"مع كل خطوة في عمق الحياة يعيد الإنسان اكتشاف نفسه، وأهم اللحظات في حياة الواحد مرتبطة بإكتشاف كم تغيرت علاقته بالأشياء الثابتة من حوله، مع كل محطة جديدة تعرف عن نفسك ما لم تكن تعرفه من قبل، وبمرور الوقت تكتمل الصورة".
تحت سطوة العزلة الإنفرادية التي يعيشها العالم في الوقت الحالي كان "برما" بروحه الخفيفة وسخريته اللاذعة من الأقدار وشكل الحياة وتوجهات البشر والمجتمع وطابع السياسة والفن والرياضة والأخلاقيات العامة بمثابة الصاحب الذي يدخل في خاطرك السرور ويبعد عنك الضجر ويجعلك تتأمل في مسالك الحياة ومخارجها، مما يجعلك تتفكر كيف كان لـ "برما" لو عاش في سنة "العشرين عشرين" أن يصف معضلة الوباء الذي ضرب وجة العالم بإسم "كورونا" مع بداية العقد الجديد، وكيف حلل وضع الأفراد والحكومات في تعاملهم مع الحالة العامة التي غيرت من شكل الحياة وطبيعتها، وتركت في التاريخ علامة بارزة ستبقى تعصف في أذهان الجميع ولو بعد حين.
أحب أسلوب "عمر طاهر" وطريقة سخريته من كل ما يمر من خلاله وحواليه، يتقن كتابة النكتة المصرية بفلسفة عالية وبروح ظريفة دون أي تكلف، مما يجعلك تنتقل بين سطور أفكاره وتحليلاته بسهولة تامة، مستمتعاً بالسرد وطبيعة الحديث والمواضيع وسهولة الوصف رغم عمق المعنى وضرورته، الأمر الذي يدفعك للجري داخل فصول كتبه دون توقف لأن متعة قرائته لا يمكن أخذها على جرعات بسيطة بل تلتهمها بالكامل دون شبع لأنك تبقى طامعاً بالمزيد من حكاياته وخواطره وجدّية موضوعاته رغم طبقة السخرية التي تغشاها.
بعدما إنتهيت من رفقة "برما" شعرت على نحوٍ ما بأنني سأفتقد حكمته وحكاياته وآرائه حيال الحياة وتعرجاتها، فقد كان بكل ما فيه من فلسفة العارفين وظرافة الكوميديين خفيفاً على النفس بحضوره ولطيف الصحبة ويغمرك بحالة من التأمل والضحك المفاجئ على طريقة تعبيره في جمل منها على سبيل المثال لا الحصر: "علشان تكون بني آدم مسلم لا بد في البداية أن تكون بني آدم أصلاً!" وهي قد لا تكون النكتة فيها محسوبة لكن عدم توقعها حينما يكون الحديث يتعلق بموضوع جدّي كالدين كفيل بأن يجعلك تضحك من الداخل. كانت قراءة ممتعة وخفيفة وأخذت وقتي فيها لأستمتع بـ "برما" وحديثه على مهل، ولكن كما هو الحال فلكل مسار نهاية في الآخر.