كتاب فلسفي دسم جداً يتجاوز ٥٠٠ صفحة. لكنه كُتب بأسلوب سهل وعميق في نفس الوقت. جميل أن تقرأ للفكر الغربي دون واسطة؛ فأنا كثيراً ما قرأت عن جون لوك وأفكاره في محور اهتمامي في نظرية المعرفة؛ ولكن هذا أول عمل أقرأه لجون لوك من دون واسطة سوى واسطة المترجم. وشدني إكثاره من طرح الأمثلة والإسهاب وتذكرت حديث زكي نجيب محمود عنه إذ قال " على أن بضاعته الفلسفية ضئيلة سطحية، وأسلوبه يبين عن شيء كثير من السذاجة، من شواهد ذلك أنه يكثر من التمثيل ويسهب في تفصيل الأمثلة كأنها المقصود بالذات، ويسخر ممَّا لا يعرف فتجيء سخريته ثقيلة جدًّا" وهذا ظاهر في كتابات لوك.
الكتاب في أساسه مقالة في الفهم البشري وهو العمل الأبرز لجون لوك وكتاب ثاني عن الأفكار وهو عبارة عن آراؤه حول الأسس الصحيحة الوحيدة التي يجب أن تقوم عليها الأفكار التي توفرت لنا بسبب معرفتنا! وتضمن الكتاب أيضاً رسائل ومقدمة لجون لوك معونة ب" في مسلك الفهم " وهي نصائح عامة في القراءة والتربية والاعتياد مذ الصغر على التفكير الصحيح والفكر الحر وعدم التحيز وغيرها من المواضيع التي ابتذلت في الفترة الأخيرة بأسلوب سهل خطابي.
مقالة في الفهم البشري تحدث فيها المؤلف عن التجريبية ويعتبر هذا الكتاب أول محاولة جادة في نظرية المعرفة وقد سبقه في الدعوة فرانسيس بيكون إلى ترك منطق ارسطو وتبني التجربة لكن لوك المنظر لتلك النظرية. التجربيية تقول بأن الذهن البشري صفحة بيضاء ( تابولا راسا ) والمعرفة هي الإدراك الحسي فقط. ساق الحجج في ذلك ويرى بأن الكل والجزء ليسا فكرتين فطريتين وحتى الإله بدليل وجود ملحدين بين القدماء. وحتى الفضيلة بدليل أن وجودها نادر. ويرى بأن كل معتقداتنا وأفكارنا معتمدة على الحواس؛ لذا أتعجب ممن قال بأنه منهجه التجريبي أراد تطبيقه في مجال العلم الطبيعي فقط!
أما في كتابه الآخر الأفكار وهو عندما قام في كتابه الأول (مقالة في الفهم البشري ) بنفي الأفكار الفطرية فهو في هذا الكتاب المتمم يقدم تفسير كيف تتكون الأفكار من التجربة. يقسم الأفكار لأفكار بسيطة وأخرى مركبة. فالبسيطة هي التي ترد لأذهاننا عن طريق الحس والتفكير فقط أما عندما يعمل الذهن عليها ويخلط بينها وينتج أشكال مختلفة فعندها تكون تلك الأفكار مركبة. تحدث عن فكرة المكان والزمان واللانهاية والجوهر والسببية والقوة؛ حتى يبين بأنها تعتمد على التجارب وليس كما قد يظن بأنها لم تأت من طريق الحواس.
شدني حديثه عن الرياضيات إذ يقول " إن كان هناك إنسان عقله جيد، عليك أن تعوده على التفكير المرة تلو المرة، وأن يمرن ذهنه على رصد الروابط بين الأفكار وتتبعها في تسلسلها، لكن لا شيء يفعل هذا خير من الرياضيات". وقال فيما معناه بأنها تورث التفكير الحاد. وأيضاً فلسفته في مفهوم اللانهائي وكذلك مواضيع أخرى مثل الحرية ومشيئة الإنسان والتفريق بين الرغبة والإرادة؛ إذ أن " الرغبة تصاحب كل مصادر القلق والضيق" وهذا بدوره يدفع للإرادة أن تبت إذ لا يتفذ عمل إرادي دون رغبة. والسعادة هي من تحرك الرغبة.