"أعطى ميشيل فوكو أهمية للأعمال وللتحولات التي يتوجب على الذات القيام بها حتى تصير جديرة بأن تكون ذاتا صريحة وصادقة وحرة. فقد استنتج من الأبحاث التي قام بها حول كتابات بعض الفلاسفة اليونان والرومان أن العلاقة مع الحقيقة هي مباشرة أخلاقية وتتمظهر في تلك العلاقة المشروطة بين الفعل والقول. إذ أن ولوج الحقيقة وممارستها يفترض إقامة علاقة خاصة مع الذات ومع الآخرين والعالم. كما لا يكفي أن تكون أي ذات كما عند ديكارت Descartes ، بل من الواجب معرفة الذات والإهتمام بها وبنائها، وتمرينها على قول الحقيقة لنفسها وللآخر كما عند سقراط وأفلاطون. ففي الفلسفة السقراطية والأفلاطونية ستظهر قيمة قول الحقيقة وأهميتها بالنسبة للحياة. فهذا سقراط يقدم نفسه على أساس أن مهمته ووظيفته هي دعوة الناس إلى الإهتمام بذواتهم…، إنها مهمة أوكلها الله إليه وهو حريص على إبلاغها بكل شجاعة مجازفا في ذلك بحياته. أما بالنسبة لأفلاطون، فقد ربط الإهتمام بالذات بضرورة الـتأهيل لممارسة أعمال ووظائف في المدينة (حكم الآخرين مثلا)، الشيء الذي يتطلب تدخل الآخر/معلم أو مربي (عند اليونان) أو مستشار (عند الرومان) بالإرتكاز على قول الحقيقة والكلام الصريح والصادق والحر."
ناقش الباريسيا أو القول الصريح عند سقراط، الباريسيا أو القول الصريح عند أفلاطون.
وأخلاق وسياسة الصراحة: خص فوكو الإشكالية التاريخية للصراحة القديمة بكامل درس عام 1983. مبيناً أهم المراحل التاريخية التي يتكون منها هذا المفهوم.
أهم الفلاسفة القدماء الذين تناولهم في الدرس: سقراط، أفلاطون ، فلوطارخوس، ابيكتاتوس
ما هو مفهوم الباريسيا أو الصراحة في الفلسفة؟
"وفقاً لفوكو، الباريسيا هي أحد المبادئ الأساسية في ديموقراطية أثينا، وتقترن مع فارق كبير بالأيسونوميا والإيسيجوريا اللتان يمكن ترجمتهما على نحو تقريبي بالمساواة أمام القانون، والمساواة في حق التحدث إلى الاجتماع العام لمواطني أثينا. ورغم أن لكافة المواطنين في أثينا الحق في الحديث (أيسيجوريا)، إلا أن قلة من الصفوة، الأعلى مكانة من ذوي السمات الشخصية والأخلاقية المميزة، هم من كان يحق لهم مُخاطبة الاجتماع العام. فبينما كانت (الأيسجوريا) للجميع على الأقل رسمياً، اقتصرت الباريسيا على قلة محددة. وتتكون تلك القلة من الذين يطمحون إلى الصعود طبقياً في المجتمع عبر محاولة الحظوة بالاعتراف بمكانتهم حتى يتثنى لهم تولي أمر المدينة عبر ممارستهم للباريسيا. إن لعبة قول الحقيقة بمثابة إطار مُصمم لاختيار الصفوة من بين المتنافسين."،………"إن فهم الباريسيا الفلسفية باعتبارها حياة حقيقة، أو حياة جميلة، يتجلى بوضوح أكثر في حياة ديوجينيس الكلبي (شديد السخرية والتهكم). وأشار فوكو من أجل توضيح هذا إلى قول ديوجينيس عندما سُئل عن أجمل الرجال فقال: الباريسيا. بالنسبة له، الحياة الحقيقية هي ممارسة الباريسيا. الباريسيا الكلبية هي التجلي التام للباريسيا الأخلاقية لأنهما بالكاد لديهما “عقيدة”، بمعنى أن الإطار النظري للفلسفةالكلبية لا يهتم بالمعرفة قدر اهتمامه بالحياة الحقيقية والجميلة."
كما طرح وناقش عدد من المواضيع المختلفة في نفس الصدد: الموضوع الأساسي للدرس الأول كان تحليل نص كانط حول التنوير الذي سبق أن كان موضوعا للمناقشة في المحاضرة التي قدمها في 72 / مايو 1978 في الجمعية الفلسفية الفرنسية.
مسألة الفلسفة وعلاقتها بالخطابة؛ المشكلة الفنية/التقنية بين الفلسفة والخطابة، مشكلة التمييز بين الإطراء والصراحة. أنطولوجيا أو أنطولوجيات الحقيقة. التحليل التاريخي للخطاب/ تاريخ أنطولوجيات خطابات الحقيقية أو خطاب الحقيقة، وتاريخ أنطولوجيا التحقق-بالاستناد على نصوص القرن الرابع قبل الميلاد، وفي نصوص أفلاطون بشكل أساسي.
الصراحة الفلسفية عند سقراط. "إن لُب الباريسيا السقراطية، كما هو الحال مع الباريسيا الأفلاطونية، ليس السؤال عن محتوى السياسة، بل السؤال عن الموضوع السياسي، حيث كتب فوكو: “سؤال الفلسفة ليس سؤال السياسة، ولكنه سؤال الموضوع في السياسة”. وليس المهم في الباريسيا السقراطية أمان المدينة (كما في باريسيا بركليس عشية الحرب البولونيزية)، بل الأهم هو كمال الحياة الفلسفية باعتبارها الحياة الحقيقية. وبرفض سقراط للامتثال لاقتراف ظلم والتزامه بالاستماع إلى أي شخص ومساعدته ليحيا حياة حقيقية، لم تعد الباريسيا طريقة لقول الحقيقة، بل لمعايشة الحقيقة من خلال ممارسات الذات على نفسها حسب ما كتب فوكو: “أن تكون وكيلاً للحقيقة. وباعتبار الفيلسوف يطالب الذات باحتكار الباريسيا، فلا يعني هذا مجرد مطالبة المرء بذكر الحقيقة في النصيحة التي يُسديها، أو الخطب التي يُلقيها، ولكن عليه أن يكون وكيلاً للحقيقة”.
الذات الحاكمة ، والذات الفلسفية، والذات السياسية.
تحليل العلاقة بين الذاتية والحقيقية.
وتنوعت النصوص موضع النقاش بين الفلسفة والأدب والتاريخ، ولا سيما مسرحية إيون ليوريبيديس وبعض المؤرخين ومنهم ثيوسيديد.
كتاب جيد ويحتاج لقراءة ثانية. كما أنصح القارئ الاطلاع على كتابي: ( القوانين، و الجمهورية) ل أفلاطون قبل الشروع في قراءة هذا الكتاب نظراً لمعالجة أو طرح فوكو عدداً كبيراً من النصوص للنقاش بين دفتي هذا الكتاب +لتحقيق فهم أفضل للمادة.