ما عساي أقول في كتابٍ رافقني نصفَ عامٍ بدايتُه في مكة، وتحديدًا موسم الحج؟ كتاب أشمُّ فيه شذى البيتِ الحرام، وينقلني كلما فتحتُه إلى أماكن غادرتُها وما غادرتني، بدءًا من القاعةِ التي حضرتُ فيها أولى محاضرات التهيئة للحج قبل السفر، مرورًا بالميقات، فالطواف بالبيت والسعي بين الجبلَين، ثم الوقوف بالمشعرين والمبيت بمِنى، وإلى وداع البيت.
لم يبقِ الكاتبُ موقعًا ولا منسكًا إلا وبيَّن أسرارَه وما خفي من معانيه، بل وقبل العروج على تفاصيل المناسك، فصَّل في جامعية الحج كفريضة، معناه وأبعاده ومنافعه، وأفردَ فصلًا يوضِّح فيه علاقة أهل البيت عليهم السلام بالحج، ومعرفةٌ كهذه هي من ضروريات الحج بل من لوازمه لشدة ارتباط الاثنين ببعضهما، ولأنَّنا نقرأ في نُدبة كلِّ جُمعة "وَجَعَلتَ لَهُ وَلَهُم أوَّلَ بَيتٍ وَُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدًى لِلعالَمِينَ" فهذا البيتُ لمحمدٍ وآله، وكيف نزورُ بيتًا لا نعرف صاحبَه؟
أسست الفصول التمهيدية الثلاثة (قبل البدء، جامعية الحج كفريضة، العلاقة بين الحج وأهل البيت عليهم السلام) لما تلاها، وتشكِّل فارقًا كبيرًا في قراءة الكتاب ومدى الاستفادة منه، ولو خلا منها لكان ناقصًا.
أما بالنسبة للفصول التي خصَّصها الكاتبُ للمناسك ومعانيها، فهي تُقرأ ولو منفردة، فمثلًا، لم أكن قد أتممتُ الفصولَ التي تسبقُ فصلَ الطواف، لكنني قبلَ الطوافِ فضلتُ الشروعَ في الفصل الخاص به التماسًا للأثر، والعودة لإتمام ما سبق فيما بعد، وقد وُفقت في ذلك، وأجده خيارًا مناسبًا حتى لمن يوفّق للعمرة في باقي المواسم، إذ لا تلزم قراءة الكتاب ككل، بل يبقى لقراءة الفصول مستقلة أثرٌ لا يُغفل.
ما يميّزُ الكتابَ أسلوبُ كاتبِه البسيط ولغته السهلة، وهذا موضوعٌ لا يحتاج الكاتب فيه للتحذلق اللغوي أصلًا حتى تنفذ كلماته إلى قلب القارئ، بل يكفي أن تكونَ مفهومةً للاثنين: العقل والقلب، والكلمات التي يُعبَّد طريقها إلى القلب، طريقها إلى العقلِ يكون أسهل؛ لِذا فقد وُفق الكاتب في اختيار اللغة المناسبة ومستواها.
مما أسعدني أيضًا، اقتباسُ الكاتبِ عباراتٍ ومقولات للفقيه المقاوم الشيخ عيسى قاسم (دام ظله)، تذكِّر قارئها بعظمةِ هذا العالِم المظلوم، وتمنح كلماته حياةً أخرى تحيي القرّاء.
وليس الشيخ عيسى قاسم فحسب، بل اقتباسُه لعددٍ من العلماءِ أضفى على الكتابِ روحًا أخرى؛ إذ ناسبت الاقتباساتُ مواقعها.
بعد ستة أشهر من الرفقة، وبعد أن لازمني الكتابُ في تنقلاتِ الحج، وجاورَني في الصحوِ والمنام، ينامُ الكتابُ على الرفِّ للمرة الأولى، بعد أن أيقظَ فيَّ ما نام من شعور.