« إلى نورة, أمي, التي أرضعتني مع الحليب حبّ العراق.»
لكلمة السّواد معاني كثيرة, ومشتقات عديدة, منها معناها الأصلي المضادّ للبياض, ومنها معانٍ رمزية أخرى كدلالتها على الشخص الواحد, ومن هذا المعنى حدقة العين.
وربما من أبرز معانيها هي مجتمع النخل والشجر فلكثرة خضرتها تشابه اللون الأسود من بعيد, ولكثرة نخيلها سميّت أرض العراق بأرض السّواد. (راجع لسان العرب لإبن منظور)
وبنفس قدر إحتمال كلمة السواد من معاني ورمزيات, وبنفس قدر إحتمال النّخل من معاني ورمزيات تغنّى بها الشعراء والأدباء, فكذلك الأرض التي احتوتها, أرض العراق وسكانها.
ولأن العراق كبير, كبير بتاريخه وبسكانه, غنيّ بما يحتمله من تناقضات جاء هذا العمل العظيم للروائي عبد الرحمان مُنيف الذي قضى جزء هام من حياته في بغداد. وجاء هذا العمل مقسوما على ثلاثة أجزاء وكأنه لا يسع لكتاب واحد استيعاب هذا الكلّ من العراق.
تدور الثلاثية, عبر أجزائها الثلاثة, في بداية القرن التاسع عشر وبعد هزيمة نابليون بونابرت النهائية, حيث في أرض ولاية العراق يتولى منصب الباشاوية رجل مملوك معتوق من جورجيا يدعى داود آغا من مماليك سليمان الكبير أعظم ولاة العراق في العهد العثماني, ويسعى داود باشا إلى بناء عراق جديد وأفضل مما وجده. لكن المهمة ليست بتلك السهولة.
إن هذا العمل ليس عملا تاريخيا بحتا, فهو ليس عملا توثيقيا عن شخصية داود باشا وأعماله, بل إنه يرّكز بالأساس على شخصيات ثانوية من الرعيّة, إنه يسعى لتركيز الضوء على العلاقات الإنسانية وتفكيك نموذج اجتماعي لفهم شخصية العراق نفسها, فالشخصية الرئيسية في العمل ليست داود باشا أو غيره بل هي مدينة بغداد وأرض العراق كلها, بما تحمله من تراكمات وعادات وأعراف.
هذا العمل يسبر أغوار العراق بشكل حقيقي, ليس للتحليل أو النقد,فالعمل ليس دراسة اجتماعية (أو سيوسولوجية كما يحلو للبعض التسمية) وإنما بكل بساطة هو أشبه بقصيدة حبّ, حبّ للعراق وحب للشخص العربيّ على علّاته ومميزاته. فلقد استهل منيف الثلاثية بإهداء إلى أمه نورة العراقية: " إلى نورة, أمي, التي أرضعتني مع الحليب حبّ العراق."
حبّ تجلّى في استعمال اللهجة العراقية العظيمة في الحوار.
شخصيات مثل الأسطى عواد صاحب مقهى الشط, أو حسّون الفتى الساذج, أو الأسطى إسماعيل الحلّاق أو الحاج صالح العلو وابنه بدري ..الخ كلها بشكل أو بآخر انعكاسات لعدة جوانب موجودة داخل الفرد العربيّ عموما والعراقيّ خصوصا.
إن هذا العمل الأدبي مميزّ فعلا لدرجة كبيرة, عظيم بقدرة الكاتب على خلق عالم حقيقي بكل إلمامه العظيم بالتفاصيل, تفاصيل الشخصيات وبنائها وعلاقاتها, تفاصيل تقاليد العراق وهنا لا يمكن أن أنسى ما يتميز به العراق من تقاليد الحزن والفرح معا كأبرز تجلي لإحتوائه العديد من التناقضات في آن واحد. ولا يمكن أن أنسى اللهجة الساحرة.
فهم ثلاثية أرض السواد, ككلمة السواد نفسها بما تحتمله من معاني ورمزيات, وبنفس قدر إحتمال النّخل من معاني ورمزيات تغنّى بها الشعراء والأدباء, وبنفس قدر احتواء أرض العراق وسكانها من روح وكبرياء وتناقض, بقدر كل هذا فإن ثلاثية أرض السواد تحتوي الكثير من التأويلات.
الفترة التاريخية التي تدور فيها أحداث العمل, هي فترة زمنية عرف فيها العراق أحداث سياسية دموية تمثلت بالأساس في إسقاط وتولي الولاة لبعضهم البعض مع اكتفاء اسطنبول بإرسال الخلعة والفرمان الرسمي لمن يتولى الولاية وينتصر على منافسيه. ومع تربص القوى الأجنبية فرنسا وبريطانيا وكذلك إيران القاجارية بما يجري.
كتب عبد الرحمان منيف هذا العمل بين سنتي 1997 و1999, فترة عرف العراق فيها أيضا أحداث سياسية عصيبة, من الحرب مع إيران في الثمانينيات إلى حرب الخليج الثانية في بداية التسعينيات, وانشقاق الكثير من رجال صدام حسين مثل صهره حسين كامل المجيد وغيره. وكأنّ التاريخ يعيد نفسه فعلا.
في هذه الثلاثية إنعكاس حقيقي لأفكار منيف السياسية, المناهضة للإمبريالية وللسيطرة الأجنبية, والإتجاه العروبي الواضح الذي اعتنقه في شبابه بإنضمامه لحزب البعث قبل أن ينسحب لاحقا منه لكن بقى على أفكاره المناهضة للإستعمار وللسيطرة الأجنبية والمناهضة للظلم والإستبداد أيضا.
عمل أدبي فريد, شامل بكل ما تعنيه الكلمة ويستحق العلامة الكاملة.
الجزء الثالث تمّ في يوم الجمعة 29 شعبان 1443 هـ