"يرى وجهه المنعكس في زجاج الواجهة، وينفذ منه إلى الداخل. داخله هو. وأنا وراءه. أُركّز عينيّ على رأسه، وأحاول أن أتبعه. أن أنفذ -متسللاً وراءه- إلى داخله."
"لكنني في كل الصور لم أكن واضحاً. كأنني لستُ شخصاً. كأنني مجرد كلمة، ومكتوبة بقلم رصاص. من ينقذني من هذا الخوف المزلزل؟ من يأخذ ممحاةً.. ويمحوني؟"
بينما تتداخل في عوالم بوزفور القصصية، تجد نفسك -وعلى نحو متواصل- مأخوذاً بالكائنات، وبحالة صمتٍ تثير الدهشة. قصص عن أناس يكتبون حيواتهم حتى تكتبهم، وعن كائنات خرساء وصماء، عن صمت يرعاه صاحبه كما لو كان ناقة ترتبط به. الأمر أشبه بتشظيات متوالية لأبعاد العالم، الذي يغدو مرعىً مرة، وآلة كاتبة مرة، وحلماً عابراً مرة أخرى.
¬¬ ثنائية الرؤى: ¶ "إني رأيتكما معا". بهذا العنوان المثير والمغري يستقبلني العمل الإبداعي الجديد لسندباد القصة المغربية، القاص أحمد بوزفور. (اصدار 2020). عنوان لا تخطئ العين أن ترى من خلاله أثر الفن أو تأثير الفن فيه خاصة وهو مقتبس من قصيدة/كلمات أغنية "لا تكذبي" لكمال الشناوي وتلحين عبد الوهاب... ويحق لي أن أتجاوز أثر الفن وتأثيره، لأنه أمر متفق عليه بين كل من هو عليم بالأغنية والأصوات التي صدحت بها... سأتجاوزه إلى الدلالة. بحيث هل مضمون العنوان دال على نفس دلالة الأغنية؟ وطبعا هي الجمع بين الخيانة والكذب كما هو في سياق الأغنية، وهذا لا شك فيه... لكن، هل سيقنعني هذا الدال بعدما قرأت النصوص؟ أعتقد أنه سيكون مقنعا لوقت وجيز، أي في المرحلة التي تقتني فيها الكتاب إلى غاية أن تنتهي من قراءته، علما أنه سيكون انطباعا أوليا لا غير، انطباعات نكوّنها قبل القراءة بناء على حمولتنا الثقافية... إذن دعوني أقول وبعد قراءة العمل، أن العنوان بعيد (وهذا افتراض قارئ) عن ذلك الانطباع. فما دليلي إذن؟ نجد أن العمل مقسم إلى بابين، باب بعنوان "الحب" ثم باب عنوانه "الموت". الباب الأول يضم ثمانية نصوص قصصية. والباب الثاني إحدى عشر قصة أغلبها مكثف... غير أن هذا التقسيم الذي إن سلمنا أنه تقسيم موضوعاتي، سنكتشف بعد ذلك أنه لا يمنع أن هناك تداخل ما بين التيمتين في النصوص، خاصة في القصة الأولى "تاريخ الحب" حيث استعار القاص قصة توبة ابن الحمير عاشق ليلى الأخيلية - والقصة مشهورة في تاريخ الأدب العربي بنهايتها الموسومة بالموت- أيضا القصة الثانية من الباب الأول دائما، تتبنى الموت كلبنة لبنائها، غير أن هذا الموت يحضر باعتباره مصيرا لكل محب فنيت روحه في محبوبه هكذا بالتعبير الصوفي الحب فناء. ولكن في الباب الثاني، يأت مفهوم الموت بمعنى القتل، وبمعنى العبور فكل ما يؤدي إلى الموت فهو عبور "هذه الحياة اسمها ( الذهاب). نحن لا نعيش. نحن فقط نذهب. ". وبمعنى الانقضاء مثل الصمت الذي مثله السارد بناقة تأكل السارد "تأكل رجلي وبطني.. رأسي.. يدي اليسرى.. ها هي تأكل الآن يدي اليمنى.. يدي التي أكتب بهـ...". يحضر الموت أيضا بمعنى الفناء كما تدل عليه عبارة القبور " الناس قبور والأرض أرضة والتاريخ شواهد".. بناء على ما ذكرت بشكل موجز وسريع أعود لأقول أن عنوان "إني رأيتكما معا" يخص رؤية الحب والموت، رؤيتهما معا. قد تكون تلك رؤية القاص، أو رؤية الشخصيات التي ينوب عنها ضمير الأنا في التعبير... أو هي رؤية القارئ حين ينتهي من تفاعله مع النصوص، فيعلنها: إني رأيتكما.. أين؟ في نصوص أحمد بوزفور.. إنها رؤية لكلمتين متلازمتين، تتداخل دلالتهما في نصوص المجموعة لتضعا تصورات مفترضة يبنيها القارئ انطلاقا من الخيال الخصب الذي يمنحه بوزفور لقصصه الحية ذات الامتداد في فضاء من التخييل والأحلام والتصورات التي يدعمها الصوت والصورة السردية، وبدعم من الصمت الذي يحتفي به الكاتب بشكل ملفت للقارئ، كما في قصة "صمت العزاب" ، فذلك لأن الصمت عتبة عوالم الإنصات للداخل الإنساني، هذا الداخل المضطرب، الذي ليس من طبيعته السكون مهما ظهر القالب الخارجي ساكنا.. والإنصات أيضا للساكن والمتحرك في الوجود الخارجي كترنح الشجرة التي يحكي عنها سارد قصة "الشجرة تترنح": "في الترنح نوع من التداعي". والصمت انصات، كما عند شخصية قصة " الغابة"، والانصات معادل لنظرة نحو الأفق بعيدا، لعلها نظرة استشراف : "كان ينظر بعيدا.. إلى الأفق.. ثم قام فجأة وذهب دون أن ينبس بكلمة". إنها رؤية للحب والموت، وللحب الذي هو الفناء بتعبير الصوفية. وإنها رؤية للموت في تشكيل من الخيال المفرط وأبعاد حلُمية خاصة تصوغ العوالم بعيدا عن المعقول، لرؤية الحياة كبداية طفل مبتسم مرح، وابصار أفق النهاية كنهاية شيخ في قصة" أفق".. إنها رؤى وليست رؤية/رؤيا، رؤى تجمع بين ثنائيات ضدية... ويبقى العمل يثير الأسئلة ويحرض على فك شفراته...
✏ رشيد أمديون
This entire review has been hidden because of spoilers.
الحب الحديث: (أنت ظلي في النهار أجرك ورائي في الصباح...تجرينني وراءك في الأصيل وفي منتصف النهار أنتعلك حذاء وأعتمرك قبعة وفي الليل أنا ظلك افرشيني على الأرض كسرير أطفئني الضوء ونامي في حضني واحلمي بي) أرسل إليها هذه الأسطر الشعرية في البريد دون أن يذكر أنها لشاعر ياباني مات منتحرا. بعد أيام جاءه جوابها على SMS :"إذا كنتَ تريد أن تنتحر، فلا تنس أن ترسل إلي رسائلي وصوري. لا أريد أن تجرجرني الشرطة في الكوميساريات". (أحمد بوزفور: إني رأيتكما معا. ص8)