اذكر وأنا في سن صغيرة أحصيتُ كم مرة ذُكِر اسم الرحمن في سورة مريم ، فكان ستة عشر مرة ، وقفت عندئذٍ عند الآيات ولكن لم يتبين لي مقاصدها..... وها أنا اليوم يمن الله عليّ بتدبر سورة مريم وتصرف القلب بالنظر في العواقب والمقاصد من الآيات البينات ، فسكبت نوراً صافياً ، وكأن ذرات الإيمان انبعثت من مخبأها وأخذت في الدوران في القلب وتتنقل هنا وهناك ، والقلب يحيا من بعد غفلة طويلة والجوارح تسلم خاضعة لله تبارك وتعالى مُفتقرة إلى العون والتوفيق من لدن الرحمن الرحيم...وهذا هو التدبر...... بالرغم من أن التدبرات المذكورة عن كل آية قصيرة إلا إن الكاتب الكريم تفضل بترك بضعة أسطر خالية لك لتسجل تدبرك أنت الآخر ، وكان ذلك عاملاً مؤثراً على شحذ الذهن وتحريك القلب وفتح الأقفال....ولستُ أهلاً لذلك ولكن الله ربي أهلُ التقوى وأهلُ المغفرة....🤍 الرحمن يبسط الرحمات والألطاف اعتباراً وتذكرة للجاحدين ، فضلاً وإحساناً للمتقين... لن يسعني ذكر جميع التدبرات هنا ولكن هلا تدبرت 🍃 قوله تعالى " وَهُزِي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِياً " ... مريم الطاهرة عليها السلام تضع ابنها عيسى عليه السلام ومازالت تعاني ألم المخاض وأنثى وحيدة يأمرها الله بأن تهز جذع نخلة لا يقدر عليها عصبة من الرجال...وهذا دعوة لارتباط الأمور بالأسباب ، ولكن اسأل نفسك وقلبها تعلق وتيقن بمن ؟ بمن أمرها ووعدها بالرطب اللين الناضج ...تبارك ربنا الرحمن الرحيم.... والكاتب الكريم قام بالتنويه على أن تُساقط أبلغ من تسقط دلالة على كثرة ما يسقط من الرطب.... 🍃 قوله تعالى " وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوا هُدىً وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَداً " أرأيت تقديم الباقيات على الصالحات إنما تشويقاً للمسارعة في الاتيان بها ، فالمؤمن لا يسابق في الفاني.....لا يسابق في المال ولا الولد ، ولا أي من متاع الدنيا الزائل... وأما أنا فقد أخذ عقلي يجيء ذهاباً وإياباً في أول الآية وآخرها....الهداية من الله ويزيدها لمن اهتدى ويثيب ويرد مرداً جميلاً.....من أين مبتدأ الفضل ومنتهاه ؟... من الرحمن واسع العطاء عظيم الجود تبارك وتعالى... وآخر الآية كما لو كانت وعداً من الله...من لا يخلف وعداً ، من يصدق قولاً ، فالصالحات ليست باقيات بخير مرد في الآخرة بل بخير ثواب عند ربك وأثراً لك في دنياك طيباً باقياً..... 🍃ويقولُ تعالى " إِنَّ الذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمَنُ وُدّاً " والسين في سيجعل حرف الاستقبال القريب على نشر الله محبته لعباده المؤمنين وتلك المودة هى من رحمة الله الرحمن... تأملت قِصر مبنى لفظة وداً ورقة حروفها ولينها ، تفصح عن محبة الله وجبريل عليه السلام وأهل الأرض والسماء.... ما أحوجنا إلى أن نتوقف عن التلاوة والقراءة المُتعجلة لكتاب الله ، أن نصرف القلب للتدبر...لنور المقاصد الجليلة والعواقب العظيمة....والله إنها لحلاوة تمنيت لو تدوم بلا انقطاع.....