اسم الكتاب: كيف تكتب رواية أو قِصَّة قصيرة.
اسم المؤلِّف: أحمد المنزلاوي.
دار النشر: المُثَقَّفون العرب.
الطبعة: الأولى.
عدد الصفحات: ٣٠٢
...............
- بادئ ذي بدء:
لمُحَمَّد بك المويلحي كلمة في مطلع نقده لديوان شوقي قامت بألفاظها في ذهني حين تمثَّل لي المعنى الذي أريد أن أصدر به مراجعتي هذه، فتراءى لي أن هذا مقامها، يقول فيها: الانتقاد قائد الاجتهاد والإحسان، ورائد الإجادة والإتقان، وهو للإنسان بمنزلة الصيقل للصوارم، والصيرف للدراهم. ولولا النقد لما امتاز الصحيح من الفاسد، ولا تبيَّن الحالي من العاطل، ولما قيل للإنسان في كل عمل يعمله أحسنت وأصبت، ولوقف الناسُ في سبيل الإحسان ولم يهتدوا إلى مواضع الخطأ ومواطن الزلل. ولا يكون الإحسان ظاهرًا متبلّجًا، والإتقان واضحًا متألّقًا، إلا عند إطلاق الانتقاد وصدق القول.
ومعلومٌ عِند أصحابنا المتتبّعِين للحركة الثقافية من قديم إلى الآن أن الأدوات تختلف باختلاف الحالة، ولذا قد نتحدث هنا عن أشياء لم يكن مطروحًا في سالف العصور تناولها، فما أذكره هنا يمثل رؤيتي الخاصة لمجمل الكتاب محل المراجعة.
وقد أُهْدِيَت إلينا نسخة من هذا الكتاب الذي يتناول فن الرواية، وطرائق نسجها بداية من الفكرة إلى غلاف الكتاب، والآليَّات المُلائِمة للمراحل التي لا بُدَّ من المرور عليها بدءًا من صَهْر الفكرة حتى تشكيل الرواية. وطُلِب إلينا أن نذكر رأينا فيه، وها نحن نتقدم به سائلين الله السداد.
- عَرْض الكتاب:
شاعت الرواية في عصرنا حتى لَنَجد من عرضت له فكرة يحسبها غريبة أو مفيدة يمسك قلمه ويجعل يسكب فكرته على الورق كيفما اتَّفَق له حتى يملأ عددًا - يراه كافيًا - من الأوراق، وما يلبث أن يبحث عن دار تنشر عمله وتسوّقه، وكان حريًّا به أن يعلم أن النجاح ليس بهذه السهولة وإلَّا فَقَد معناه! ولو أنه أَدْرَكَ هذا لراح يبحث عن آليَّات وطرائق تحويل الفكرة إلى بناء قَصَصِيّ يجذب القارئ ويثري وجدانه.
ومن هنا انطلق المؤلف، فقسَّمَ كتابه إلى عشر موضوعات رئيسة تبدأ بأهم المفاهيم والقضايا التي تهم كاتب الرواية كالإلهام والموهبة والممارسة والفارق بين القصة والرواية، مرورًا بالحبكة والسرد والزمان والمكان وصناعة الشخصية وغير ذلك، وانتهاءً بتمارين عامة للكتابة.
- إخراج الكتاب:
غلاف الكتاب مقبول. وإن كنت لا أعلم طبيعة علاقة الكاتب بالدكتور الراحل أحمد خالد توفيق أو كتبه حتى يتوجَّه إليه بالإهداء، إلَّا أنَّني أستطيع أن أقول أنَّ إهداء الكتاب ذكي؛ يصلح لاستخدامه في الترويج له والإشارة إليه.
وتنظيم الفهرس منهجيٌّ جميل، بيد أنّي آثرتُ لو أنَّ الكاتب استخدم الفصول بترتيبها في تقسيم الكتاب، فيذكر مثلا: الفصل الأول: كذا .. الفصل الثاني: كذا ...إلخ. فمن شأن هذه التقسيمات أن تثبت بذهن القارئ بيسر، فلا ينسى أن المهارات التي يحتاج إليها وتناولها الكتاب على وجه الإجمال عشرة، تستدعي الأولى الثانية، وترشده الثانية للثالثة، وهكذا.
وأمَّا العناوين الفرعية فأرى أنَّها أجمل لو أنَّها وُضِعَت بصورة أكثر وضوحًا في الكتاب خصوصًا مع صغر المحتوى أسفل بعض العناوين، حتى لا تكون الصورة الذهنيّة للكتاب بعقل القارئ عدّة فقرات ملتصقة يحتاج تمييزها إلى جهد وعناء، وهذه أمور خاصة بتنسيق الكتاب وتهيئته ألفت النظر إليها لتخرج الأعمال القادمة في أفضل حلّة لها - بإذن الله.
- بين التأصيل والتبسيط:
راقني مناسبة الكتاب لحاجة المتلقّي دون إهمال سلامة العربية وأصالة التناول لمثل هذه الموضوعات، ويتجلَّى ذلك في عنصرين:
١) اللغة: والتي جاءت سليمة مناسبة في مجملها للقارئ المخضرم والمبتدئ، اللهُمَّ إلَّا من بعض الهِنَات التى قد تفوت الكاتب بسبب الكتابة على اللوحة، فآمل أن يراجع الكاتب ما يكتب بعد انتهائه مرَّة واثنتين وثلاثة برويّة تلافيًا لمِثْل هذه الهفوات.
٢) المنهجيّة: وكرجل محب للمنهجيّة خَاصَّةً في تَعَلُّم المهارات ودراسة المحتويات المُطَوّلة؛ فقد أعجبني نَهْج المؤلِّف في الكتاب، وانطلاقه من نقطة بداية صحيحة ومروره بالمحطات التي تقود لما بعدها حتَّى انتهائه لمحطة الوصول بسلاسة.
- الاقتباس:
أعلمُ أنَّ من الضرورة بمكان ذكر خبرات السابقين والإشارة إلى تجارب المُخَضْرَمِين في تناول موضوع كهذا، وعلى الرغم من تنبيه الكاتب في مقدمته على أنَّه أحيانًا يشير إلى النموذج باسم العمل وكاتبه ويتحاشى الاستشهاد حتَّى لا ينتفخ الكتاب ويعظم بالنقولات؛ إلا أنَّه تجاوز الحد المعقول في الاستشهاد بأقوال الكتاب، حتَّى كاد الكتاب يكون مناصفة بينه وبين من نقل عنهم!
- أَعْطِ مثالًا.
قال من قبلنا: بالمثال يتَّضح المقال. وقد صدقوا، فالمثال أدلّ من الشرح في أحيان كثيرة.
وقد استخدم الكاتب أسلوب التمثيل في غير موضع، كما فعل في صفحة ١٨٨ حين مَثَّل لتوظيف جديلة الأسباب والنتائج بقصّة (السؤال).
وكما فعل أيضًا في صفحة ٢٢٠ حين تكلم عن الاستباق؛ وهو من تقنيات السرد.
لكنّي توقَّفت عند (أنواع الرواة) متسائلًا: لِمَ لَمْ يذكر الكاتب مثالًا لِكُلّ نوع برواية استخدم كاتبها الراوي الفلاني!
إنَّ هذا - إلى جانب تثبيته للمعنى في الذهن وإثرائه للقارئ الذي يطلب المزيد - أدَلّ على سعة اطّلاع الكاتب ودقَّة تناوله للموضوع.
كذا توقَّفت عند التمرين الثالث من تمرينات السرد صفحة ٢٢٨ قائلًا بصوت البديهة: أُريدُ مثالًا!
وقد يتساءل قارئ مِمَّن لهم تجارب مع الكتب التي تبحث في فَنّ الرواية وطرائق الكتابة: أما وقد وضع الكاتب موضوعين بعنوان: لعبة السرد - أراجيح السرد، لِمَ لَمْ يتناول الكاتب مثلًا أشكال السرد (المتسلسل - المُتَقَطِّع - التناوبي)! لو أنَّه فَعَلَ لكان أكثر إفادة.
- وَقْفَةٌ لا بُدَّ منها:
مِمَّا عرفته للكاتب في مؤلَّفِه أثناء المُطَالعة حُسْن توظيفه للهوامش وذِكْر المراجع التي أخذ عنها، وفي هذا أمانة النقل وإثراء من له تطلع للمزيد.
على أنَّ خطأ كبيرًا وقع في هذه الطبعة (الأولى) أزعجني كثيرًا، وهو النقل في بعض المواضع دون العزو لصاحب المنقول، فيحسب القارئ أنَّه من كلام المؤلِّف وليس كذلك، والمزعج بالنسبة لي في هذا قَطْع حبل الثقة المُمتَدّ بين القارئ والكاتب، ولن أطرق باب هذا الخلاف، إذ لا يؤثِّر تفسير ذلك على أصل انزعاجنا منه خطأ كان أم عمدًا، إلا ما يكون من إصلاح ذلك إن كان خطأ والانتباه له أشد الانتباه فيما بعد.
وقد اعتذر الكاتب عن هذا الخطأ، مع وعدٍ بتصحيحه في أوَّل طبعة تصدر بعد ملاحظة الأمر، وهو ما سمعتُ أنَّ الكاتب فَعَلَه، فهذا حَقّي كقارئ رُدَّ إليّ، وقد عَلِمَ أصحاب الشأن بالأمر فلهم ما شاؤوا مع الكاتب لا دَخْلَ لنا بهذا الأمر، وقد أُعْلِمَ الجميع بالخطأ الواقع فلم يعد يخفى على القُرَّاء.
- كلمة أخيرة:
خلا بعض الهِنَات التي ذكرت، ومتى تقرَّرَ عندي مُعالجة الأمر الأخير عيانًا بصورة صحيحة أستطيع أن أقول:
هذا مُؤلَّفٌ وجيز بلغة مناسبة لعموم من لهم شغف بكتابة الرواية، نُزِّه عن التعقيد والركاكة، حَقّه أن يُقرَأ أكثر من مرّة، وأستطيع أن أرشّحه للمهتمّين بفنّ الرواية، ومن يؤرقهم ألا يجدوا سبيلًا لمعالجة الفكرة التي تنقر رؤوسهم.
محمود بسيوني.