"من لا ماضي له، لا مستقبل له، ومن لم ترسخ قدمه عميقا في أمّنا الصحراء، لا عزاء له بعد ذلك إن لفظته البحار." هذه ليست حكمة الأجداد وحسب، بل هي قانون الحياة إذ تنادي إلى الحياة. قد تتشابك بيننا السبل وقد تلتفّ حولنا كغزل العنكبوت، فإن لم نلذ بالجذور اقتعلتنا أيادي الحطّابين دون أدنى حاجة إلى الفؤوس، فهي لم تخلق لواهن الغصون. "وادي الحطب"، عندما يتحوّل الإنسان إلى آلة بيد المستعمر يحرّكها كيف يشاء، بل إلى لعبة يتسلّى بها ويجرّب من خلالها إمكانات لم تكن للتاح له لولا خيانة الدم للعروق. "وادي الحطب"، رواية تضرب عميقا في تاريخ القبائل زمن الاستعمار، لتؤرخ زمنا ولّى وانقضى، بل لتعيد الحياة إلى إنسان ما بعد العولمة، علّه يثوب إلى إنسانيته من جديد.
وما تزال دورة التاريخ تنوس بنا بين المهزلة والمأساة. الناشر
تحكي الرواية عن حياة البدو الموريتانيين إبان الاستعمار .. علاقتهم بالمستعمر و علاقتهم فيما بينهم.. جغرافية المكان في المناطق الشرقية و منطقة افلة، بدقة حتى ترى بعيني الخيال كل شجرة و كل حجر.. البحث عن التاشياخت و حب السيطرة.. و طموحات السلطة .. هي محور الرواية.. "امهادي" و غريمه "خطري" .. العدوان اللدودان دون أن يكون هناك دليل مادي على عداوتهما ..لكنها محسوسة بالقلب كجرم ماثل لا يخالطنا الشك في وجوده.. سلكا منهجا مغايرا تجاه المستعمر فما بين رفض خطري و مهادنة امهادي تتشكل خيوط المواجهة .. علاقة ابني العم تتعقد عندما يطلب خطري يد أخت امهادي"تربه فال" رغبة في ان يرفض الاخير ليشق صف القبيلة و لكن امهادي يقبل قاطعا على خطري ذاك الطريق فيرضخ الأخير للصمت المستعر نارا تحت جمر.. ظل موقف "خطري" المناوئ للمستعمر شوكة في حلق هذا الأخير و بعد تنصيب ابن عمه "امهادي" شيخا على قبيلته من طرف النصارى استعانوا بهذا الاخير ليأسروا خطري.. تتوالى احداث القصة باختفاء خطري و اصابع الاتهام تتجه لغريمه امهادي .. في هذه المرحلة تتضح لنا شخصية امرابط اتلاميد .. شيخ المحظرة و الذي يحترمه الكل و يحبه .. ساعيا الى توضيح ملابسات اختفاء خطري بعد العثور على فرسه ميتة .. خوفا ان يتحول الامر الى ثأر بين اهل خطري و امهادي و انصاره! "تربة فال" بين محبتها لزوجها خطرى و انحيازها لفطري لشقيقها امهادي تتنازعها الظنون و الافكار لتذهب بها كل مذهب و تكون نهايتها منطقية جدا بين اعراف مكبلة و حقد على اخ مجرم .. احدى يدي أصابتني و لم ترد.. ينتهي بها الأمر الى الجنون! "العالية" ابنة خطري تعيش في واد خيالي بعيد ذي نسمات مدهشة .. تحملها على أجنحة الاحلام.. و تهدهدها فتسرح مع "لمرورح" ..مواقف سابقة ..كلمات أبيها عنه .. "ما أغرب عالم المرأة إنها لا تفتن بالرجل إلا يوم تكتشف ان لها في قلبه مكانة، لكأن عينيها في قلبها، فما دام قلبها مغمضا فإن عينيها لا تريان شيئا و لو كان البدر ليلة تمامه..و لكن يوم ينفتح قلبها بالحب ترى الدمامة غاية الحسن و السماجة منتهى الخفة و الذوق!" "يرتفق العشيق جنب معشوقته.. يقترب منها لكن دون ملامسة.. إنه فن المسافة البدوي، حالة من الاحتشام الموحي بالفسوق!" مجتمع غريب و معقد و قوي بقدر ضعفه و مترف بقدر فاقته و قلة حظوظه من الحياة.. "قافلة (رجال الغيث) التي تخرج سنويا صوب باماكو لجلب ميرة العام من الطعام و العبيد و جديد مطابع بيروت" لم يشغل البدو صلف الحياة ،و قسوة المناخ و كونهم في طرف قصي من العالم، فقراء مشردين، لم يشغلهم ذاك عن العلم و التعلم و الشغف بالكتب.. "خلف تلك الوشائج تنتصب فلسفة طهورية تعمل بطريقة مدروسة للحفاظ على نقاء النوع لذلك لا تجد بينهم إلا صليبا قحا ينتمي بأبويه إلى أرومة هذا الحي و قليلون من تنتمي أمهاتهم لقبيل آخر..أما الذين آباؤهم من قبائل آخرى فليسوا سوى ثلاثة .. النظام القبلي قانون لا يكسر! حتى تظل القبيلة متماسكة في وجه الأخطار المحدقة بها.. أما المرأة فتابعة لذاك خاضعة له و جزء منه و ويل للتي تتمرد ..تصبح الأصابع متجهة نحوها لتغمس بعدها في التراب، استعاذة من حالها! كل هذا و لم تفعل الا ان اختارت رجلا لا ينتمي لقبيلتها المبجلة لذلك لم يتعد عدد أولئك المتمردات الخارجات من عباءة القبيلة ثلاثة نسوة ، يعرف كل من في الحي القصص الفادحة لزواجهن!! العبودية كانت حاضرة بشدة و ما حكاية البئر ببعيد.. إنها رواية من العيار الثقيل الممتع ..رائعة الجمال ..هادئة.. مليئة بالتفاصيل عن حياة البيظان، حتى العجائز الاتي تتقاسم الإستغفار في الخطوب.. و الأمثال الشعبية الكثيرة .. إنها ذاكرة حية عن الوطن..
أنهيت قبل دقائق جلستي في أو مع "وادي الحطب"، لا أدري هل كنت في الوادي أم أني جالست الكتاب؟ ليلتان ونصف قضيتها ورائحة الشاي الصحراوي تغزو حواسي، وتجلو عن عقلي ضباب الحياة. "وادي الحطب" رواية في ٣٢٠ صفحة، ضاجّة بمئات من الأحداث المثيرة والتشبيهات الألمعية، من تأليف الدكتور: الشيخ أحمد البان، من موريتانا الشقيقة، وهي الرواية الفائزة بجائزة كتارا ٢٠٢٠. يمكن تصنيف وادي الحطب رواية تاريخية، لكنها تعتني ما يكتمه الناس من حوادث في حياتهم، كأنها تاريخ العار، تناول فيها الكاتب مسألة العبودية والطبقية في موريتانيا، ونكأ الجرح كأنها يريد قتل المسألة بالألم لا أن يعالجها... تناول كذلك بكثير من القسوة على القارئ دناءة النفوس وجشعها طلبا للسلطة، تجاوزت بعض الصفحات لأنني لم أستطع تحمل تفاصيل الغدر الذي تسمع فحيح أفاعيه تحاصر حواسك متجاوزة سجن الصفحات، لتسري في عروقك... من ناحية اللغة والأسلوب، أما أجزم أن العربية ترقص فرحا في تلك الصحاري، فما قرأت لكاتب موريتاني إلا أطربتني لغته وقد طعَّم الكاتب روايته ببعض كلمات اللهجة المحلية... إن كان لي تحفظ، فهو تحفظ وطني، لا أستطيع أن أتقبل أن يتحدث أحد عن قومه هكذا، أن يصل خياله في ظن السوء بهم إلى هذا الحد...
رواية أودية الحطب تناولت كيف يتلاعب الاستعمار بالمجتمع .. حتى يجعل منه مجتمع لا يملك قوة الجماعة بل كل فرد منه مجتمع مستقل بنفسه تحركه مصلحته فقط ويمكنه أن يدوس في سبيلها على مصالح المجموعة تماماً مثل العلاقة بين الأغصان في أودية الحطب لا جذع شجرة يجمعه ، ولا ماء يسقيه دفعة واحدة
ليجعل منه كما قال الفرنسي كزافييه : يمكنني أن أشعل أودية الحطب متى شئت وأحيلها إلى رماد دون أن يصيبني شرر جمرها الملتهب.
- الاستغلال باسم الدين والنسب - اختلاط الموروثات والمأثورات الخرافية بالفقه الشرعي -قساوة النظام الطبقي في تلك المجتمعات - ثم الخيانة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” لكل غادر لواء عند أسته يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة ” رواه مسلم....
هي قصة عن النذالة. لا بالعكس النذالة عند خيانة شخص لكن خيانة قوم او شعب فهي القذارة.. القصة تروي عن حقبة الاستعمار الفرنسي في موريتانيا لكنها ترنيمه واحدة لكل المناطق العربية تحت الاستعمار.. الاستعمار يبحث عن واجهه تشبه الشعب المقموع. شخص من القوم يحكم القوم ببطشة المستعمر.. حتى لا يحاسب المجتمع ذلك المستعمر.. الطامع لمنصب القيادة.. هو انذل القوم حيث المُستعمر لا يختار الا الأنذال ويسوس بهم الناس ويرفعوا من قيمتهم. دائما ترى الصراع لمنصب القيادة يقتدي اثبات الطامع ان لا كرامة له وانه مستعد لفعل اي شيء لنيل المنصب حتى يصبح عزيز قومه لكنه لا يمانع ان يكون سفيه للمُستعمر حتى ولو بصق على وجهه وتركه مربوطا عاريا في العراء كما حدث "لسلماتي" فالمتوج بهذا السباق ليس الأقدر او الأكرم ولكن الأنذل. تذكرت اغنية لبوب مارلي اسمها سباق الفئران. هكذا كان السباق بين سلماتي وامهادي..سباق فئران.
اقتبس من قول الظابط الفرنسي "كزافييه" محرضا "سلماتي" بعد إثبات الأخير الاستعدادات للخيانه: *الرجل القوي الذي يعشق المجد لا بد أن يحمل قلبا صخريا، ونفسا لا تعرف الرحمة، أبناء المُلك شجرة لا تسقى إلا بالدم، هل سمعت عن نظرية قُفَّاز الحرير؟ _هي نظرية في السياسة تعلمناها من الإنجليز.تقول انه ينبغي للقائد المحنك ان تكون له قبضة من حديد في قفاز من حرير. فهو يبطش بخصومه ولكن بطريقة لينة لا تمنحهم السند الأخلاقي للثورة عليه.*
نلمح مبادئ مكافيلية في الرواية.. ١- الغاية تبرر الوسيلة....وهذا الشق خاص بالطامعين الزعامة. ٢- فرق تسود.... وهذه كانت دائما أداة المستعمر في زرع عدة قيادات تتنافس وتكيد لبعضها متناسيين قضية الاحتلال والاستغلال.
" إنسان الصحراء غريب الأطوار، يكره أي نقد جارح أو تصرف مذل في الفضاء العام، و قد يغضب أو يقتلك إذا أهنته بقول أو فعل أمام الناس، و لكنه مستعد لأن يُذِّلُ نفسه لك، و أن يصبر على الإهانة مهما قست، إذا كنت تفعل به ذلك بعيدا عن الأضواء، خاصة إذا وثق في أنك لن تكشف للناس في العلن ما جرى بينكما في السر ".
وادي الحطب.. و ما الحطب الا الافراد الذين تاكلهم الاطماع قبل النار! استمتعت كثيرا بقراءة الرواية... اولا لغة عربية فصيحة لم نعد نشاهدها كثيرا.. و اسلوب سلس جدا... بدون تعقيد و لا تصنع! تم بناء الشخصيات و الاحداث جيدا من خلال تفاعلها مع البيئة و مع الاخرين و مع ذواتها. تناول نقطة الاستعباد كان من الامور الهامة في الرواية. تحياتي للكاتب.
رواية جميلة جدا و ممتعة و فيها جو من التشويق و الاثارة قمة الجمال، اعجبني ما عكسته الرواية لواقع معايش و متواصل لليوم، انا من السودان كل ما جاء في الرواية نعايشه اليوم، مع ملاحظة ان القبائل العربية وحدها لديها تلك النزعة، لكن الزمن لديه بصمته،