كتاب من إعداد المهندس العراقي محمد الجلبي عن أحد أيقونات الهندسة المعمارية، المهندسة العراقية - البريطانية زهاء حديد (1950 - 2016) والتي تجلت تصاميمها ومبانيها أثرا وشاهدا على إبداعها في العقود الأربع الأخيرة.
الكتاب يتناول سيرة وأعمال أحد أهم الشخصيات المعمارية عربيا وعالميا في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين؛ الشخصية التي صادفتها أول الأمر "قراءة واطلاعا" أثناء دراستي الأكاديمية في مجال الهندسة المعمارية، وقد تأثرنا حينها بفلسفتها ومقارباتها للتصميم الهندسي؛ حيث أنها تعد أحد أهم رواد المدرسة المعمارية التفكيكية "Deconstructivism Architecture" والتي جسدت تصاميمها المعمارية بأشكالها الإنسيابية وانحناءاتها المميزة مفهوم العمارة البارامترية"Parametric Architecture".
تضمن الكتاب أبرز المحطات، التحديات والمنعطفات في الحياة الشخصية للمهندسة زهاء حديد، بعض الاقتباسات لها وإشادات معاصريها من أبرز المعماريين، كما تضمن (وهو أكثر ما شدني في الكتاب) صورا لأهم مشاريعها المعمارية التي نفذت وتلك قيد التنفيذ، وأبرز تصاميمها، مصحوبة بفقرات تعريفية مقتضبة (حيث أنه لا تتعزز قيمة أي كتاب يتناول العمارة والعمران إلا بإبراز صور المشاريع ومقاطعها الهندسية) وقد كانت لجمهورية الصين الشعبية الحصة الأكبير من مشاريعها الفارقة.
يأخذ نقاد زهاء حديد عليها إهتمامها المفرط بالشكل الهندسي وتفرده، بمعنى انعزاله عن روابط البيئة المحيطة، فبرأيهم لا فرق على سبيل في تشييد تصميمها هذا في الصين أو أوروبا، لأن تأثير الرابط المكاني على فكرة ومضمون التصميم برأيهم ضعيفة، كما أنهم جادلوا بأن الجانب الفني المجرد هو الطاغي على فكرة التصاميم، فلا فرق جوهري عندها في المقاربة عند تصميم مبنى أو يخت أو حذاء، فقد تتشابه التصاميم الى حد كبير رغم اختلاف وظيفة المنتج، ناهيك عن تحديات بناء تلك التصاميم حيث أنها لا تولي البعد الانشائي القدر الكافي من الاهتمام فقلما تجد على سبيل المثال لا الحصر في تصاميمها الزاوايا القائمة (90 درجة) أو الأشكال الهندسية المنتظمة.
أما المتحمسين لها فيؤكدون على أهمية النقلة النوعية التي أحدثتها فلسفة زهاء حديد (المستوحاة من السوبرماتية "Suprematism" أو التفوقية وهي إحدى حركات الفن التشكيلي التي تأسست في روسيا على يد الفنان كازيمير مالفيتش وكان لها تأثير كبير على فلسفة زهاء حديد في التصميم) في عصرنة العمارة الحديثة -مدرسة الحداثة في العمارة والتي سادت بداية وأواسط القرن العشرين- بتفكيك الروابط الصلبة للأشكال الهندسية، وهنا قد يربطها البعض بتأثيرات أفكار الحداثة السائلة من تفكيك الروابط الصلبة وتذويبها، والتحرر من روابط المكان والزمان، وإبراز القطيعة والتضاد بين القديم والعصري، التي جسدتها من خلال اجتراحها للأشكال الهندسية غير المألوفة، الانسيابية والمتجانسة، أي بتقديم تصاميم هندسية مستقبلية سائلة ومرنة، وتعبر بشكل من الأشكال عن تطلعات الفرد المعاصر ثقافته، ورؤيته؛ ولم يكن من قبيل المصادفة فوز عدد غير قليل من تصاميمها في أبرز المسابقات المعمارية العالمية.
غير أن مخالفيها والمتحمسين على حد سواء لا يستطيعون أن ينكروا أن الأغلب الأعم من تصاميم زهاء حديد التي شيدت، أو تلك قيد التشييد تعد بصمات مهمة ومعالم حضارية يقصدها كل من السكان والسياح للزيارتة وإختبار تجربة فريدة من نوعها في التفاعل (بين الساكن والمسكون)، وبين الزائر والحيز المكاني المبني بكل ما يستحضره ويحفزه لديه من مشاعر وانطباعات مختلفة ومؤثرة.
مآخذي على الكتاب كقارئ ومهندس ليست بالقليلة، فرغم إجتهاد الكاتب إلا أنه إفتقر إلى جودة الأسلوب الأدبي في السرد، فمادة الكتاب عبارة عن معلومات توثيقية بسيطة، جافة ومبعثرة (بدون ترابط سردي أو تسلسل منهجي) عن سيرة الشخصية المعمارية وأبرز انجازاتها، مشابهة في مضمونها لنتائج البحث في محركات بحث الشبكة الالكترونية "Search engine, Internet"، كنت آمل أن أجد في الكتاب تناول أدبي عميق وشيق لسيرة شخصية بتعقيدات وتنوع زهاء حديد والاحداث التي مرت بها تلك الشخصية المتفردة والمؤثرة، أو تناول تخصصي نقدي منهجي وتفصيلي لفلسفتها المعمارية، مراحل تشكلها، تفكيك النقد الذي كتب عن فلسفتها ومشاريعها، تحليل معماري وافي لأبرز مشاريعها، خصوصا وأن الكتاب من إعداد مختص في مجال العمارة، وللأسف لم أجد لا هذه ولا تلك.
أهمية الكتاب تكمن في كونه كتاب تعريفي بالمعمارية، المصممة والفنانة زهاء حديد، وأبرز مشاريعها، أنصح به كنقطة بداية لمقاربة الشخصية، للمهتمين بالعمارة من غير المتخصصين في المجال، وبشكل عام لمن يريد التعرف على أبرز مشاريع وتصاميم زهاء حديد.
اقتباسات من الكتاب:
"لديها أكثر من 950 مشروع في 44 دولة في العالم، رفضت تصميم وتشييد السجون، ولم يكن لكلمة مستحيل مكان في حياتها."
"لقد كانت فوضوية في تلك الأيام لدرجة أنها لم تدرس حتى طرق تشييد المباني، وكانت واحدة من مجموعة طلبة المدرسة المعمارية الذين قاموا بحملة من أجل وضع مناهج دراسية مناسبة."
"تصر زهاء حديد على أن العمارة ينبغي أن تكون حدثا فريدا، وتترك تأثيرها في روحية المكان وتجذب الناس لاختبارها."
"وقد لعب باتريك دورا هاما في تحويل الإتجاه التصميمي لمكتب زهاء حديد من التفكيكية، التي لم تنجح كثيرا، ولاقت مقاومة شديدة لدى الأوساط المعمارية، إلى ما سماه هو ب"العمارة البارامترية Parametric Architecture " التي تبنت الأشكال المعمارية البايولوجية المنحنياتية."