كتاب المدرسة ..الإمام المجدد (جمال الدين الأفغاني)، تلميذه الشيخ محمد عبده، عشرات المرات في مكتبات الهيئة العامة للكتب، معرض الكتاب، الأعمال الكاملة للأفغاني .. أريد شرائها .. مجلدات ضخمة .. لن أقرأها .. مرة أخرى .. مكتبة الهيئة العامة للكتاب فرع جامعة القاهرة .. ثمة شئ يصدني عن هذه الأعمال الكاملة وآخر يجذبني .. حسنًا لن أقرأها فالأفغاني ليس مهمًا لهذه الدرجة، كما أنني سمعت أنه ماسونيّ .. عميل يعني ومتواطئ .. دعينا منه الآن ..
وأخيرًا ( خاطرات ) السيد جمال الدين الافغاني تقرير محمد باشا المخزومي، لو لم يكن لهذا الكتاب ميزة سوى أنّه قطع مسافة طويلة فاصلة بين الأجيال المسلمة وبين عالم وحكيم مسلم جليل كالسيد جمال الدين الأفغاني ليعيد تقديمه وتعريفه مرة أخرى لكفى، ولكنه كان مفاجئة حقًا .
أخذني هذا الكتاب إلى عالم آخر، وحقبة أخرى من الزمن وأغرقني فيها، إلى حيث الثورة العرابية، وبداية مؤامرات الرجل الأبيض وتسلله إلى ديار الإسلام، إلى مصر الخديوية المحتلّة من الإنكليز، بقاع العالم الإسلامي المختلفة وبقيّة من الالتفاف حول الدين، وأناس ينافحون عنه، وملوكًا يستقبلون العلماء ويجلّونهم تارة و ينفرون منهم آخرى، يخيل إلىّ أننا الآن في اللحظة الحالية نقف مع السيد ثاقب النظر وحكيم زمانه الأفغاني في لوحة كبيرة واحدة، يقف هو في منتصفها يستشرف ما نعيشه من أهوال، فقد عاش يخشى على الأمة استحواذ الغرب وضياع الدين وفساد الدنيا.
يبدأ الكتاب بمقدمة الناشر التي يبين بها حجم الجهد المبذول كي يخرج الكتاب بهذا الشكل النهائي الرصين، ثم بمقدمة الكاتب (محمد باشا المخزومي) الذي دوّن عن الأفغاني بعد موافقته و اقتراحه اسم( خاطرات ) عليه حيث قال السيّد عن الكتاب : قل خاطرات ولا تزد.
كان الشيخ جمال الدين الأفغاني،مهمومًا بالإصلاح على كافة الأصعدة، فعمل على محاولة إصلاح الجانب الفكري
واستنهاض الأمة الإسلامية ومحاولة تنبيه وتحريك الشعوب ضد أعدائهم في الغرب عن طريق مجالس العلم
والتعليم، وعلى المستوى السياسي من خلال التواصل مع أمراء وملوك وساساة العالم الإسلامي في جميع الأقطار الذي زارها الشيخ و تقديم النصح والمشورة والمجاهدة إن لزم الأمر!
يتبيّن من خلال قراءة الكتاب أننا مقطعون عن تاريخنا و أن ما يحدث لنا اليوم ليس إلا امتدادلأ لما حدث الأمس، كذلك يتبين للقارئ بماذا تميز السيد جمال الدين الحسيني الافغاني في عصره وصار رجلًا يتحدث عنه أهل الغرب قبل الشرق ولماذا كان موضع الحفاوة و الغيرة قي الوقت ذاته من الخاصة و العامة ولماذا تم التعتيم و الإخفاء و الإقصاء لآثار الرجل من عوالمنا الثقافية والعلمية .
وباختصار مخلّ يمكنني أن اسرد بعض ما حصلته عن ملامح شخصية السيد وعن سبب قوة تأثيره آنذاك على من حوله:
1- تلقيه العلم صغيرا و تنشئته عليه.
2- مكانته من قبيلته في أفانستان التي كانت قبيلة ذات منعة و أثرة، يمتد نسبها إلى سيدنا الحسين سبط سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت جميع القبائل المجاورة شديدة الحفاوة له والمهابة لقومه.
3- سماته الشخصية ويبدوا لنا من خلال استعراض سيرة السيد ومن خلال كلماته النابضه بالحرارة بأن خصاله الشخصية كانت خصالًا جعلته فريدًا بين أقرانه، فقدكان السيّد شجاعًا إلى حدٍ لا يتوقع أحيانًا، قوي الروح و العزيمة، شديد الوضوح في أرائه لا يخشاها، حادّ الذكاء، ولديه من سرعة البديهة ما يمكنه من التصرف السليم في اللحظة الذي يتبدا له شيئا في الموقف.
كذلك كان دقيق المراقبة، محب للارتحال في أي وقت مما أعطاه فسحة وتجربة وقدرة على الحكم وإنزال الناس
والمواقف في مواضعها الصحيحة ، كمان السيد جمال الدين حرّ العقل فلم يتقيد بمذهب أو شيخ بل كان مجنهدًا له نظر في لشرع وأراءًا جريئة وغير معتادة في هذا الوقت . واسع الاطلاع على علوم عصره، وذو نظرة ثاقبة وعميقة للأمور فلم يكن أجوفًا سطحيًا ككثير من علماء عصره، وفقهاء السلاطين الذين لا يجاوزون بالدين هوامش الكتب ومتون العلوم، بل خرج بالإسلام خروجًا حقيقيًا إلى الحياه ودعاإلى تطبيق أصول الإسلام في الممالك الإسلامية و دعا إلى السلام و الحق والعدل ومجاهدة العدو الأجنبي الذي خبر دهاءه جيدًا وبحّ صوته هباءًا في التحذير منه.
وكان للسيد لسانًا عربيًا مبينًا لا يخطئه أي قارئ يمتلك أدنى ذائقة للغة العربية، كما سييجد القارئ سلاسة لغوية مع رقي ينبئ عن متكلمٍ بليغ و حكيم في الوقت ذاته.
لم أرى الشيخ مجددًا كما أشيع عنه في أذهاننا و مدارسنا وإعلامنا، ولكنه امتدادًا حرًا وصادقًا لما كان عليه المسلمون الأوئل قبله فالرجل لم يأت بجديد، و لا دعا إلى دينٍ غير الإسلام و لا أتى بإسلام من عنده، ولكنه صدّق دعوته وصدَق أهل زمانه وسعى بإخلاص وفقط، وليس بعد الإخلاص شئ هو أبقى للإنسان في الدنيا والآخرة.
لن يسعفنا هنا التعليق على خاطرات السيّد ولا ذكرها ولكنني سأذكر منها اليسيرمن كثير مما أجتذبني وأعجبني :
1- خاطرته عن المدارس النظامية أو الحكومية:
" تترك الإنسان خياليًا وهَّامًا" ..وشدَّ ما صدق فإن عمل المدرسة منذ ذلك الوقت أن تبني للإنسان عالمًا فتراضيًا غير حقيقي يعزل الإنسان عن نفسه و عن حقيقة ما حوله حتى يصبحَ وهَامًا لا يعيش في الحقيقة من حوله ولا يدركها.
2-خاطرته عن الأنجيل والتوراه وحمل مافي الإنجيل من تأليه للمسيح والكلام عن الزوجة و الولد و الابناء على التصوّف:
والحقيقة أن هذا القول فيه من الجرأءة والذكاء ما ترفع لصاحبه فيه القبعة حقًا إن اختلفت معه فيه!
2- خاطرته عن مفارقة الفتح الإسلامي للمسلمين الأوائل عما فعله العثمانيون بعد ذلك.
و الحق أن هذه قضية التبست على الكثير و الكثير و مازالت حتى يتهم الآن المسلمين الأوائل بأنم كانوا غزاه كالعثمانيين و غيرهم وقد كانت واضحة جلية نقية في ذهن السيد رحمه الله.
3- خاطرته عن المصريين و أخلاقهم !
4- و أخيرًا المحاورة الذكية بين الشرق و الغرب.
الكتاب قيّم و راقٍ ومهمٍ و سيرجع إليه القارئ مرارا و تكرارا لإن كلماته نابضه بالحياه و موضوعاته و كأنها جديدة لم يمرّ عليها الدهر والمسلمين في حاجة ماسة اليوم إلى معرفة عالم و مصلح و حكيم بارز في أمتهم كالسيّد جمال الدين الأفغاني رحمه الله رحمة واسعة