درَج كُتَّاب تاريخ الإسلام على تناوله بصورٍ قاصرة اكتفت بأحد أمرين: الأول عرضُ تاريخنا على هيئة أحداث منفصلة منقطعة السياق التاريخي وهذا ما فعله المؤرخون القدماء كابن كثير وابن الأثير وقبلهم الطبري عليهم رحمة الله جميعاً، والطريقة الثانية في عرض التاريخ هي الحديث عن وقائع متسلسلة متصلة لكنها مقتصرة على تناول الجانب السياسي من هذه الأمة، إذ ترى الحديث عمن تولى من الخلفاء ومن استوزر واستعمل على البلاد والأقاليم، وربما تُطُرِّق إلى الحديث عن وفيات بعض العلماء، وإلى الحروب والفتن التي قامت.
يتميز هذا الكتاب بتلافي تلك المثلبة، حيث تناول التاريخ بصورة عرضية وعمودية، عرضيةٍ تناولت السياق التاريخي وتسلسل الأحداث التي وقعت في حقبةٍ تاريخيةٍ ما وفقاً لقيام دولٍ وسقوط أخرى، وعموديةٍ غاصت في أعماق الأمة لتكشف عن جوانبها الاجتماعية والسياسية والثقافية والفنية والدينية، وهذه ميزة يكاد يكون المؤلف أول من حازها في عرضه للتاريخ الإسلامي.
لا شك في كون السياسة في أمتنا جانباً مظلماً من جوانبها الكثيرة النيرة، ولكنه على ظلمته أكثر نوراً وإضاءة من غيرها من الأمم، فإنك ترى الانقلابات تقوم على أساس ديني كما نرى في فعل معاوية مع علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وكما ترى في فعل بني العباس مع الأمويين، وكما نرى في خروج بعضهم على هاتين الدولتين كالحسين بن علي وابن الزبير والنفس الزكية وغيرهم، ولا ننكر حدوث تلك المآسي بحق المهزومين على أيدي المنتصرين، ولكن رغم هذا فلا بد من النظر إلى أمرين مهمين في تقييمنا لتلك الأفعال المذمومة التي صدرت بحق أولئك المهزومين: أولهما: كون تلك الروايات الحاكية لتفاصيل تلك الأخطاء تعرضت لكثير من التشويه والدس والكذب والمبالغة من قِبل أعداء كل فئة في محاولةٍ منهم للطعن في خصومهم وتجييش المشاعر ضدهم، وثاني الأمرين: أنه مهما بلغت تلك الأفعال من الشناعة والسوء فإنها إذا قورنت بنظائرها في الأمم الأخرى فإنها لا تساوي نقطة في بحر الفظاعات التي مارسها الصليبيون مثلاً في غزواتهم على الشام وعلى الأمريكتين كما روى بعضَ ذلك القسيس بارتولمي دي لاس كازاس في كتابه (المسيحية والسيف)، والتي مارسها الشيوعيون في القرن العشرين بمواطنيهم وبأعدائهم، والقائمة تطول...
يرى القارئ مقدار الجهد الكبير الذي بذله المؤلف في كتابه هذا، إذ يعود إلى مراجع كثيرة ومتنوعة في استقاء مادته وربطها ببعضها وتحليل ما ورد فيها على ضوء القراءة المقارِنة والبحث المتأني، مما أعطى كتابه هذا قيمة كبيرة في اختصار وقت القارئ وكفايته العودة إلى كتب كثيرة في الموضوع المبحوث...
مما يؤخذ على الكتاب الأمور التالية:
1- اعتماده بشكل كبير على كتب المستشرقين في نقل الأحداث التاريخية وأحياناً في تحليلها، ولا نشك أبداً في أن أمثال تلك الكتب على غزارة مادتها واطلاع مؤلفيها الواسع إلا أنها لا تخلو من محاولات للطعن في تاريخنا وديننا، وقد سقط المؤلف –للأسف- في بعض تلك الحفر التي حفرها أعدائنا، كما في حديثه عن طرق نقل الحديث والسنة النبوية فقد شكك في معظمها ناقلاً ذلك عن بعض المستشرقين، على أنه –والحق يُقال- وقف في كثير من الأحيان مدافعاً ضد تهم المستشرقين وطعونهم في السيرة النبوية وفي بعض الصحابة، وفي الفتوحات الإسلامية ونظام الحكم في الإسلام.
2- صوغه لبعض المصطلحات المضللة في توصيف بعض الأمور، كاعتماده مصطلح الديمقراطية في توصيفه نظام الحكم في الإسلام وفي حديثه عن آراء الخوارج بأنها ديمقراطية كذلك لأنهم رفضوا حصر أحقية الخلافة بالعرب الأحرار..
عموماً: الكتاب غني بالمعلومات والتحليل التاريخي الجيد وعَرْض صورة شاملة عن أمة الإسلام، فجزى الله مؤلفه خيراً..
والحمد لله رب العالمين..