كانت البيوت أيام زمان متلاصقة، وأغلبها تفتح في الأزقة أو الساحات، وتشكل كل مجموعة من البيوت حي من أحياء مصراتة القديمة. أما المزارع والحقول، فلا تكاد تخرج من الحي الذي تسكنه حتى تجد نفسك في أراضٍ منبسطة، مقسمة إلى مزارع صغيرة تسمى (سواني أو اجنانات) مزينة بالأشجار والأعشاب والنباتات، يخيم عليها الصمت والهدوء إلا من بعض أصوات الحيوانات أحيانًا التي تأتي من اتجاهات مختلفة، ومن مسافات بعيدة، أو أصوات بعض الفلاحين، أو شقشقة الطيور، أو حفيف أوراق الأشجار، فلا أزيز طائرات، ولا جعجعة طواحين، ولا هدير سيارات. وكان بيتنا كأغلب البيوت في مدينة مصراتة القديمة، بيوت مبنية بالطين والحجارة، مسقوفة بجذوع النخل والجريد وتبن البحر، وجدرانها تطلى بمادة الجير، ليصبح لونها أبيض كبياض قلوب أهلها وسرائرهم النقية كنقاء الماء والهواء.