إن هذه الشرور لا تحصى ويكفي أن نقول إن مظالمه الفظيعة وضروب استبداده وجوره دفعتنا إلى اليأس وأحيت بنا الرغبة الشديدة في الرجوع إلى كنف حكومة جلالة سلطاننا عبد المجيد الأبوية… فنطلب أن يسمح لنا بالعودة إلى ملاذ حماية سلطاننا الشرعي الذي لم ننقطع عن الخضوع له منذ أربعمائة سنة، وجل رغبتنا الاشتراك في النعم والحقوق الممنوحة في الخط الشريف الذي أصدره جلالة السلطان وأولاها جميع تبعته الصادقة دون استثناء ولا تمييز".
فاجئتني هذه الرسالة التي من المفترض أن تكون مدونة من موارنة ودروز جبل لبنان، وقد دوّنها الأستاذ أسامة كامل أبو شقرا في كتابه "عودة إلى أسباب أحداث القرن التاسع عشر في جبل لبنان" والتي أدت إلى مذبحة عام ١٨٦٠.
يصل الكاتب في بحثه إلى أن الأسباب التي أدت إلى تلك المذبحة الرهيبة ليست كما تدّعيه بعض المراجع والمناهج التربوية، ومحصورة بحكاية ساذجة متمثلة بعراك بين صبية يلعبون "الكِلّة" أو بين فلاحين حول أحقية مرور حميرهم، إنما بتراكم من الأحداث والتدخلات الخارجية التي زرعت الحقد بين أبناء الوطن الواحد بعد تعايش استمر قرون عديدة.
الأسباب التي سردها الكاتب متمثلة بسياسة الأمير بشير الشهابي الثاني والمدعوم من محمد علي باشا الذي كان يتطلع لاحتلال الشام، وهي سياسة ترتكز على التفرقة والحقد والكره والعداوة وزرعها في نفوس الدروز والموارنة ليتقاتلوا فيما بينهم. وكذلك الأمر التدخل الفرنسي لنيتها القديمة باحتلال سوريا لقطع طريق الهند على بريطانيا عدوتها التقليدية، ثم انتقاماً من الباب العالي لأمره بوقف أعمال حفر قناة السويس في العام ١٩٥٩، وتأخره في إصدار الفرمان بالسماح بعودة تلك الأعمال.
يُكمل الكاتب سرد تلك الأسباب، حسب وجهة نظره، ويرى أن ضعف الدولة العثمانية، وما غرسته الإرساليات الأجنبية في نفوس الوطن الواحد خدمة لمصالح الدول التي بعثت بها إلى الشرق عامة ولبنان خاصة، وكذلك الأمر إقناع فرنسا الموارنة بأنهم مواطنون فرنسيون يعيشون في لبنان الذي يخصهم وحدهم، وإقناع بريطانيا الدروز بأن الموارنة يريدون طردهم من جبالهم ومن الإمارة التي أسسوها بدمائهم منذ مئات السنين. بالإضافة إلى ما "قدمته بسخاء" تلك الدول، من الأسلحة والأموال، كلٌّ منها على الفريق الذي تدعي حمايته. كل تلك الأسباب أدت إلى مذبحة ١٨٦٠ والتي ذهب ضحيتها ألاف من الأرواح في سوريا القديمة عموماً.