يفتتح الكتاب بذكر أهم خواص الظواهر الاجتماعية والتي ذكرها دوركايم في كتابه قواعد المنهج الاجتماعي، وهي: 1- أنها تتمثل في نظم عامة يشترك في اتباعها أفراد مجتمع ما. 2- أنها ليست من صنع الأفراد إنما تخلقها الطبيعة الاجتماعية. 3- أن خروج فرد على أي نظام منها يُلقي به في عقوبة يقررها المجتمع وقد تكون مادية أو أدبية أو قد يُكتفى بإعاقته عن غايته أو نبذه اجتماعيًا. واللغة تمتاز بالخواص الثلاثة هذه، فهي نظامٌ يشترك به الأفراد ويتخذونه أساسًا للتعبير، ولم تُصنع اللغة من قِبل فرد واحد، وجميع أفراد المجتمع مضطرين للخضوعِ لها لإنشاء تواصل فعّال وقد يتلقون السخرية والازدراء إذ أخطأوا في قاعدةٍ لُغوية أو نطقِ كلمةٍ ما. واللغة كظاهرة اجتماعية تمتاز بما تمتاز به باقي الظواهر، فلها قوانين وقواعد ثابتة لا تسير تبعًا للأهواء والمصادفات، وتتأثر بما عداها من ظواهر اجتماعية، فيزيولوجية، نفسية وجغرافية. ينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول: تطور اللغة، صراع اللغات، وتفرع اللغة إلى لهجات ولغات.
الفصل الأول، تطور اللغة: فاللغة تتأثر بعوامل عدة تُسهم في تطورها، أهمها: حضارة الأمة وثقافتها واتجاهاتها الفكرية، وتأثرها باللغات الأخرى، والنتاج الأدبي للناطقين بتلك اللغة، وطبيعة أصوات وقواعد ومتن تلك اللغة. وكما يذكر الكاتب مثالًا أن انتقال الأمة من البداوة إلى الحضارة يهذب اللغة، ويزيل ما بها من خشونة فتصير مرنةً سلسلةً أقرب للتعبير عن الدلائل. ومما آثار استغرابي ما ذكره عن الأسرة وتأثيرها على اللغة، فتجد في الأمم أو المجتمعات التي يكون الأبناء فيها مقربين لأهل الأم وأهل الأب على حدٍ سواء يطلقون العديد من الألفاظ فهناك الخال والخالة، والعم والعمة، وابن الخال وابنة العمة...إلخ، بينما في المجتمعات التي لا تعنيها تلك الصلة كثيرًا تجد كلا الخال والعم تحت مسمى واحد uncle على سبيل المثال، وcousin لتعبر عن جميع أبناء وبنات العمومة والأخوال. وقد ذكر أن الأمم البدائية تركّز مفرداتها على الأمور الخاصة والتفاصيل الصغيرة ولا تجد في قاموسها مفرداتٍ عامةً تصف المعاني الكلية للأشياء فحاجتهم للغة تقتصر على ضروريات الحياة، وقد ضرب مثلًا باللغة الصينية، إذ ذكر أن اللغة الصينية أولية من ناحية الألفاظ والدلالات والمعاني ولا تتسع مفرداتها لعلومٍ وفلسفة ودين، حتى ألا وجود فيها لاسمٍ للإله! وفي لغة الهنود الحمر يوجد لفظ للدلالة على شجرة البلوط الحمراء، وآخر للدلالة على شجرة البلوط السوداء ولكن لا وجود للفظ يدل على الشجرة بشكلٍ عام! كما أن بعض اللغات البسيطة المماثلة يتوجب على أهلها لإنشاءِ تواصلٍ مفهوم أن يستعينوا بلغةِ الجسد لتسد العوز في الكلمات، وقُد رُوي عن قبيلة أفريقية تدعى البوشيمان أنهم لو أرادوا الحديث ليلًا أشعلوا النار ليروا الإشارات الجسمية ليُفهم حديثهم. وانتقال مفردات من لغةٍ لأخرى شائع جدًا وأمثلة ذلك كثيرة ومتعددة في مختلف لغاتِ العالم، إلا أن قواعد اللغة وأصواتها لا تتأثر ولا تنتقل وإن حدث ذلك فإنه دليلٌ على قرب زوال تلك اللغة وحضارة الشعب المتحدث بها أيضًا، ولهذا حتى بعد انتقالِ مفردةٍ من لغةٍ لأخرى يتغير نطق المفردة بما يتلاءم مع اللغة الثانية. (وكما ذكر أن كتابة مفردة مقتبسة من لغة ثانية يتغير حسب ما تتطلب حروف وطريقة الكتابة في تلك اللغة). والعوامل الأدبية كذلك تُسهم في التأثير في اللغة وذلك يشمل البحوث اللغوية والتأليف والترجمة والرسم.. فالرسم كما يذكر الكاتب لم يتح إلا لقليل من اللغات الإنسانية فالعديد من اللغات اعتمدت التواصل الشفهي فقط وكانت تعيش زمنًا طويلًا بذلك. وبالرغم من أهمية الرسم ومساهمته في انتقال الحقائق والمعارف في الزمان والمكان. وللرسم أسلوبين أولهما المعنوي إذ يوضع لكل معنى صورة ترمز له، وهو من أقدم أساليب الرسم. والأسلوب الثاني أسلوب الرسم الصوتي وهو بوضع صوتٍ لكلٍ صورة ويتفرع لفرعين أحدهما الكتابة الحديثة التي نعرفها (الصورة الهجائية*).. " من الراجح أن الفينيقيين هم أول من استخدم الأسلوب الهجائي وحده. وقد اضطرهم إلى ذلك نشاطهم التجاري وكثرة تنقلهم وتعدد علاقاتهم بمختلف الشعوب..... وقد انتشرت حروف الهجاء الفينيقية في معظم أنحاء العالم القديم واستخدما كثير من شعوبه؛ ومنها تفرعت بشكل مباشر أو غير مباشر جميع حروف الهجاء التي استخدمت فيما بعد في مختلف اللغات الإنسانية."
الفصل الثاني، صراع اللغات: " يحدث بين اللغات ما يحدث بين أفراد الكائنات الحية وجماعاتها من احتكاك وصراع وتنازع على البقاء وسعي وراء الغلب والسيطرة." و قد يحدث صراع اللغات إذ تغلب لغة لغةً أخرى في حالات عدة منها مثلًا ما قد تتسب به الفتوح و الحروب و الاحتلال كذلك التجارة و التبادل الثقافي، و في حال كانت حربًا بين شعبين بلغاتٍ مختلفة و ليس لكليهما حضارة و ثقافة ستغلب لغة العدد الأكبر أيًا كان الغالب و المغلوب فحين انعدام النوع يتحكم الكم في مصير الأمور، و قد يكون الشعب الغالب أرقى من الشعب المغلوب حضارةً و ثقافةً و أدبًا و أشدُّ بأسًا و أوسع نفوذًا، ففي هذه الحالة يُكتب النصر للغته، و إن كان عدد أفراده أقل، و مثال ذلك ما فعلته الفتوح الإسلامية في شمال أفريقيا إذ محت العديد من اللغات. و أيًا يكن فلا يكون النصر للغةٍ على أخرى إلا بعد أمدٍ طويلٍ قد يصل إلى أربعة قرون. وبالطبع لا تبقى اللغة سليمةً كما كانت عليه قبل كل هذه المدة؛ فطول احتكاكها باللغة الأخرى يجعلها تتأثر بها في كثير من مظاهرها ومفرداتها.
الفصل الثالث، تفرع اللغة إلى لهجات ولغات: كما سبق و ذكرنا أن اللغة لا محالة تختلط بلغاتٍ أخرى لأسبابٍ عدة سلف ذكرها، و مع كثرة المتحدثين و الناطقين بتلك اللغة يصعب عليها الحفاظ على وحدتها الأولى أمدًا طويلًا، فلا تلبث أن تتشعب إلى لهجات و تسلك كل لهجة مسارًا مختلفًا لتتطور، و يتسع الفارق في اللهجة بين المتحدثين بها مع مرور الزمن فتزداد بعدًا عن اللغة رغم بقاء بعض المفردات و العبارات، و تبقى اللغة الأولى هي المستخدمة في الكتابة و الأدب حتى يكتمل نمو اللهجات المحلية فتُصيّر لغات بعد زمنٍ طويلٍ جدًا كما هو الحال مع اللغة البرتغالية على سبيل المثال، فالبرتغالية في البرتغال مختلفة عن البرتغالية في البرازيل حتى في بعض القواعد. كذلك يوجد المزيد من العوامل التي تُسهم في تفرع اللغة، مثل العوامل الاجتماعية والسياسية والنفسية والجغرافية والشعبية والفيزيولوجية، وكل ذلك يحدث بعد أن يتسع انتشار تلك اللغة. " وتؤثر اللهجات الاجتماعية على لغة المحادثة العادية تأثيرًا كبيرًا."
- عمومًا الكتاب جيّد لولا كثرة التكرار للأفكار والأمثلة، ولعل العيب في تقسيم الكتاب.