واقفٌ هنا منذ ستّين عامًا لأعود لنفسي... أطرق الأبواب الّتي غابَ سُكّانها، وأمشي في الدّروب الّتي رحل أهلُها، وأسأل الوجوه الّتي تبدّلتْ، وأنتظر الإجابات الّتي ماتت، وأُصغي لعلّني أسمع صهيل الشّقراء يقدم من فَجٍّ عميق، وما الخيل إلاّ صوتُها؟ فهل يعودُ إليّ ذلك الصّوت الحبيب الّذي غرق في بحر الماضي. واقفٌ أنتظرني... أي بؤس أشدّ من أن ينتظر المرء نفسه التي أنكرها بعد طول ضياع...؟! هنا كان جدّي، هنا كان أبي، هنا كانتْ أمّي.. لماذا لم تبقَوا زمنًا أطول، لماذا تركتُم العاشق اليتيم وحيدًا؟!
الاسم: أيمن علي حسين العتوم. تاريخ الميلاد: 2 / 3 / 1972م. مكان الميلاد: جرش – سوف. الجنسيّة: أردنيّ. الحالة الاجتماعيّة: متزوّج. مكان الإقامة: عمّان – الأردنّ.
- دكتوراة لغة عربيّة، من الجامعة الأردنيّة، بمعدّل (4) من (4)، وتقدير: ممتاز عام 2007م. - ماجيستير لغة عربية، من الجامعة الأردنية، بمعدّل (3.75) من (4)، وتقدير ممتاز، عام 2004م. - بكالوريوس لغة عربيّة، من جامعة اليرموك، بمعدّل تراكميّ 92 %، عام 1999م. - بكالوريوس هندسة مدنيّة، من جامعة العلوم والتّكنولوجيا، بمعدّل مقبول، عام 1997م. شهادة الثانويّة ، الفرع العلميّ، . المعدّل (94.4 %).
الخبرات: - مدرس للّغة العربيّة في أكاديميّة عّمان ( 2006 – 2010). - مدرس للّغة العربيّة في مدارس الرّضوان ( 2003 – الآن). مدرّس للغة العربية في مدرسة اليوبيل (2013-2015)
- مدرس للّغة العربيّة في مدرسة عمّان الوطنيّة (2002 – 2003). - مدرس للّغة العربيّة في مدارس الرّائد العربيّ (1999 – 2003). - مهندس تنفيذيّ، في مواقع إنشائية، 1997 – 1998م.
النشاطات: - مؤسّس (النّادي الأدبيّ)، في جامعة العلوم والتّكنولوجيا، عام 1994، وعضو هيئة إداريّة فيه 1994 – 1996م. - مؤسّس (لجنة الأدب) المنبثقة عن اتّحاد الطلبة في جامعة العلوم والتّكنولوجيا، ورئيس لها للأعوام 1995 – 1997م. - مؤسّس (لجنة الأدب) المنبثقة عن اتّحاد الطلبة في جامعة اليرموك، ورئيس لها للأعوام (1997 – 1999م) . وقد عملت اللجنة على المتابعة الأدبيّة والفنيّة لإبداعات الطلبة في الجامعتين على مدى الأعوام المذكورة. - عضو نقابة المهندسين الأردنيّين منذ عام 1997م إلى اليوم. - عضو هيئة تأسيسيّة لجمعية (الأدباء المهندسون) المنبثقة عن نقابة المهندسين الأردنيين.
المؤلفات: - الدّواوين: 1. قلبي عليك حبيبتي. 2. خذني إلى المسجد الأقصى. 3.نبوءات الجائعين . 4. الزنابق.
الرّوايات: 1. يا صاحبي السّجن 2. يسمعون حسيسها. 3. ذائقة الموت. 4. حديث الجنود. 5. نفر من الجن. 6. كلمة الله
- المسرحيّات: 1. مسرحية (المشرّدون). 2. مسرحية (مملكة الشّعر).
ذلك اليوم الذي إستطاع فيه البدوي المحب لوطنه الغيور على أمته ان يحول يوم الذلة والهزيمة لنصر وعزة من خلال إرادته الحرة في معركة الكرامة
جاء من مضارب عرب الحويطات، يحمل من الصحراء نقاءها ومن البداوة فروسيتها وشهامتها
الفريق مشهور حديثة الجازي , البدوي الذي ابدى شهامته وشجاعته وهو في عمر ال 14 او ال15 عام 1943 عندما أراد أن يصبح جندي ليدافع عن وطنه .
كان ذلك حينما إستضاف جده حمد الجازي رحمه الله الضابط البريطاني غلوب باشا الملقب بأبو حنيك , والذي كان أحد الأسباب الرئيسية في هزيمة حرب ال48 بسبب سوء قيادته المتعمدة بمبدئ (فرق تسد) الذي طبقه على الجيوش العربية التي كان يقودها
أعرب مشهور عن رغبته في ان يدافع عن وطنه , لا بل عن أوطانه وعن هويته العربية الإسلامية . كانت أحد طموحاته ان يبرز نجمه ليكون بمكان أبو حنيك غلوب باشا فلماذا سلمنا زمام امورنا لهولاء الإنجليز الكفرة ؟ لماذا جعلناهم قواد لنا ليقودونا للهزيمة ؟
> غلوب باشا <
ينحدر مشهور الجازي من قبيلة الحويطات البدوية الأردنية التي برز فيها الكثير من الشرفاء الذين جعلوا حياتهم فداء لفلسطين
فهذا جده حمد الجازي الذي قاد مجموعة من قبيلته للنضال في فلسطين وبرز نجمه في الثورة العربية الكبرى وكان قاضيًا منصفًا للمرأة
وهذا خاله نايل وعمه هارون من مناضلي الحويطات الذين قاتلوا ببسالة وشجاعة في حرب فلسطين 1948 وقد استشهد خاله نايل على أسوار القدس ودفن هناك رحمه الله
>الشيخ حمد وابنه نايل <
كان مشهور شاهدا على نكبة ال48 ونكسة ال67 ومعركة ال68 التي كان بها قائد اول إنتصار أردني على المحتل الصهيوني .
قائد معركة الكرامة التي قاتل فيها الجميع ضباطا وجنودا أردنيين وفدائيين فلسطينيين بشرف جنبا إلى جنب في سبيل أرض الأنبياء عليهم صلوات الله التي لم يقبل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله ان يبيعها للصهاينة
قاد مشهور معركة الكرامة بكل مالديه من نخوة وشهامة . بكل مالديه من ضمير , اثار الحماس ورفع المعنويات في صفوف الجيش وإتخذ العديد من الإجراءات التي ساهمت بإنتظام صفوف جيشه بحسن تدبير
طلبت القيادة الأردنية منه وقف إطلاق النار لوقف نزف خسائرها ،لكنه تمسك بإخلاصه وإنتمائه ونخوته ولم يذعن للأوامر وقطع الإتصالات مع القيادة العليا وقاد المعركة على هواه الحر وتعاهد مع جنوده على القرآن بالموت في سبيل الشهادة
توعد كل من يتوقف عن القصف والقتال بالعقاب الشديد والإعدام كان جادًا وحازمًا في تحقيق نصره بالمعركة
لم يرد ان يتكرر ماحدث في نكسة 67 مرة أخرى بسبب الإذعان للقيادات العليا ولا ماحدث في نكبة ال 48 التي قادها بسبب الذلة 55 قائد , 50 منهم أجانب و5 فقط منهم عرب !!
حاول مشهور بفضل حصوله على إحترام جميع الأطراف خلق وساطات بين الملك حسين رحمه الله وبين منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات الذي تسبب للأسف بإشتعال صراع أيلول الأسود بسبب توجه حركة المنظمة لبسط نفوذها في الأردن بدلًا من توجيه جهودها لتحرير فلسطين ومحاربة الإحتلال
رفض الفريق مشهور جميع الإتفاقيات بين الأردن والإحتلال وعملية التسوية وإتفاق اوسلو
يقول مشهور متحدثًا عن السلام :نحن دعاة سلام وديننا يدعو للسلم ،ونحن ومنذ 50 عام في حالة حرب دون نتيجة ،لكن ذلك لا يعني التنازل عن حقوقنا المسلوبة
كان مشهور الجازي رحمه الله أحد النشامى الأردنيين الذين امتلت رئاتهم بحب الحرية وبحب فلسطين أثبت اننا أمة واحدة , خرج من فلسطين بزوجته يسرى رحمها الله ابنة مختار بيت صفافا والتي كانت سندًا له في حياته وعطرًا لمسيرته . لم تكن من النساء الآتي يبكين لذهاب ازواجهن للحرب . كانت تحثه على تثبيت قدمه في اركان الحرب وتقوية عزيمته والسعي للنصر ولو عاد جثة
يقول أيمن العتوم مهمتي ان انبش على التاريخ قبره ثم ازينه واوقفه على قدميه ثم اجمله واٌقدمه للناس هذه شخصية اُراد لها ان تموت في ذاكرة الناس والتاريخ
فنفض أيمن الغبار عن تاريخ الشخصية الشاهدة على الحقيقة وعلى الخيانات والمصائب في ذلك الزمان .. وما أشبه البارحة باليوم
لم يكتفي الأستاذ أيمن بالحديث عن القائد مشهور فقط , بل سلط الضوء على أبطال مثل عمه هارون وخاله نائل وجدُّه حمد الجازي.. وعبدالقادر الحسيني وعبدالرحيم وعبدالله التل.. والفسفوري .. وعشائر العدوان في الأغوار والمزارعون..
ووصف لنا ايضًا نوع العلاقة التي كانت بين مشهور وغلوب باشا
هذه المراجعة من أهم المراجعات التي كتبتها في عام 2020 .
على الرغم من شرائي للكتاب بمعرض عمان الدولي عام 2019 وبدئي به بعد عام , كان دائمًا ببالي كلما التفت لمكتبتي
وكنت انتظر اليوم الذي تختارني الرواية فيه لأقرأها .
كتبت هذه المراجعة بحب لشخصية مشهور وحب لكل مايكتبه أيمن العتوم بقلمه الذهبي المرصع بألماس الأدب والإبداع
كتبت هذه المراجعة بقلب مليء بالأمل على ان يظهر لنا مشهور جديد وجيل مثل جيل الشهداء الأحرار وبإعجاب وفخر بهذا الرجل الذي على الرغم من بداياته التي كانت خاضعة بعض الشيء للإنجليز في الأوامر إلا انه لم يخن فلسطين ولم يخن الأردن ولم يخن المسلمين يومًا
أيمن العتوم يكتب ليجعلنا نعرف أكثر وليجعلنا نشعر بأهمية القراءة , يكتب ليسلط الضوء على شخصيات مهمة في تاريخ أمتنا وقضايا تخصنا وهو على قمة الكُتاب العرب
شكرًا أستاذ أيمن , شكرًا لأنك تنقل لنا قصص هؤلاء الذين عانوا من ظلم وفساد أنظمتنا ولقصص شاهدي أحداث هذا العصر ولتسليط الضوء على قضايا حساسة في تاريخ أمتنا بقلم مبدع ذو ضمير
يعتقد مشهور حديثة بأن هذه الفترة من تاريخ الامة العربية ستنطوي، وستكبر الأمة ولا يمكن لإسرائيل السيطرة عليها وإهانتها، فالمستقبل سيكون لصالح هذه الأمة، حيث لا يوجد مستحيل، فقد كانت معركة الكرامة درسا مبكرا من أصغر قوة في المنطقة، أي القوة الأردنية، بإمكانية الانتصار إذا توفرت الإرادة.
" بدلًا من وطن لدينا إذاعات، و بدلًا من الحرية لدينا زعامات، و بدلًا من الحقيقة لدينا خرافات"
كنت أظن أن سبب هزيمتنا من عدونا الأول في سنة 1948 و 1967 هو ضعفنا، كنت أظن أنّ شجاعة الفاروق و قوة ابن الوليد لن تعود أبدًا، كنت أظن أن مقولة "رجل عن ألف رجل" مجرد خرافة، ولكن كل شيء تغير بعد هذه الرواية،
الشهيد عبدالرحيم، الشهيد نائل بن حمد الحويطات، الشهيد عبدالقادر الحسيني، الشهيد خضر شكري، و الأبطال عبدالله التل و مشهور الجازي و غيرهم، اثبتوا العكس، اثبتوا أن سبب هزيمتنا هو الخيانة، اثبتوا حقيقة رجل عن ألف رجل، اثبتوا معنى الشجاعة و التضحية، والأهم من هذا اثبتوا معنى حب الوطن!
" لن تستطيعوا أن تشتروا هذا الجيل، قد تشترون ملوكَنا و زعماءَنا، ولكنكم لن تشتروا أطفالنا، أتعرفون لماذا؟ لأن أطفالنا خرجوا من رحِم ترابنا، والابنُ لا يعقّ أمّه التي أنجبته،أما زعماؤنا فقد خرجوا من رَحِمكم، والابنُ لا يعقّ أمّه التي أنجبته كذلك."
أول عنصر جذبني لرويات أيمن العتوم شخصية الأم،المرأة الحديدة الحريرية،يفصح عن المشاعر الساكنة في أعماقنا لأمهاتنا بغريزة الفطرة،لدرجة إني في رواية إسمه أحمد و ياصاحبي السجن بحثت عن صور للبطلة الأم. يوم مشهود غنية بتفاصيل تاريخية دقيقة لم تذكرها كتب التاريخ،توثق أحداث منسية،والأهم أنها ترسم صورة ساحرة للقدس،تزيد من عمق محبتنا لها وتعيد ضبط بوصلة الروح لتلك البقعة.
حقا إنه يوم مشهود .. يوم الكرامة في معركة الكرامة .. الرواية تحكي قصة حياة بطل معركة الكرامة القائد الأردني "مشهور حديثة الجازي" منذ نشأ صبيا يحلم بالحياة العسكرية إلى أن أصبح قائد القوات المسلحة الأردنية .. وشارك بنفسه مع جنوده في أرض المعركة .. أسطورة من قوة الإيمان واليقين والإصرار .. بطولات عظيمة هي بمثابة وسام عزة ومجد وفخر ليس فقط على صدر صاحبها ولكن على صدر كل أردني وكل عربي ..
اسلوب أيمن العتوم أكثر من رائع يجعل القارئ يعيش كل لحظة من لحظات الأحداث .. التأهب للمعركة .. صوت الطلقات .. تحليق الطائرات .. خطوات الجنود .. والصمود الذي لا يتزعزع ما بين وجع الإنكسار ونشوة الإنتصار ..
"ما ضرني لو مت من أجل أن تحيا الأجيال بعدي .. وما ضرني لو رحلت وبقيت الأرض .. بقيت الكرامة .. بقيت الحرية .. إن ساعة في الموت من أجل الحرية لأجمل من دهر من العيش في الذل والهوان .. وإذا فلنمت .. فمن مات في سبيل الله عاش" .. .
#يوم_مشهود #أيمن_العتوم عدد الصفحات : 364 الكتاب السادس والسبعون لعام 2019 يسرد الدكتور أيمن العتوم (وعلى لسانها) سيرة شخصيةٍ أردنيةٍ عسكرية، كان معاصرًا لبداية الإنتداب البريطاني على الأردن وفلسطين مرورًا بالصراع العربي الإسرائيلي والمآسي والنكبات التي أتبعت ذلك. فكانت ذات بعدٍ سياسي أكثر من كونها سيرةً ذاتية، وقد صدحت بصيغةٍ ميالةٍ لِجَلد العرب على الأخطاء التي اقترفوها في تلك الفترة، والتي كانت السبب في كل تلك الهزائم التي مُنينا بها واحدةً تلو الأخرى، وأوقعتنا فيما نحن عليه الآن من وضعٍ سياسيٍ مزرٍ. فكانت نبرة الإخفاق المريرة تغمر الرواية كليلٍ أسدف، مما جعلها _بنظري_ رواية ذات أهميَّةٍ بالغة لكل من يرغب بالإستزادة في مسألة القضية الفلسطينية منذ شراراتها الأولى. بدأت الرواية بجملٍ سردية قصيرة ذات نغم، تضرب وترَ معنىً أكبر منها فيصدح لحنٌ عذب، فاستوقفتني كثيرٌ من العبارات، ولم أكبح جماح نفسي عن تكرار قراءتها لتذوقها. ناهيك عن فصاحة اللغة التي جمّلتها بنحوٍ بديع، ولكن مع تصاعد الأحداث المأساوية وتشابكها خبا ضوء الفصاحة قليلًا وتسيد الجمود والحزن بَدَنَ الفصول اللاحقة . وفي الرواية نجد أن العتوم دمج حقائق تاريخية مع حوارات متخيلة، فاختلط حابل الحوارات مع نابل الوقائع، حتى أنني لاحظت أنّ الدكتور قد جانب الصواب في اقتباساته من كتاب اعترافات جولدا مائير، والتي أخذ منها جزئياتٍ معينة ليكتبها في الرواية في بضع فصولٍ، وقد قمت بقراءة ذاك الكتاب بالتوازي مع الرواية، ورأيت تطابقًا كبيرًا فيما بينها إلا في جملةٍ حُرِّفَت فتغيَّر معناها فأضحت ذات مفهومٍ مغاير، بالتحديد في الصفحة 88 من كتاب مائير والصفحة 116 من رواية يومٌ مشهود! وقد بحثت عن ترجماتٍ أخرى لاعترافات جولدا مائير لعل اللغط سببه اختلاف ترجمة لكني لم أجد، وهذا الأمر تركَ عندي علامة تعجبٍ كبيرة، وأوقد في نفسي رغبةً ملحَّةٌ للفهم، أتركه بين طيات مراجعتي هذه لعلي ألقاه يومًا وأناقشه فيها. بالنهاية هذه الرواية جميلة ومهمة، ولا يمكن أن نتخطاها بقراءةٍ أولية بل تحتاج لعدة قراءاتٍ وبحوث جانبية، ليس لاستنباط الحقيقة وحسب بل من أجل الإلمامِ أيضًا بشتى القضايا المطروحة فيها، وهذا ما يجب على كلِّ قارئٍ فعله تجاه المؤلفات التي تختص بهكذا قضايا حياتية. ملحوظة: في الرواية مشهدٌ أدمع عيني ألا وهو استشهاد الملازم خضر شكري يعقوب والذي سبق وأن قمت بنشر الفيديو الذي يحوي صوته وهو يطلب قصف موقعه بعدما تمت محاصرته من قبل اليهود في معركة الكرامة عام 1968. ( واحد .. واحد.. الهدف موقعي.. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.. ارمِ ! ارمِ! انتهى) #إيمان_بني_صخر
في هذا الكون الرحب صخور تترامى.. بين انعكاس الشمس عليها فتشرق جمالا ورديا... وأخرى تتوارى خلف أخرى في دامس الليل العتيق ... قد تلمع تحت النجوم ... وقد يكشفها وجه القمر بنوره الأخّاذ... وقد تختفي للأبد ... وكمن ينحت في الصخر ليكشف لنا عن أصالتها وجمالها كانت هذه الرواية ...فقد عمد الأديب د.أيمن حفظه الله بقلمه المهاجر أن يُنقّب عمّا لا يخطر بالبال .. فيصوغ لنا مسرحا من الدهشة ...
* الرواية من بدايتها تسمو بقداسة النضال الواضح في النفس والبيئة ..حيث يدور فلكها حول معركة الكرامة وبسالة الجيش الأردني ..وقائدها البطل مشهور حديثة الحويطات
* تُبرز الرواية أيضا القتال بتفاصيله المنظمة وغير المنظمة ... وتكشف عن اتضاح ما يخفى على المتابع من بعيد فاليهود - قاتلهم الله - لهم رؤية واضحة وخطوات منظمة في سيرهم نحو فلسطين
* والإنجليز بين المقت والتودد من جهتين ساذجتين لا يمكن أن تخفى على من يعمل معهم ... وإن كانت محيّرة لبعض وجوه الإخلاص المصطنع فيهم !
* الرواية هادئة جدا في الثلث الأول منها... كمن يقتطع الأحداث ويصنع منها وردا عَبِقا ...
* أفصح الأديب بمداد قلمه السيّال عن الخيل وجمالها .. وقربها النفسي من صاحبها... وأن لها كينونة يخسر من يهملها ... والخيل أحب وأقرب من الذئاب التي تتناثر في رواياته الأخرى.
* وللصحراء قُرب نفسي يتخلّل روحي.. قليل من يشاركني به... في الرواية حروف من ذهب.. صيغت لتكشف لنا عن رهافة رمالها ... وعريق جمالها... مع شيء حاد من الرهبة . حقا من نشأ ودرج بها لا شك أنه يختنق في غيرها .فالسُّقُف المفتوحة لها امتداد نفسي يتأصّل مع العمر ..
* صوّر لنا الأديب نفسية زعماء اليهود وحرصهم على العمل مع اتضاح الفكرة لديهم لا أعرف كيف للحلم أن يقف على أقدام الحقيقة ..وأعمدته مشوّهة ...وبنيانه ملوّث.. وقواعده تَسوّل ونحيب مصطنع ... قد كتب هرتزل قرارا...وشرع أبناء الشتات بتنفيذه بكل وسيلة لاحت ...وليس للنظافة طريق إنما الجماجم سلّم الوصول
* استطاع الأديب في هذه الرواية أن ينجو تماما من أدب السجون ...واتجه بالكامل إلى دُرر من الأجمل .. وأسرج زيتها ... وأعاد لها بهاءها ... فغاص في نفس نائل العبقري الصامت والذي ما هاب ( غلوب ) وهو ضيف بأرضه.. رغم صغر سنه.. بينما كشف رقته وحنانه في شوقه الغامر لولده الطفل ( سلامة) ولهفته ليناديه ...
* وبرع الأديب في وصف الحسيني ... شعرتُ في الرواية أن الحسيني أُمّة وحده ... يقاتل يناضل.. لا يهاب ..لا يخشى إلا الله ...ذرّة خوف واحدة لم تمسّ فؤاده الفولاذي ..بينما من وجه آخر فاضت طراوة الدنيا في صدره نحو هيفاء ابنته يا لهذا الإنسان العجيب !
* وصف الجد حمد عميق ...صاحب عقل حاذق ...ونفس أبيّة...وحكمة جد بالغة.. وفدائي من الطراز الرفيع رغم أعوامه الثمانين سبحان الله ..كيف يجتمع الجمال بأقطابه في إنسان !
* حين يأتي الأديب ذِكر فلسطين في الرواية تشتعل النصوص فجأة بالشوق.. وتخفّ وطأة الحرب للحظة.. تصهر في بوتقتها كل أشكال العواطف النابضة يا لهذه الروعة حين تتناغم مع قلم نقيّ جَزل
* الإنجليز واليهود في خطابهم للعرب تكررت عبارة استوقفتني جدا حد الاذى : ( نحن نعمل من أجل أمجاد بلادنا وأنتم تعملون من أجل أمجادكم الشخصية) عبارة مفزعة لا تُنكر ..ولكنها تثير حنقا وعجزا كسيفا
* تهب نسائم الورود التي سيّجت بها يسرى بيت الحب بحكمتها وقوتها ..حين تأتي الرواية على ذكر هذي�� الزوجين الرائعين يسرى ومشهور بحروف نديّة ... هذه التوأمة انسجامهما غريب... قدرة يسرى على التفهم والاستيعاب لخليط المتناقضات .. وجبروت المسؤولية كان عزيزا على ابنة ستة عشر ربيعا
* الحب مائدة مشهور التي يقتات منها كلما جاع.. وظلاله التي يستروح بها كلما تعب
* الشرفاء حين يشتعل في صدورهم فرقد من الهمة والهمّ العظيم اسمه الوطن يعيشون تعبا مضاعفا خاصة إذا كان من حولهم جهلة...أو حسّادا..أو ماكرين ..أو متسلقين
*وصف مرارة الحرب وشوك الهزيمة كان متأججا في الرواية ..يشعر به كلما أتى ذكر مشهور
* الراحلون كانوا زادا لمشهور ... جعلوه يصمد ..ويعتلي عرش الأمانة والفوز في زمن بِيعت به الأوطان بأقلام الخيانة ... اعتدنا ان تُتقش الأسماء على الذهب ..والزخارف... أما أن تُنقش على الرصاص فذاك حبّ فدائيّ فريد !
* ( يا يسرى إنّني قد تعبتُ من كل هذا .. أما آن للجواد أن يستريح ) وأنا يا مشهور تعبتُ أيضا من تقصيرنا ..وتفريطنا ... ( والله غالب على أمره )
بوركت رحلتا الشتاء والصيف في القرآن العظيم ... وأنا انتظر روايتيّ الأديب صيفا وشتاءً بشوق للأدب وللعربية
حفظ الله الدكتور أيمن العتوم وأجزل له المثوبة ..ورزقه علو المنزلة في الدارين .
"إن الخيانة الصغيرة مثل الخيانة الكبيرة فإن الاسم وحده عارٌ لا يُغْسل ، لا يقوّم العود الأعوج إلا بالكسر . لا تهاجم لتختبر ، بل هاجم لتقتل . للمعاهدات بين الطرفين زمنٌ ، نحن لسنا من زمنها ، هذا زمن احراق كل السفن من خلفك . قاتل لتنتصر ، فإذا متّ فقد أعذرتَ ؛ ما يضير الشاة سلخها بعد ذبحها. " هل شعرتَ مرةً ان هنالك فكرة تدور في مخيالك ولكنك لا تقدر على وصفها ؟؟ هل شعرت مرةً أن هنالك قلقاً يحثك نحو شيء لا تعرف كنهه ؟؟ هل مرّ بك يوماً سيرة رجلٍ كنتَ تتمنى لو أنك قابلته أو كنتُ رفيقه أو خليله أو صديقه أو تلميذه أو في حياتك ؟؟ هل رأيتَ يوماً وأنت تقلّب صفحة كتاب يفرُ عميقاً لك سيرة أحد الكبار فوددت لو انك كنتَ أنت هذا الكبير ؟؟ هل جاء في طريقك وأنت تُصغي يوماً إلى إذاعة خبر وفاة شخص لا تعرفه فلما أتمّ المذيع الحديث عنه قلت : ليتني كنتُ أعرفه قبل وفاته ؟؟ هنا في هذه الصّفحات يرسمُ العتوم أيمن الرّوائي الأردني سيرةً مَلحميةً صوفيةً نضاليةً مَوقفيةً لِرجلٍّ أجمع على بطولته اليمين واليسار والبسطاء والحكماء والسّاسة ؟؟ هنا في هذه الصّفحات استنطق الكاتب رُوحاً عربية أردنية منذ أن كان نطفة في سديم الغيب حتى ارتفق على بطولات فردية وجماعية كانت قد ألمت بكل الفضائل وقد أدارها الكاتب على سنان قلمه مُشيراً إلى روابطَ تجد فيها العجب وإن تعجب فعجبٌ قلمه إذ نَهَدَ نحو صحراء الجنوب هنالك حيث الله والبطولة والكرم ، كانت ثلاثية جده لمشهور التي جعل الحفيد يمشّيها كما تتمشّى في الصّعيد الأراقم . . . فلقّن مشهوراً روحاً من أمره مِلاكُها أن يا مشهور إنما أنت مِسحة من الله عندما نفخ فيك من روحه ، ويا مشهور إنما أنت موقف فلا تتعجل قرارك حتى تعد للحدثان سابغة ، ويا مشهور لا شيء كالوطن فهو الاسم الذي لا يعرّف بالحروف وإنما بالمواقف ، ويا مشهور لا تخف من الليل فهو أنيس الجباه السّمر ولا تنظر إلى الخيل بكونها غير ناطقة إنما هي التي تُنصت للجرس الخفي في أنفاسك وتقرأ ما تريد قبل أن تقوم من مقامك ، ويا مشهور ويا مشهور ويا مشهور
قصة مشهور حديثة الجازي الأردني البدوي العربي أحد المقاتلين على مقربة من القدس وأحد الذائدين عن حياض الوطن والدّافعين للفتنة السّبعينية حتى لا تحدث بين الأخوين عندما كانا في غار الوطن وكان الواحد منهم يقول للآخر لا تحزن إن الله معنا ، هذه قصة الكبير الذي الذي تعلّم على يد كلوب باشا ولكنه انقلب عليه لأنه رأى فيه أبا رغال جديد ، إنه الجنديّ الذي كان الوعي عنده منكوزاً بالسّؤال والتّأمل لأنه تعلم من جده أن التّأمل والسّؤال هما بقية من نبوةٍ وما النّبوة سوى سؤال وتأمل فخرج على عسكره في غير زينته ذات يوم قائلاً لهم : يا رفاق السّلاح والوطن إن الواجب وكل الواجب ينادي علينا ان اعتصموا بحب الوطن ولا تفرقوا . . . من الذي فعله أيمن بمشهور ؟ الجواب : لم يكن الأمر بسيطاً ولا سهلاً ولا ميسوراً ولا في متناول اليد فإن أيمن أوّل همز أنامله فمرّ على كلّ ما وقعت عليه عينه مما يتعلق بسنوات قضاها مشهور في حياته فقرأ الأدب في السيرة الذاتية والغيرية ومرر رأس قلمه على كلّ الأحداث والمواقف التي شكلت شخصية مشهور بل وكل الشخصيات التي وردت في الرواية ثمّ كثّف الأفكار حتى تركها تأخذ مواقعها في رأسه وأشار برأس قلمه كما يشير المايستر لفرقته فينقل النغم من آلة لأخرى ومن محترف لآخر حتى استقام له الفريق والفرقة والفيلق من الحروف والكلمات والجمل حاملةً الأفكار لترقد بين الدفتين مشكلةً يوماً مشهوداً قطع فيه أيمن قول كلّ روائيّ يحاول حرف الحرف عن الحقيقة.
هذه تحفة فنية بلغة فصيحة عالية مرر العتوم يده على فانوسها فخرج المارد ملبياً ما يطلب ؟؟ فقال أيمن له :
أريد من زمني ذا أن يبلغني ما ليس يبلغه من نفسه الزمن
روي لنا المهندس أيمن عبد الرحيم(فك الله أسره) أنه بعد هزيمة 1948 ظل أهل فلسطين يأخذوا أولادهم ويصعدوا ليطلقوا النار على معسكرات الصهاينة، حتى وهم يعلمون أن ذلك الأمر بلا جدوى، وحينما سألوهم عن ذلك، أجاب أهل فلسطين: نعلم أن المعركة انتهت ولكن لكي يظل يتذكر الصغار..
تلك الرواية واحدة من تلك الرصاصات، الرصاصة التي يدوي صوتها في السماء أننا مازلنا نعلم أن هناك فلسطين، وأنها قضية، وبرغم أن الطغاة كعوب بنادقهم فوق جباهنا، ولكن أرواحنا ليس فوقها أحد سوى خالقها..
تحكي الرواية قصة بطل معركة الكرامة التي خاضها الجيش الأردني، وقصة قائد أركان الجيش العربي مشهور الجازي..
في تلك المعركة حاولت جيش الاحتلال الصهيوني احتلال نهر الأردن، وكسر إرادة الجيش العربي الأردني، ولكن خرج لهم جيش الأردن بالتعاون مع منظمة التحرير الفلسطينة وحركة الفداء الفلسطيني فتح لكي تصليهم من جحيم المدفعية وكتائب المشاة نار جهنم على أرض الله وبئس المصير..
أحداث الرواية لا تقف عند المعركة وحسب، بل تصف قصة الصراع العربي الصهيوني من قبيل ثورة 1936 إلى معاهدة مدريد وعصر التسليم إلى الكيان من قبل الطبقة السياسية الحاكمة العربية .
البطل هذه المرة لم يكن اللفظ الذي يجيد نسجه العتوم بمهارة لامثيل لأحد بها من أدباء عصره، ولم يكن الخيال الرائع الذي يذهب بالقارىء إلى السماء، لقد كان البطل هذه المرة شيئا آخر، البطل هذه المرة كان فوق العادة، كان الحدث، الحدث الواقعي، سيف الهزيمة الأليم وهو يقطع الرقاب، وخنجر الخيانة المسموم وهو يضيع الأرض وينتهك العرض، أكاد أزعم أني قرأت كل الكتب التي تحك قصة الصراع العربي الصهيوني، أعرف أسماء أبطال كل معركة، ولو هناك كتاب يسرد فقط أسماء الجنود لحصلت عليه وحفظتهم مثلما أحفظ تشريح الجسد، مع ذلك بكيت وأنا اقرأ مشهد الهزيمة، إنني لا أصدق أن هناك مشهدا ما في التاريخ دخل فيه موشيه دايان القدس وصمت قادة العرب..
شكرا للدكتور العتوم أنه أطلق تلك الرصاصة وضبط بوصلته نحو فلسطين، فكل البوصلات التي لا تتجه نحو صلب قضيتنا هي بوصلة في الإتجاه الخاطىء، وكل قضية لا تنتهي بأن نذهب إلى القدس هي قضية فاشلة.. وحتى لو تلك الساعة ليست لنا فنحن لا ننسى..
تدور أحداث الرواية عن بدايات ولوج المحتلّ بلادنا العربية ؛ ذاكراً الأحداث المفصلية في التاريخ وفي حياة كل عربي منذ وعد بلفور الغاشم بإتخاذ فلسطين وطن قومي لليهود مروراً بحرب ال 1948 و حرب ال 1968 ( معركة الكرامة) ؛ و ختاماً بحرب الفدائية والجيش ؛
ترجع بك أحداث الرواية إلى تلك الأزمان التي تجرعَ بها أهلونا ظلم العدوان و مرارة التهجير ، ما كنتُ أسمعه من أبوايَ وأجدادي قرأتهُ في رواية يوم مشهود فأحسستُها كالختمِ على صدق ما سمعت ...
عندما تقرأ ما كتبه الدكتور العتوم في وصف مشاعر الثّوار وكل شريف أتى من شتى أصقاع الأرض ليُساهم في التحرير حتى لو كان على مستوى فردي ، يُضيئ في نفسك ذاك الرُواق الفسيح المُفضي للروح ؛ المُطل على القلب فتزهرُ بساتين من حبٍ وفخرٍ وشوْق ، ثم ما تلبث أن تَغتالَ الغصّات ما أحْيَتهُ في قلبكَ منذ قليل ...
تتناوشكَ المشاعر وتُلقي بك الأحاسيس في غياهبَ مجهولة فـ تارة تحسّ بالعزة والكرامة ، وتارة تشعر بالذلّ والهَوان ، ودائماً تقشعرّ نفسك من مكائد الخيانة وغطرسة المُحتل ...
لم تكن فلسطين يوماً حكراً للفلسطينيين !!! فهي كالهواءِ كالماءِ كالسَماءِ كالأسْماءِ كالمطرِ كالقمرِ كالشمسِ كالندىِ كالسلامِ كالإسلامِ كالحُبِ ... ملكاً للجميع ...
فلسطين أرض الأنبياء ومهد الديانات السماوية ، كانت وما زالت وسَتظل قِبلةَ العاشقين وملاذَ المُتيَمين وبوصلةَ كل شريف عزيز يأتونها من كل حدٍ وصوْب حاملين أرواحهم على أكفهم تهون في سبيل تحريرها ...
وأخيراً :
. . .
هل تعلم أنّ : القائد العسكري الأردني الفريق الركن " مشهور حديثة الجازي" من عشيرة الحويطات المولود في مَعان عام 1928م والمتوفى في عمّان عام 2001م هو قائد معركة الكرامة وبطلها الأول الذي مرَّغَ أنوفَ الإحتلال بهذا النصر الميمون !!!
أنا واللهِ لمْ أكنْ أعلم !!!
ربما لم تُسعفني المناهج في سنواتي المدرسية الإثنتي عشرة ولا حتى في سنواتي الجامعية الأربع حتى أعلم !!!
شكرا دكتور أيمن لإنّك في كل مرة تُعرّفنا بشخصياتٍ غيّبها عنّا التاريخ قَصداً أو قسراً !!! تطوف بنا بعوالم لم نسمع عنها فتحيطنا بل وتزيدنا علماً بها ...
أنْ يغرُز التاريخ لنا بين طيات الكُتب.. أن نرى نصر فلسطين تارةً وخذلانها تارةً أُخرى.. أن نشهدَ الحرب أمامنا ونكونُ شاهِدًا وذليلًا عليها!.. حيثُ صوت الرصاصات التي أخترقت آذاننا، مِن المدافع والقنابل والألغام التي حُفرت لها.. أنتَ وأنتَ تقرأ المشهد، يُهاجمك الشعور إلى أن تزيل حبات الرملِ من أورقةِ الكتاب!، أن تسترث بندقية وأن تُقاتل مع الكلمات. كَمِثلَ مشهورُ الآلاف بل الملايين!.. اللذين وُلدوا من رَحِم السّلاح.
إننا عُراة، جياع، مُمّزقو الثّياب!! فالإنسان حينما يكون بلا كرامة، بلا وطن ،بلا صبر ولا نصر يبقى عطشانًا لها، يُراودهُ شعور الانكسار والخذلان! مُتعبون من كُل شيء، يبحثون عن أكتافٍ يُسنِدون عليها رؤوسهم ولو كانت من خشب! فلسطين، العلم الدامي، الجوعى إلى الوطن إلى النصر إلى الحُرية إن أمكن. هذه الرواية أكادُ أُجزم إنها دخلت إلى أعماق فلسطين: شبرًا شبرًا!! مرت من يافا وحيفا وعكا وطبريا وصفد والناصرة وبيسان والرملة واللد وعسقلان وبئر السبع والنقب.. إلى القُرى والمُدن للجسور والزنازين واللحروب. كما خسرنا الضفة وغزّة وسيناء والجولان..! أظهرت عظمة الحرب: الساحة الفسيحة، صيحات الثائرين، استغاثات المكلومين ، الإذاعات العربية، المعسكرات، الأنظمة... شهدنا الحربُ نحن، قاتلنا عدو البلادُ نحن بِزَّمّ الشفاه وقضمها، بويلات الآهات، بتصفيقات النصر من على الكتابِ، بالقيامِ والجلوس والتحياتِ ، بالأمل في سياق الكلمات، والخيبة بعد حين.. حيثُ اللوم الذي كان وجه من وجوه الهزيمة المُقنعة. وكَإبنةُ فلسطين، من الداخل المحتلّ، بالضبط من بئر السبع من حيثُ سقطت غيرها ، كمثلها عشرات القُرى والمُدنِ التي ذُبِحَ أهلها ذبحًا كما وصفت كذبح الشياه، بالضبط من الذين هُدموا بيوتهم وجُرفت أراضيهم من الذين دُفِنوا أحياء تحت الرّكام، كما وتغيرت أسماء مُدنها بعد ترحيل أهلها بالكامل وتسميتها بأسماء عبرية، وإقامة بلادهُم فوق دماء شُهدائنا، ورُّكام بيوتنا وعلى أراضينا..! إلى القُدس!!!!..ثُمّ؛ ..فُرضت شروط.. وأُعطيت هُدن.. لعلّ في الأمر عودة! لكن، أقرّوا قرار التّقسيم لحماية اليهود، وبعد أنْ يتأكّدوا بأنّ اليهود لديهم ما يكفي لإقامة دولته سيرحلون، ويتركون فلسطين نهبًا مشاعًا. كانتْ فلسطين يومَها عروسًا، كلّ أمّة تدّعي حقّها في الاقتران بها، ومع أنّ أكثر مَنْ جاؤوا إلى هنا دفعوا دماءَهم مهرًا لها، إلاّ أنّ الدّم وحده لم يكنْ كافِيًا، كانتْ هناك أشياء أخرى كثيرة لا يُمكن الحدْسُ أو التّنبُّؤ بها! ليس هناك ما هو أجمل من فلسطين، شيءٌ ما فيها مختلف، ولئنْ سألتَ ما هو ليُعيِيَنّكَ الجواب؛ قد يكون البحر، نسائمه العليلة. قد يكون هذا السّمو في جبالها، شاهقة كأنّها تأنف أنْ تظلّ في القيعان. قد يكون سهولها المُنبسِطة الّتي تجد فيها من كلّ ضيقٍ مخرجًا. وقد يكون كل ذلك مُجتمِعًا، ولكنّني أرى أنّ الأمر ليس بهذه السّهولة، ولا بهذا الوصف الشّاعريّ، هناك شيءٌ يُلمَس ولا يُقال في حقّ جمالها، شيءٌ من الصّعب أنْ تُعبّر عنه ولو كنتَ تملك لغات العالَم كلّها، شيءٌ ما يمسّ الرّوح الّتي فيك، يمسّ حواسّك المئة، ليسَ حواسّكَ الخمس، فتلك أقلّها استشعارًا لذلك الجمال، هناك أشياء أخرى كثيرة، هل يُمكن أنْ تصف الجنّة، أيّ لغةٍ تلك الّتي تستطيع أنْ تجعلك تتخيّل ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سَمِعتْ ولا خَطَر على قلب بشر!!
وذاك الباسل الشُجاع المقدام "مشهور"، الذي أبى أن تتوقف المعركة، أن يُهزم، ويُذل!! غيُ عن كُل قادات العرب الذين صنعتهم المعاهدات البريطانية، الذين تركوا فلسطين بحجة السلام!، وأيُّ سّلمٌ هذا الذي يُنزف منهُ كل طفلٌ فلسطيني؟!.... ثُم الثمن الذي هو كرامة الانسان، كرامة العيش أن حياته ليست أثمن من مبادئهُ! الثمن؛ الذي يدفعهُ المُناضلين، المُكافحين كما دفعهُ مشهور من الاغتيالات والخون والجواسيس من الحرقة والخذلان والألم!! ثم؛ تحرقُك نار الانتظار والشوق واللهفة إلى كُل شيء..للأمنيات المحبوسة في الصدور، للأمهات والآباء والآجداد الذين في القُبور الذين غاصوا في الثرى وأصبحوا عظامًا..!! ومن أعمق العبارات التي بَيّنتْ المُناضل عن غيره: لن تستطيعوا أن تشتروا هذا الجيل، قد تشترون ملوكَنا وزعماءَنا، ولكنّكم لن تشتروا أطفالَنا؟ أتعرفون لماذا؟ لأنّ أطفالَنا خرجوا من رَحِمَ تُرابِنا، والابنُ لا يعقّ أمّه الّتي أنجبتْه، أمّا زعماؤنا فقد خرجوا من رَحِمكم، والابن لا يعقّ أمّه الّتي أنجبتْه كذلك". نهايةً وإن استطعتُ أن أُجازيكَ حقّها: أن في أسلوبك ووصفكَ جمال رهيب!،أسكنتَني الحرب وإني لِسْت بأُبالِغ! نحن نعشق روح الكلمات فيها!، نفهمُ ونتعلمُ وننشُرُ منكَ لنا. ليُبارك الله بِقَلمكَ وزادك نفعًا وعلمًا وعلى خُطاكَ نسيرُ.. . -أسماء علي، فلسطين، بئر السبع.
This entire review has been hidden because of spoilers.
الرواية تجيب -ببساطة مريرة- عن سؤال "كيف ضاعت منا فلسطين؟" رواية تمكَّنك من قراءة التاريخ بوجهه الشخصي، تُسمِعك صوته الثرثار، تعيد تشكيل العقل، تمس الروح، وتصطدم بالقناعات فتزيل منها ما يستحق أن يُزال، وتُبقِي على ما هو جدير بالبقاء، لا يمكن إغفال سطرٍ منها، كان العتوم بعبقرية يفصل بين كل عبارة وعبارة بتاريخٍ ما انتبهنا إليه يومًا، واضعًا أصابعنا على بقعةٍ في خريطةٍ ما انتبهنا لها قط، مهما أوتيت من بلاغة لن تستطيع أبدًا وصف شعورك بالكلمات التي كانت بمثابة لكمات قاسية.
أحببت الجد، حمد بن جازي، كاتب أعظم الأسطر في تاريخ الصحاري وجغرافيتها، شعرت به، وبصوته وهو يُنشد الأشعار ويأخذ قسطًا من الأناشيد، بل رأيته في مواضع عدة، رأيت عقاله وعباءته البدوية ولباسه العربي، رأيته وهو يبكي الشقراء، رأيته وهو يبتسم إعجابًا بمشهور، رأيت العجز وهو يخطو أول خطواته على وجهه، هل تُعيد الجغرافيا تشكيل الوجوه؟
أما مشهور؛ كانت شخصيته بالنسبة لي تُمثل نسيجًا يدعو للدهشة، كان خليطًا من الشيخ سلطان، جده، خاله نائل، عمه هارون، وعبد الرحيم! كان سلاحًا يمشي على قدمين، روحه كالبارود، صدره مستودع للتاريخ وحكاياه، كان هو تجسيدًا لمعنى النضال والبساطة والصدق، بدايةً من 1943 حين صار جنديًا يحمل رقم 505 وحتى آخر نفسٍ، كنت أشعر أنه كخيطٍ؛ مربوط أوله بالأردن وبالرشادية، وتتشبث نهايته بفلسطين وبالقدس، كان ممزقًا بين إيمانه العميق وعالمه المتخاذل، له قلبٌ ينبض ملء الكون وما كان كافيًا!
من أين يمكن أن نبدأ إحصاء كل هذه الخطوات العبثية؟ ربما من 1944 حين تم تهجير ثوار فلسطين؟ أم حينما وافقت الأمم المتحدة على قرار التقسيم وصار إلزامًا علينا حماية الصهاينة؟ كنا نعلم أن الانجليز لن يساعدونا في إطلاق رصاصة واحدة ضد اليهود، فلماذا كان الجيش العربي يأتمر بأمرهم؟ ثم تقرر جامعة الدول العربية تقسيم فلسطين إلى أربع قيادات عسكرية، ما كل هذا النفي المقيت؟ كان من الطبيعي أن تتشكل جماعات من المقاتلين للدفاع عن الأرض ولكن لم يكن أبدًا من الطبيعي أن تكون بلا قيادة وبلا خطة، ورغم ذلك كان لهم انتصارات صغيرة، مُبعثرة، بدائية، تحفر في إرادة الصهاينة، كانت الأسلحة -للأسف- مكدسة ولم يُسمح لأذرع المجاهدين بحملها، هل كان جيش الإنقاذ الذي بعثته جامعة الدول العربية خيانة؟
في عام 1948 أعطى الملك عبد الله أمرًا لعبد الله التل بالتراجع، وتم احتلال القدس، كانت ضربة قاصمة -وبديهية- للمجاهدين، في نفس العام مات عبد القادر الحسيني، ولا داعي لذكر ما حدث في بقية العام يكفي أن نعبِّر عن اشتياقنا لصوت عبد الرحيم محمود وهو يقول "لعمرك إني أرى مصرعي ولكن أعدُّ إليه الخطا" في عام 1949 تم حل جيش الإنقاذ، كأنه كان وهمًا أو لعبةً هزلية. في عام 1951 قام مصطفى عشتو بتصويب ثلاث طلقات في صدر الملك في عام 1965 كان بورقيبة في عالمٍ موازٍ يدعو لتسوية النزاع العربي الإسرائيلي! كان كل هذا وذاك تمهيدًا لعام 1967 عام الحزن العربي، خسرنا غزة، سيناء، الضفة، الجولان، عشرين ألف شهيدًا، وأنفسنا، لم يعد بعدها في العيون دموعٌ لكي تذرف، جزءٌ منك يُسلب ويُبتَر وأنت مكتوف الأيدي، توجهت بعد ذلك البنادق في اتجاه عكسي، كنّا ومازلنا نستقوى على أنفسنا، فقد استمرت الحرب بين الجيش والفدائية ما يقرب من ستين يومًا، لم يكن الكيان الصهيوني يومًا قويًا، لم يكن يومًا كيانًا بالأساس، بل ساعده العرب والعالم كله في أن يتجذر ويتشعب في كل اتجاه، يا الله ألا توجد غصة تحز في ضمائرهم؟
هذا العمل الأدبي التاريخي لا يناسب الجميع، يتطلب طاقة ذهنية قوية، لكن لا عزاء ولا سلوان منه.
كل مرة اقرأ له فيها لا أعود خائبة. د. أيمن العتوم شكرًا لك على كل رواية قد كتبتها عن تاريخ ما أو شخص ما لم أكن أعرف عنه شيء إلى أن قرأت روايتك. مع انتهائي من رواية (يوم مشهود) ومع كل صفحة كنت أحدث نفسي هل هي أحداث حقيقة لشخص حقيقي وُجد في التاريخ لأعود وأجيب أن د. العتوم لن يكتب لمجرد الكتابة بل لا بد من شيء ذا قيمة يريد لنا أن نعرفه ومع انتهائي من الرواية عرفت من هو مشهور الجازي أو لنقل القائد مشهور الجازي _قائد معركة الكرامة_
ماذا لو كان لدينا من هو مثل د. أيمن يفتش في تاريخنا ليخرج لنا نماذج تستحق أن نعرفها ويكتب لنا رواية نقرأها، الأكيد أننا لن نعدم أن نجد لدينا مثل أحمد الدقاسمة الذي كتب عنه د. العتوم في روايته (إسمه أحمد) ولن نعدم أن نجد مثل القائد مشهور الجازي والتاريخ به الكثير من الحوادث التي من الممكن أن تسطر في رواية كحادثة جامعة اليرموك التي سطرها الدكتور في روايته (حديث الجنود).
بمناسبة رواية (يوم مشهود) وجدت وثائقي عن القائد مشهور الجازي صنعته الجزيرة، ولقاءات من برنامج شاهد على العصر عنه أيضًا ولكن لم أكن لأعلم عن كل ذلك لو لا د. العتوم فرضي الله عنه وجزاه عنا كل خير.
"غَدُنا الّذي سَنَموت حتى لا يـموت.. غَدُنا الذي يَنْهار في زَمَنِ الثُّبوت.. هَذي البُيُوت تَموت يا جدّي، وكم ماتت على وَجَعٍ بُيوت.. غَدُنا الذي قَد صار بعد تتابُع الأَهوالِ أَوهى مِن خُيوطِ العَنكَبوت.. لكنّه يوماً سَيُزهِر مِثلَ بُرعُمَةٍ تُحاول أَن تَشُقَّ الصَّخر في دَأَبٍ صَموت.."
الكرامة.. وأيّ كرامةٍ بعد يوم الكرامة هذا؟ كانوا قد أخبرونا أنّ معركة الكرامة ما هي إلا كذب ووهم ولم يكن هناك أي معركة ضد الاحتلال وأي مواجهة ضد هذا العدو الغاصب من قِبَل العرب، بل إنهم خذلونا ورقصوا على دمائنا حتى نكره بعضنا بعضا أكثر فأكثر نَفترق ثم نُمحى هذا ما أرادته الحكومات العربية قبل أن تريده إسرائيل 'فَرِّق تَسُد' وهذا ما حصل بالفعل... رَحِم الله قائد المعركة والشهداء اللذين دافعوا بأرواحهم قبل أسلحتهم عن وطنهم وكرامتهم رحم الله مشهور الجازي وجزى الله عنا الكاتب كل خير عن ما أطلعنا عليه من تاريخنا الذي تَشوّه وانمحى معظمه بل وتدنس.. يوم الكرامة يوم تاريخي يجب أن يحفظ بالقلب قبل الذاكرة ومشهور الجازي علم من اعلام النضال والثورة.. لا خير في أُمّة باعت بلادنا لتحظى بالكرسي وال��نصب ولعنة الله على الحكومات العربية جمعاء من الخون والعملاء لا بارك الله فيهم ولا بأعمارهم.. ونحن لن نتحرر من اليهود حتى نزيلهم جميعاً من جذورهم ولا نبقي على خائن منهم..
أَيستغفلوننا بأنهم جهزوا جيشاً عربياً ودخلوا به الحرب بقيادة الإنجليز!! لِمَ لَم يعترفوا بأنهم إنّما دخلوا الحرب لحماية اليهود لا ليطردوهم من بلادنا.. "لَقَد هُزِمنا"..! بَل الحكومات الخائنة هي التي هُزِمت الشعب لا يهزم شعبٌ يناضل ضد العدو بكل ما يملك من إرادة لا يمكن أن يهزم بل سنحررها ونطهرها منهم بِإِذن الله وإرادتنا التي كانت كفيلة بِرَدّ كرامتنا بيوم الكرامة 'نحن جيل التحرير'، ومن قبلهم حكوماتنا فلن يطول زمانهم ولا زمن الدولة المزعومة 'إسرائيل'..
شكرا لك دكتور أيمن أدخلتنا لصلب المعارك الواحدة تلو الأخرى والمشاهد كانت حاضرة أمامنا بكل ما فيها من أصوات القنابل وألسنة اللهب بكل حارة من حاراتنا ولو لم اكن اعرفها من قبل.. بكيت مراراً على خسارتنا الكبيرة لِمِثل هٰؤلاء الأبطال بكيت لجهلنا لأمور يجب علينا معرفتها من تاريخنا النضالي العريق فلك جزيل الشكر...
بعضٌ من المقتبسات:- - الخالدون يستوطنون الكتب؛ الكتب لا تموت. - المتعبون يبحثون عن اكتاف يسندون عليها رؤوسهم ولو كانت من خشب. - كلنا ولدنا من أرحام متعددة كلنا متشابهون وحده رحم السلاح هو الذي ميزه عن الآخرين. - لا تستطيع ان تساعد الناس إلا بأن تصبح واحداً منهم. - بوصلة لا تشير إلى فلسطين، ستكون بوصلة عميلة عمياء. - ليست كل الأيادي التي تمتد اليك بالورد صادقة. - ضحكة العيون لا صوت لها لكنها أبلغ من ضحكة الشفاه. - التاريخ ليس بضاعة يشتريها من يملك مالاً أكثر، إنه روح، إنه حركة، إنه يُكتَب بدماء التضحيات.
جميلة .. مميزة .. بل هي عظيمة 🌸 مرت فترة طويلة ما قرأت كتاب بسبب التوجيهي لكن عدنا والعود أحمدُ .. كنتُ متحمسة جدًا لقراءة رواية ولكي أعيش حياة أُخرى .. فأُسلوب العظيم " أيمن العتوم " متناسقًا بل متماسكًا لا تكاد تبدأ القراءة فلا تستطيع التوقف عن ذلك فأنبهر بكل رواية قرأتها وكأنني أقرأ لأول مرة من شدة الدهشة وأتمنى أن لا تتخلص الرواية وتصبح لا نهائية فتقمصت الدور وعشت بها بل وأكثر فأصحبت أرى نفسي في المنام بشخصية الرواية ✨ فمع جمال أسلوب العظيم ووصفه الجبار لن تقرأ وتكون مجرد رواية بل وأكثر ستعيشها بكل تفاصيلها وتنعزل عن حياتك لتعيش حياة أُخرى ❤️ فكما قال العتوم بالرواية [الخالِدون يستوطنون الكتب؛ الكتب الّتي لا تموت، أرأيتَ إلى هذا الكون الفسيح؛ كلّهُ في كتاب!!] 📚 تتبعثر الأحرف أمام وصف الرواية من احداثٍ إلى مرارة الحرب وصعوبة الهزيمة حتى تأتي للجد الحكيم الذي كان من أعظم بل من أعجب البني آدمين ✊🏻 بوركت يمناك أيها الكاتب العظيم 🌹 -هبة الحنيطي
إنّ المنيّة عند الذُّلِّ قِنديدُ الجزء الأول فوق كلّ شاهق.. سابحًا في المدى.. مردّدًا آخر ما تبقّى من كرامة في النفس.. يعلو صهيل الشّقراء.. مدوّيًا.. جامحًا.. مزمجِرًا.. غاضبًا.. " وما الخيل إلا صوتها".. ومن ذا يفهم صوتها؟!! "إن للخيل لغة لا يفهمها إلا من أحبّها، ولو كانت ذا لسان لكانت أفصح منّا".. هذا الصهيل.. يستنهض نجوم الليل الحالك أن تنهض.. ويستنطق البطولة في الأرواح الظمأى إلى العزّة.. فمن ذا يجيب آخر النداءات.. وأحرّ الأنفاس؟!! هاهو ذا صوتٌ ما.. أتراه ذات الصوت يسترجع الصّدى، أم صوت آخر مازالت روحه الجذلى بالنصر تُردّد؟؟..بلى.. إنّه صوت شقراء جعفر.. وقد تشابها في الوسم والأصالة والجمال.. وفرّقت بينهما حقب التّاريخ.. تصهل شقراء جعفر.. تصرخ حين يعقر قوائمها.. ليختلط دم قوائمها بدم ذراعية الثاعب الممسك بسارية الراية.. وليتلقّاهما الثرى كما تتلقّى الوالدة طفلها الخارج من رحم النور.. فروته تلك الدماء الزكيّة، وعمّدته روح الأنبياء الّذين مرّوا عليه.. وباركته سنابك الخيل الّتي شهدت مشاهدها هنا..وسطّر التّاريخ سفره المفتوح، ..فهل ينسى الثرى أبطاله، ويتنكر لأبنائه؟!! لأجل عيني الحبيبة.. تلك الكامنة فينا.. الساكنة ذواتنا.. إنها بلادنا.. وبلادنا قبس.. ونهار.. وتراب وأريج ونجيع، "أوطاننا قلوبنا".."ودونها أعناقنا".. و"من لا وطن له لا قلب له".. و"الكتابة وطن لمن يمتلك أذنين ليصغي، وقلبًا ليقرأ.. وهي حياة كاتبها، وانبعاث من الموت كلّما قدُم الزّمن..أمّا الخالدون فإنّهم يستوطنون الكتب".. لكن الكتابة هنا.. ليست ككل كتابة.. إنّها رواية الحرب.. "ليست حربًا واحدة، بل حروبًا متشعّبة، حياة كلّها في ذلك الأتون".. و"من يكتب عن ذلك عليه أن ينقش أحرفه بالدّم لا بالحبر".. ماذا يقدّم لي (أنا الإنسان البسيط) هذا العمل؟؟ هل أجد فيه نفسي؟؟ هل أقرأ فيه ذاتي؟؟ مالذي يعنيني ويُعنّيني أن أقرأ ؟؟ يتجاوز هذا العمل زمانه ومكانه.. ليرسم ملامح أيّ نصر من اليرموك إلى عين جالوت مرورًا بميسلون إلى الكرامة.. ويقدّم لي البطل إنسانًا وهذا المعيار (الإنسانية) وتجاوز اللون والجنس والعرق.. يتقدّم علبى اللغة والبناء الفنّي، فهو يستدعي قضيّتي ويهيج أسألتي ويحثّ روحي ويستنهض تاريخي.. بعيدًا عن التكلّف والصّنعة.. • مأزق الحريّة والهويّة وديناميكية التعبير عنها إنّه مأزق الإبداع- مأزق الإنسان الذي يمتلك ذلك الحنين والتّوق للشمس، في "فترة سوداء بالنسبة للمجتمعات العربية كافّة" كما يقول الأستاذ المصري (شعبان ناجي) في مقالة حول الكاتب وصناعة الحريّة، فليست فترة الاستعمار الأجنبيّ وحدها الّتي وصمت بالسّواد، بل مازال القمع ومقصّ الرّقيب والخطوط الحمراء تتربّص بالكاتب الحرّ، وتهدد مسيرة الكاتب وتضيّق الخناق عليه فتجعل حرّيته محبوسة، وما تزال مقولة الأديب الكبير يوسف إدريس بأنّ "الحرّية الممنوحة لكتّاب الوطن العربيّ لا يكفي مقدارها كاتبًا واحدًا" صالحة حتّى في عصر الانفتاح ووسائل التّواصل والانترنت!! ليس الإبداع المأزق الوحيد.. بل إنّ الوعي مأزق.. والهويّة مأزق.. وفي هذا الصّدد يرى إدوارد الخرّاط "أنّ فكرتي الأصالة الثّقافية والهويّة الوطنيّة متقاطعتان، وقد تجمعان عوامل الثّوابت والتّغيّر، ويتجاوزان الحدود العرقيّة والمحددات الجغرافية".. وهذه الرّواية "يوم مشهود" تقذف بنا في هذه اللجة.. وتصدم وجوهنا بحاجز زجاجيّ لا نراه ولكنّه يوقظنا لنكتشف أنّه يعيش فينا.. إنها لا تعتمد على ذلك الموروث والمقالات المدبّجة التي تُطلق في آذاننا عن القوميّة والأمجاد والانتصارات الزّائفة.. بل "إنّها جسد يُعاد تشكيله، فهي ليست ليست حقيقة أسطورية بلاغيّة شبه رومانسيّة كما كانت في تيّارات الفكر في الستينات والسبعينات...فالهويّة الوطنيّة لا تكتسب مصداقيتها ومققدرتها على البقاء إلا بقدرتها على التطور والتفاعل مع المعطيات الاجتماعية والسياسية والثقافية ووعيها بهذه الخصيصة- خصيصة الانفتاح.. والعالمية" إنّها كما قال لوركا:" ...تجلّي روح المبدع يستلزم تغييرًا مُشعًّا للأشكال والطرز القديمة، ويهب إحساسًا بالنّضرة..جديدة كلّ الجدّة، كوردة تخلّف حديثًا كمعجزة ويولّد في النّهاية ما يشبه الحماسة الدينية..صرخة تواصل مع الله من خلال الحواس" . إنّ العمل الأدبي الرفيع الذي يتجاوز الزمان والمكان، ويتجاوز الجنس واللون، هو الذي يستمدّ ديمومته من الإنسان نفسه، ومعيار الإنسانيّة متقدّم على المعايير الأخرى، وهذا العمل.. هو أدعى للانتشار من غيره، لا سيما إذا خلا من التكلف والصنعة، لأنّه يستدعي قضايا الإنسان وهمومه.. وأين مصداق ذلك في هذه الرّواية..أين نجد هذه الديناميكيّة والسّعي للعالمية في الخطاب الروائي؟؟ "أنا هنا..مازلت واقفًا على حد السيف أقول للتاريخ كلمتي، وأنقل للأجيال هذه الروح النّضالية" "أين يعيش الموتى؟ في القبور. كلا العظام تعيش في القبور. في السّماء، كلا الأرواح تعيش في السّماء. يتدلّون من تحت الأشجار؟ كلا: قطرات الندى هي التي تتدلّى. يذوبون في الهواء. كلا، السحاب يذوب هناك. فأين؟ في الكتب. الخالدون يستوطنون الكتب، الكتب التي لا تموت، أرأيت إلى هذا الكون الفسيح؛ كلّه في كتاب!!" • التّصنيف العصيّ على التّصنيف تأتي هذه الرواية على مقدار ما تطلبه النّفس.. وما تشتهيه الهمم.. دون أن تغفل للرواية خصائصها.. فهي سيرة ذاتية إلى الحدّ الذي تعيش مع البطل وتندمج في عالمه الداخلي.. ليجذبك خيط الرواية وينظمك في عقده.. وتقرأ بين سطورها تلك الحقائق الوثائقية لكنّها تأتي في سياق الحوار والوصف، فتُغري بك الذاكرة لتنبش وثائق تلك الحادثة وأيامها.. أمّا التّصنيف الذي لا ينفكّ ملتصقًا بهذه الرواية، فهو (أدب المقاومة) بكافّة تجلّياته فهي: "متّصلة بالمعنى الإحيائيّ للموت في سبيل الحقّ..مستشرفةً: "ولاتَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللهِ أَمْواتًا ..بَلْ أَحْياء" (آل عمران،169)... وهي ارتباط غريزيّ بالمكان والأهل ممزوجة بنبض الكاتب ومغسولة بمائه السّحري، ومولودة ولادة جديدة وخاصّة من خلال الكلمات" .. أسأله:"أتهديني هذه الوثيقة؟". فينتفض وهو جالس في مكانه:"كلا مادمتُ حيًّا، فإن متّ فحافظ أنت على العهد الذي قطعناه على أنفسنا ذات يوم". ويسأل من جديد:"أنشدّ على الخيل؟" فأقول له:"إنّها تسعون عامًا يا جدّي!" فيقول بتحدٍّ:"أنا أكثر شبابًا منك..." إنّها الرّوح الّتي خلقت لتقاوم.. لا لتقرأ وتنسى!! وليست المقاومة فكرة فحسب.. بل جسد وروح.. كلمة تنبض ولغة تتجلّى.. والمقاومة إقامة في المكان، لكنّها إقامة دامية أو إقامة ضنك، لكنّها تحلو ...فثمّة إذن" حراسة للمكان قريبة من السحر أو القداسة، ثمّة تعلّق بالوطن، فليس سوانا أحد ليطيّب خاطر الغسق، وليمسح الغبار عن جبين الحجارة، والعرق المتحدّر عن زنود المقاتلين.. وليس سوانا أحد ليستقبل أول النهار في القرى الجنوبية وليودّعه حين يأتي المساء" "واقف هنا منذ ستين عامًا لأعود لنفسي.. أطرق الأبواب التي غاب سكّانها، وأمشي في الدروب التي رحل أهلها، وأسأل الوجوه التي تبدّلت، وأنتظر الإجابات التي ماتت"ص363 في هذه الرّواية حساسية مفرطة تهيّجها المظالم، ويثيرها الذلّ، تقف موقف الملتزم بالدفاع عن العدل والحقيقة والحريّة..فكلّها"أعين تبصر، وآذان تصغي، وشعاع ضوء حادّ يسري في أركان مسرح الحدث، فيكشف ما يجري في الظاهر المٌعلن والباطن المستور.." • تجلّيات المكان وال��حث عن الج��ال: انطلاقًا من النقطة السابقة (المقاومة-باعتبارها تجذرًا في المكان) تأتي هذه الأسطر.. المكان وتجلّياته.. ولِمَ المكان؟ وماذا يعني؟؟ وكيف يُؤوَّل؟؟ "ربّما كان المكان أهمّ المظاهر الجمالية الظاهراتيّة..مما يستدعي الاهتمام به وتقصّيه" .. والبحث عن الجمال ومكوّناته دعوة للمتعة والتّلذذ بالعمل الفنّي..وهي بحاجة إلى تتابع النظر والتأمّل..فالاستمتاع بالعمل الفنيّ لا يتمّ دفعة واحدة..وإنّما هي عملية نامية متدرّجة خلّاقةفإنّ أسوأ تجارب الحبّ، هي التّجارب التي تبدأ بالنظرة الأولى وتنتهي عند النظرة الأولى.. ليست إدامة النظر ورجع البصر كرّة بعد كرّة يكفي وحده.. بل "يتحقّق هذا الإحساس بالجمال من خلال تمثّل المتلقّي له، على شكل تجربة نفسيّة تعيش في جو فنّي يماثل ذلك الّذي صنع فيه الأثر الجمالي، فينساب إلى نفسه، ويتسلل إلى روحه، ويحدث فيها حالة من البهجة والسرور، والمتعة وهي اللّذة" وللمكان في هذه الرواية تجلّيات عدّة علّني أقف على بعضها.. "الصحراء فراغ بعد الفراغ، لكنّها تبكي..." " إنّ سرّ الصحراء يسري في دمي، وشغف الهُيام بها تحوّل وسواسًا منذ ذلك اليوم الذي سقط فيه رأسي على رمالها اللدنة، إنّ الصحراء ساحرة، لا يعرف سحرها إلا من أذن لها أن تنتزع قطعة من فؤاده، وعلى قدر ما تهب على قدر ما تأخذ" "تبدو الصحراء قفرًا غير متناهٍ، النظرة الأولى إلى ثراها الممتدّ، يعطيك شعورًا بحلول الموت في كلّ ذرة، الصحراء لمن لم يعشها همود.. لا شجر.. لا ماء.. لا إنس.. لا جنّ.. وعطش وشفاه متيبّسة من لهب جهنّم في الصّيف، وفراغ ممتدّ، وصمت مطبق، وهدوء مهيب، وآفاق بلا نهايات؛ ذلك ما توحيه إليك النظرة الأولى العابرة، لكنّ النظرة الثانية العميقة ستكشف لك ألف حياة خلف كل موت، وألف أمل ينبثق من تحت كثبان اليأس، ومن أدلّ على الحياة من الصحراء؟؟!!" الصحراء.. ماذا تعني الصحراء لكل عربيّ؟!.. إنه الحنين الأوّل.. والبيئة الغائبة في العين.. الحاضرة في القلب..والصحراء هنا.. لم تصوّر تصويرًا فوتوغرافيًا.. بل فيه إحالات نفسية واجتماعية عدّة، وهو مكان مفتوح للتأمّل، وهو كائن حيّ يعطي ويأخذ.. وهو مكان موحٍ ومكان رحميّ يشبه رحم الأم ويبعث على الدفء والحماية والطمأنينة.. كما إنه يهيج الذكرى والحزن والشجن.. وممّا يرتبط بالصحراء، الحديث عن عادات أهلها وقيمهم ومضاربهم وتقاليد قاطنيها، ووصف أشكالهم ومشاعرهم.. "لا يدفع الأذى إلا الأذى، ومن ابتدرنا بالسوأة فليس له إلا السيف، وللجار المنعة، ونحميه كما نحمي أبناءنا. أما الذين سوّلت لهم أنفسهم أن يطؤوا رمل صحرائنا دفنّاهم في تلك الرمال ولا نبالي، هكذا كان يعلم الشيخ حمد بن جازي عياله" ومثل هذا التجلّي كثير في الرّواية .. كما وصفت الرواية أمكنة المجمّعات السكنيّة كالقرى والمدن: القدس، لندن، الرشادية، نابلس، باب الواد وغيرها... وكانت لوحة رسّام يعرضها على لوحة زيتية بديعة مع تراسل للحواس من مذاق ورائحة وإحساس: "للقدس رائحة الشهادة، طعنة في القلب ووردة. لا يمكن أن تقرأ التاريخ، أن تعرف بوابات الخلود لا بوابات القدس، فالأخيرة حجارة، والأولى روح" ص165 "كيف يمكن لمدينة أن تأسرك كما تفعل هذه الرائعة، أنّى لحجارة أن تجعلك منخطفًا، لا تدري كيف تمرّ الأيام، ولا كيف تنقضي الساعات، مثلما تفعل هذه الساحرة؟ تلك هي القدس، نور الله الذي لا ينطفئ، وجذوة أنبيائه التي لا تخبو" ص167 فالمكان هنا، يتجلّى من خلال علاقة الشاعر به، ومشاعره تُجاهه، فهو منخطف شارد هائم بها.. وهناك تجليات لأماكن أخرى كثيرة، منها ما كان وصفًا بحتًا كأنما هو صورة فوتوغرافية؛ "أمام الدكّة التي ترتفع بمقدار شبر عن الأرض، وعليها جاعد كبير من الصوف ومتكأ من الشَّعر، وعن يمينها قربة من الماء..." ص22.. ومنها ما كان أنسيًا حيًا مرتبطًا بالإنسان ومشاعره، وليس أفجع من وصف مشاهد المعارك ومسرح الأحداث في الحرب:"قطع الفدائيون النهر، أحسّوا ببرودة مائه الرقراق...قال أحدهم: ما أعذب ماء النهر!.. الماء يغني.. الماء يضحك..."ص30 والاستفاضة في هذه الاقتباسات وتجليّات جمالها يستغرق تفاصيل الرواية، فهذه الرواية مولعة بالتفاصيل والوصف، والمكان أحد هذه العناصر..وإنّما حسبي ما ذكرت هنا... • الشخصيات: ماذا يفعل التشخيص أو (خلق الشخصيات) للرواية؟ إنّه يسمح لنا بالتعاطف مع نماذج الشخصيات الرئيسة والثّانوية في الرّواية، عندها نشعر أنّ ما يحدث لشخوص الرواية يحدث لنا بطريق غير مباشر...وما أخفاه عنّا المؤلّف وظهر في حوار أو إشارة عابرة، يعطينا شعورًا بالحريّة بأننا وصلنا إلى اكتشاف هذا الجزء من الشخصية عن طريق التأمل وعبر الإحساس الوجدانيّ الذي يثير القواسم المشتركة بين ثالوث الرواية: المؤلّف وشخصيات الرواية والمتلقّي .. فالتّشخيص قد يكون مباشرًا عن طريق الوصف..أو إشاريًا في سرد أو حوار.. والنوع الثاني هو التشخيص الذي يحرّك الرواية وتتيح لنا فرصة رؤية قلوب الشخصيات ودراسة دوافعها..لأن شخصيّة مُقنّعة في موقف صعب تخلق جوًّا خاصًا بها على رأي كارين برناردو في كتابها: (خلق الشخصيات في الأدب).. ومعلوم أنّ الشخصيات تتفاوت في أدوارها التي تقوم بها داخل البناء الروائيّ، من أهمّها: الشخصية الرئيسية أو المركزية، وهي شخصية محورية حيوية لا تغيب عن أحداث الرواية، وفي هذه الرواية (مشهور حديثة الجازي) إذ تأتي الرواية على لسانه، والحبكة الروائية تدور حوله..وكل الشخصيات الأخرى حول الشخصية المركزية، وإن تفاوت دورها هي شخصيات ثانوية.. منها الديناميكيّة أو الثابتة.. ومقياس نجاح الراوي في رسم شخصياته كما يقول توفيق الحكيم هو في جعل" شخوصه الفنية لا تكون فقط في حياتها المتدفقة النابضة داخل القصة نفسها، بل في حياتها خارج القصة ، في حياتها الممكن استمرارها على وجوه أخرى في رؤوس الناس" .. وشخوص رواية (يوم مشهود) بعضها شخصيات حقيقية، أبقى المؤلّف على أسمائهم حفظًا للحقيقة وخوفًا عليها أن تموت وتندرس.. وكنّى عن الأخرى أو أتى بها من خياله.. بما يقتضيه العمل الفنّي..
التاريخ نهرٌ جارٍ ، لايمكن أن يتوقّف تدفّقه ما دامت الحياة قائمة ، لكن قد يسهل التلاعب به ، برميه بالقاذورات أو تجميله باللآلئ ؛ وهو أسٌّ وركيزة لعقول الأفراد ، تُبنى عليه معتقدات وتُطمس به حقائق ، فُينتج عقليّات باعثة بالحرب من مرقدها ، وكتابة التاريخ أسمى من دراسته ؛ لأنّ الشاهد أقدم وأدرى من المشهود له ، ونكبات العصور ماهي إلّا زيفٌ في يراعات المؤرّخين .
الطموح وآفاقه ، الصراعات العسكريّة ومخرجاتها ، والقادة المنسيّون ، هذه عناوين ودعائم رواية " يوم مشهود"لأيمن العتوم ، هذا اليوم هو الحادي والعشرين من آذار عام (1968م) ؛ لأنّه كان شاهدًا على سحق الجيش الذي لا يقهر، في زحمة من الانكسارات والخيبة ، بل أنّ أيام البطل (مشهور حديثة الجازي) كلّها مشهودات في حياته ، ذلك الفتى البدويّ الحالم بقيادة دفّة الجيش ، وكان له ما أراد ، فالبطل نجمةٌ أنيرت بها عدّةُ مجاهلَ تاريخيّة ، من حروب وهزائم شنيعة ، ومؤامرات وخيانات ، وقادة أُريد لهم التغييب ، ومشهور الذي لم يكن له من اسمه نصيبٌ ، كان قد أراد ألّا يُنسى ، وأنّ يظلّ في وجدان الأجيال اللاحقة ، فجاء أحد الأبناء البررة ليسلّط الضوء على بئر مهجورة بفعل الساسة ، كان هذا البار هو أيمن العتوم :"أنا مشهور ، هل ستتذكّر الأجيال هذا الاسم؟ هل سيعني لهم شيئًا ؟ ذلك البدويّ الذي خرج من صحراء الرشاديّة متشحًا بالحلم المستحيل ، هل سيقرؤون عنه في كتبهم المدرسيّة؟ هل سيقوم نابهة في العربيّة فيكتب مقالةعنه في كتاب الأدب في اللغة العربيّة ؟ " أطمنئك أيها القائد، لقد جاء من أضاء سيرتك ، وأعادها ناصعة بين أبنائك ، علّهم يرشدون ، فقد صدقت نبوءة القائد (مشهور) وما توجّس خيفة منه ، فقد غُيّب هذا الفارس البدويّ الشريف عن تاريخ الدولة الحديثة بفعل فاعل .
تسريد التاريخ ضمن أطر روائيّة ليس أمرًا سهلًا ، ولا يتيح أُفقًا ومساحاتٍ للخيال ؛ لأنّه يستندُ إلى مصادر مكتوبة ، لا مجال فيها للخيال ، فالأحداث ظاهرة ، وخصوصًا إنّها كانت كاملة وذات زمان قريب ، لذا نلحظ في بعض جزئيّات هذه الرواية سردًا ذا طابع تقريريّ ، فالكاتب تعرّض لأحداث وحقائق معروفة ، ولم يُعمل الخيال ليسقطه على واقعنا ، ومع هذا وجدنا أنّ ثمّة فُسحًا فيها خيالات وفلسفة روائيّة ، وخاصّة نشأة ذلك القائد في الصحراء.
والسؤال الذي قد يثيره قرّاء العتوم ، لمَ لمْ يكن المتخيّل الروائيّ حاضرًا بقوّة في هذه الرواية ؟ فقد قرأنا أعمالًا روائيّة تاريخيّة كثيرة للكاتب نفسه ، وكانت ذات بُعد تخيّلي ، كروايات (حديث الجنود ، أنا يوسف ، يسمعون حسيسها ) وغيرها ، ربّما يكون الجواب يكمن في محاور الرواية نفسها ، فهي تتمحور حول قضايا رئيسيّة كثيرة ، بينما كانت تلك الروايات إزاء قضيّة واحدة ، تتشعّب منها قضايا أخرى ، ولأنّها قائمة على الصراع العسكريّ المسلّح ، الذي يتطلّب تعداد الخطط والمراحل والحواداث ليس أكثر، وربّما لأنّها سردٌ لسيرة رجل مليئة بالحوادث والصعوبات.
أتاحت المعارك مجالًا للخيال ، من خلال المشهديّة الروائيّة ، تلك التقنيّة الفنيّة القائمة على الوصف ، فالكاتب يعتمد على مذكّرات في بناء نصّه ، كمذكّرات (عبدالله التل وجولدا مائير) ولم يرَ بعينه ، لذا كان الخيال متباين الحضور ، لكن تلك الصراعات كانت جزءًا من عناوين هذه الرواية.
إنّ كتابة التاريخ بدا أثرها جليًّا في بناء النص ، إذ جاء متصاعد النسق ، من نقطة الصفر حتى النهاية ، في تسلسل زمنيّ حقيقيّ ؛ ليستطيع مَن جهل هذا التاريخ أن يفهمه دون مُلابساتٍ ومغالطاتٍ ، ولكون الرواية في تصنيفها العام ونوعها الخاص تاريخيّة سيريّة.
الرواية تاريخان ؛ تاريخ مصطنعٌ متخيّلٌ ، وتاريخٌ واقعٌ وحادثٌ ، ويومٌ مشهودٌ ، وثيقةٌ تاريخيّة هامّة ، ألقت بثقلها على يراع العتوم ، وستفتحُ آفاقًا جديدة ، وتغيّر قناعات كثيرة ، وتطرح أسئلةً ممزوجة بالخيبة ، فالرواية لن تغيّر في التاريخ شيئًا ، ولن تعيد صياغته ، لكنّها حتمًا ستعيد فهمه والنظر إليه من زاوية أخرى ، وهي جزءٌ من التاريخ ، وتاريخ كاملٌ لمشهور الجازي.
This entire review has been hidden because of spoilers.
الصورة ليست تلك التي تبدو لك او تراها ، هناك الف يد خلفها تعبث بهما حتي تراها علي هذا النحو فيما هي غريبة عن نفسها كل الغرابه.
ايمن العتوم يملك لغه ليست لها مثيل ودائما مختلف في حكاياته وأفكاره آضئ لي من خلال يوم مشهود طريق ودرب لم آراه من قبل تعرفت على ابطال لم اعرفهم واوضح لي سبب نكستنا و هزائمنا نحن من نهزم انفسنا عن الطريق الخيانه وتغليب مصلحه الذات علي مصلحه الامة
ولان الوطن لا ينسى ثواره، بالترحم على ارواح الشهداء سابدا وبذكر اسماءهم وارواحهم الطاهرة ساتعطر : (الشهيد عبدالرحيم ، الشهيد نائل بن حمد، الشهيد عبدالقادر الحسيني، الشهيد خضر شكري، الابطال عبدالله التل، ومشهور الجازي …)، هم ابطال فلسطين وابطال العتوم بروايته البراقة، “ الشهداء لهم رغباتهم هم الاخرون وليسوا من ورق ولا من طيف، انهم بشر مثلنا ولهم احلام كتلك التي نحلم بها ، ولكن احلامهم اكبر منا ومن وجودنا كله، احلامهم كبيرة بحجم اوطانهم “، “ الخالدون يستوطنون الكتب والكتب لا تموت”. رواية يسردها العتوم علي لسان البدوي البسيط الذي خرج من صحراء الرشادية في الجنوب متشحا بالحلم المستحيل. فلنعود الى الماضي حيث جولدامائير، رابع رئيسة وزراء للحكومة المحتلة، بدأت كعاملة في مجال التدريس، حيث قالت ان عملها هذا اجلّ واقدس من منصبها التي حصلت عليه، عملت على قدم وساق لتحقيق الحلم الصهيوني الذي نادى به هرتسل وبنغوريون. ودعت اميركا وانطلقت من(نيويورك) عام ١٩٢١م بالباخرة التي كانت غير صالحة للملاحة، ومن (بوسطن) الى جزر (الازور)، بقيت في عُرض البحر شهرا، كانت معرضة للخطر في اي لحظة، ومن (نابولي) الى (برنديزي) ومن ثم الى الاسكتدرية، ارادت ان تكمل مسيرة هرتسل فوصلت اخيرا الى (تل ابيب - يافا سابقا - )، كانت قد جمعت الاموال من الصندوق القومي لليهود التابع للحركة الصهيونية منذ عام ١٩٠١ م، وبهذا عند وصولها الى ارض فلسطين، تمكنت من شراء اراضي فلسطين باسم الشعب اليهودي وذلك عام ١٩٠٤م .
لكن العراقيل بدأت ثانية بالاعوام ١٩٣٦ م - ١٩٣٩ م = حيث نفذت كتائب الشيخ القسام هجمات ضد الشعب اليهودي وقاموا بقتل خمسمئة يهودي .
وعلى الرغم من ذلك وبحلول عام ١٩٤٧ م كان الصندوق القومي وملايين الصناديق الزرقاء تملك اكثر من نصف الاملاك اليهودية في فلسطين، صنعت ما صنعته بذكائها وخبثها، “ بالاغراءات الكبيرة التي يسيل لها لعاب العربي الجائع حاكما كان او محكوما، ملكا او عبدا، كان بيننا وبينكم وطن فظفرنا به وفقدتموه”.
٩-٤-١٩٤٨م (مذبحة دير ياسين) : بعد ان رفص مختار القرية الطلب الذي تقدم به المجاهدون لينضم شباب دير ياسين للجهاد، وقع المختار اتفاقا بينه وبين اليهود للالتزام بالسلم وعدم العدوان على “الجيران” ، وبعد شهر رد اليهود على المختار بأان استباحوا القرية بالكامل ((بلّوها واشربوا ميتها)) .
١٤-٥-١٩٤٨ : “خرج الانجليز وتركوا مستودعات الطعام والاسلحة، خرجوا من البحر، باعداد كبيرة وعلى هيئة قطعان، قادتهم الذين اسسسوا الجيش العربي لم يرحل واحد منهم، ما زالوا هنا جميعهم، فمن رحل اذا ؟ ذوو الياقات الزرقاء والثياب الفارهة والبدلات المخملية، والنساء المعجونات بالزبدة، هؤلاء رحلوا، هم وحدهم “.
١٥-٥-١٩٤٨ (نكتبتنا واستقلالهن) : طُرد ما يربوا على ٧٥٠ الف فلسطيني ،تحويلهم الى لاجئين، هدم اكثر من خمسمئة قرية، طرد معظم القبائل البدوية التي كانت تعيش في النقب، (السنديانة، طبعون، طنطورة، قيسارية، ام الزينات، لفتا، قالونيا، عين كارم، دير الهوى …) “ كان الجيش الاردني يهتف بحماسة عالية ( ابو طلال لا تهتم، سيفك احمر ينقط دم)، وجنود العراق يهتفون ((مال يهودا ننهبنا… دم يهودا نشربها))، والجيش السوري يصرخ : (دين محمد دين السيف… خل السيف يقول ) “، ولكنها هتافات لا فائدة منها، وعند التنفيذ (ماكو امدادات، ماكو اوامر). لقد هزمنا، هزمتنا الانظمة المتعفنة، هزمتنا الفرقة، وهزمنا الانجليز، وهزمتنا انفسنا قبلهما معا . “وهل العرب يومئذ الا بقايا قد القت بهم الريح في كل موماة ؟ “ وكانت فلسطين يومها عروسا، ومع ان اكثر من جاؤوا الى هنا دفعوا دماءهم مهرا لها” .
١٩٥١ م = اغتيال عبدالله الاول في القدس على يد الخياط مصطفى عشو. “ هنا ابراهيم وموسى وأحمد، يحملون صحفهم ويتلون ما تيسر، هنا زكريا يقول لمريم :((انى لكِ هذا)) . وهي تقول : ((هو من عند الله)). كانت القدس كلها من عند الله! وهنا عيسى يقول ليحيى : عمدني بماء الاردن، ويقول للمؤمنين :((من يملك قميصين فليمنح واحدا للذي لا يملك شيئا، ومن يملك طعاما فلا يدع جاره جائعا)). وهنا انفاس الرسل والشهداء والعظماء وكل من عشق فنذر دمه لها مهرا”.
٥-٦-١٩٦٧م (النكسة العربية\حرب الست ايام) : الكارثة التي حلت بالعالم العربي، والتي غيرت مجرى التاريخ العربي الحديث، في تلك الحرب يذهلنا عما تسرب من اخبار، اوامر لا تُنفذ، دفاع جوي مقيّد، مطارات معطلة، بينما طائرات العدو تضرب في مختلف الجهات.” انها السابعة وخمس واربعون دقيقة صباحا. صباح الخير ايها العرب النائمون. صباح الخير ايتها الحرب. صباح الخير ايها الموت. صباح الخير ايها الشعب المسكين؛ كان لديك صوت وقلب، ولن يكون لك بعد اليوم غير الخوف والجوع والقهر”، “ حتى لو قتلنا العرب والقيناهم بالبحر، فان السمك لن يأكلهم لان لحومهم غير قابلة للهضم”. بعد حرب ال ٦٧، وضعوا خريطة لأرض اسرائيل الكبرى، والاستيلاء على كل بلاد الشام! .
٢٠-٣-١٩٦٨ : تفجير موكب (دايان - موشيه دايان) على ايدي الفدائيين، لم يمت، لكنه اصيب بكسور بليغة، من فوق سريره في المستشفى اقسم برب ابراهيم ان يسحق الفدائيين، وتوعد! “ جمعتكم من اجل دعوة لنزهة، سنشرب غدا الشاي معا على مرتفعات السلط، ونتغدى في عمان”.
٢١-٣-١٩٦٨ (معركة الكرامة) : حاولت قوات الجيش الاسرائيلي احتلال نهر الاردن، في قرية الكرامة استمرت المعركة اكثر من ١٦ ساعة، مما اضطر الجيش الاسرائيلي الانسحاب من ارض المعركة. “ قال (بار- ليف) رئيس الاركان الاسرائيلي : اعتاد شعبنا على رؤية قواته العسكرية وهي تخرج منتصرة، اما معركة الكرامة فقد كانت فريدة من نوعها بسبب كثرة عدد الاصابات بين قواتنا والظواهر الاخرى التي اسفرت عنها المعركة، مثل استيلاء القوات الاردنية على عدد من دباباتنا والياتنا، وهدا هو السبب في حالة الدهشة التي اصابت شعبنا”
ولكن الثبات على النصر، اصعب من النصر.
٢٦-٥-١٩٦٩ : تم حرق المسجد الاقصى، التهمت النيران منبر صلا الدين التاريخي، وقالت جولدامائير خطابها الشهير : “لم انم طوال الليل كنت خائفة من ان يدخل العرب اسرائيل افواجا من كل مكان، ولكن عندما اشرقت شمس اليوم التالي علمت انه باستطاعتنا ان نفعل اي شيئ نريده.. ان العرب لم يكونوا نياما، بل كانوا موتى”.
وتفرق العرب بعد انتصار ال ٦٨ الذي احرزوه وبدا ان الجمع بينهم اصعب بكثير.
١٩٧٠ - حرب اهلية في الاردن. ١٩٧٥- حرب اهلية في لبنان. ٢٠٠٦- حرب اهلية في العراق ١٢-٦-٢٠٠٦ : حرب تموز في لبنان. ٢٠١١- حرب اهلية في سورية. ٢٠١١- حرب اهلية في ليبيا.
“ كيف التذ بنومي او رقادي وبلادي قد غدت نهب الاعادي شبت النيران واجتاحت فؤادي مذ دعاني هاتف صوب بلادي “
تكفي الخمس نجوم؟ ابدا مافي اي تقييم ولا كلمات توصف القصه والاحداث ممتنه جدا اني قريت الكتاب هذا كنت بكنسل الكاتب بعد ما قريت حديث الجنود شفت انه اهدر كلماته الرائعة واسلوبه الاروع باحداث وقصه مو مهمه لكن يوم مشهود من جماله جمال قصته جمال الواقعيه الي فيه ما ابالغ انه افضل كتاب قريته
اختفت أشياء كثيرة ،لم نعد نقول العدو الصهيوني ،ولا فلسطين المحتلة ولا تاريخنا صاروا يقولون :الدولة الشقيقة وإسرائيل وتاريخهم..لكن توقفوا قليلًا لم يمت كل شئٍ ،لم يرحل كل الشهود ولم يموت كل المحاربين، أنا هنا مازلت واقفًا حد السيف أقول للتاريخ كلمتي ،وأنقل للأجيال هذه الروح النضالية ،إياكم أن تعترفوا بقاتلي أبنائكم ،إياكم أن تجلسوا مع باقرِ بطون نسائكم ،إياكم أن تنخدعوا بربطة العنق الذي يلبسها ، وباقة الأزهار التي يضعها أمامكم ،والإبتسامة الذي يقابكم بها ، فإن وراء كل ذلك كوارث لا يعرفها إلا من عاين الحرب وعاناها ،أنا أقول لكم وراء ربطة العنق حبل مشنقة لأطفالكم ووراء باقة الأزهار أفعى ستنهش لحوم ضحاياكم ووراء تلك الإبتسامة أنياب ستنشبُ في لحوم صغاركم .. لقد تركنا أمتنا تُؤكل على موائد الّلئام يوم تركنا فلسطين تقاتل وحدها ،وسيقتطعون في كل حرب يوقدونها جزءًا جديدًا من أمتنا ، لا لقوة فيهم وجبروت ،بل لأننا لسنا أمة واحدة...! -مشهور الجازي . كعادته أيمن العتوم يسلط الضوء في كتاباته على أبطال لانعرفهم جهل منّا ومن إعلامنا الذي يسلط الضوء على شخصيات أقل ما يُقال عنها تافهة.
مع آخر صفحات الرواية لعنت الأنظمة العربية و لعنت أصحاب الكراسي و المناصب و حتّى من وضع المناهج التعليمية في بلادنا تلك التي تعنى بالحماية الفرنسية و الاحتلال العثماني!!!.. أين نحن من ذكر أمثال الفريق مشهور حديثة الجازي؟ البدوي الذي لقّن بني صهيون درسا سيبقى مخطوطا على صفحات التاريخ رغم أنوف من يسعون لتمزيقها.. بعد نكبة 1948 و 1967 تأتي معركة الكرامة لتعيد العزة للفلسطينيين و للعرب عام 1968.. عساكر و فدائيين يد واحدة وعدوّ واحد.. تزامنت قراءتي لهذه الرواية مع مشاهدة ثانية للمسلسل الفلسطيني الفدائي بجزئيه الأول و الثاني ، و الخلاصة الوحيدة التي ارتأيتها أن "العصافير" و الواشين و الخونة أشدّ خطرا من اليهود أنفسهم و أذاهم أشد خطورة من المحتلّ الغاصب.. فحتى خلال معركة الكرامة جاءت الأوامر بالإنسحاب رغم أن الكفة كانت لصالح العرب!! يبدو أن حكام العرب لا يجدون راحة بغير تذلّل في أحضان ماما إسرائيل.. ماما إسرائيل التي كانت تأكل ما تيسّر من "البوب كورن " وتشاهد الجيش الأردنيّ يفتك بكلّ فدائي دخل أرض الأردنّ من أجل الجهاد في فلسطين لتعترض طريقه و تنهي مشواره قبل أن يبدأ.. ماما إسرائيل التي عرفت تماما أن تفريق الشمل هو الطريق لانتصارها الحقيقي وكان لها ما أرادت طاعة لحكام و ملوك طبّعوا ونافقوا و داسوا على القضية الفلسطينية بأقدامهم النجسة ولم يلتفتوا.. ماتت الضمائر وتجمّدت مبادئ الحق و العدل فكانت تلك النتيجة ، أخ يقتل أخاه العربيّ بدم بارد باسم الحفاظ على الأمن الوطني الداخلي.. معركة الكرامة كان يمكن أن تكون النقطة الفاصلة لاستعادة فلسطين..ولكن أبى الحاكم المتحكم إلا الخضوع و التراجع باسم السلام.. مشهور لم يمت.. مشهور حيّ بداخل كلّ رجل وامرأة آمنوا بالقضية و بحق العودة.. يوما ما.. بإذن الله !
يوم مشهود كعادته يطل علينا العتوم بعمل متميز في لغته وأسلوبه وكأنه يأخذنا في آلة الزمن إلى تلك الازمنه لنعيش اللحظات والأحداث وكأننا نحن ابطال الروايه ... في هذه الروايه وجدت نفسي اعيش مع بطل الروايه تفاصيل حياته منذ الولاده ابن الباديه الذي استطاع من خلاله أن يجعل القارئ يتشرب حب الباديه والصحراء المكان الذي ( لاحياة فيه الا لمن رأى الحياه فيها ).... ثم حب الوطن وزمن الأمهات صانعات الرجال .... والزوجات اللواتي بات وجودهن في زماننا ندره ... ثم تتضارب المفاهيم والكلمات تاره نعيش حياة التضحيه والنضال ... ونصتطدم بالخيانه والعملاء ..... العزه والكرامه.... ليفجعنا الذل والمهانة .... عمل يحكي عن حياة بطل من ابطال هذه الدنيا ..... استطاع أن يترك هذا البطل أثر لاسمه عابر للازمنه . بورك قلمك أستاذنا الفاضل وزادك الله من فضله
عِندما تمتَلِك الكلمة والحقّ، تكُن سيفًا قاطعًا لأوصال الباطل، حتى ولو خُيّل للعالم أنه في الأعلى؛ ستظلّ الكلمة غصّة يشعرون بمرارتها، ويرتعدون لسماعها، ويؤرّق نومهم ذكرها، وتحفر في مخيّلتهم لتُعرضَ عليهم بين الفينة والأخرى لتعاود الكرة في مرّها وألمها.
قبل انفكاك العضد عن الساعد، وخروج الروح من الجسد العربية، وبعثرة الشواهِد على الأمم المُتَطفِّلة، وضياع الهويّة وسط اللهاث خلف أذناب الحيوانات، وتربُّع الخنازير فوق عجلات القيادة، عِندما كانت الرحلة تمرّ على عواصّم العُرب، ويلتقي الأخوين بين الشام واليمن، ومن أقصى جنوب النهر إلى أقصى شمال البحر، عندما كانت الهويّة هي نقطة الالتقاء، والرّسالة هي مرجع الأحكام والقرارات، عندما كُنا مرابطين على ثغور الأحلام، تأكلنا الحمية على حفنة من ترابنا، وتراقُ دماؤنا وتغطّي أشلاؤنا قطعةَ أرضٍ صغيرة حاولوا أخذها عُنوة، عِندما كان لصوتِ السيفِ صدى، وللبُندقيّة بارودٍ حقيقيٍّ غير مزيَّفٍ.
"إن التاريخ يبقى شاهدًا على الذين أذنوا لكلمة التوحيد أن تنتشرَ في أصقاع الأرض"
يذهُب كلّ شيء، ويبقى التاريخُ شاهدًا على الأبطال، يدوّن أسماءهم بماء العين، ويرمي بالجبناء إلى مخلّفاته؛ فالجُبناء لا يسطَّرون، وإنما تسطَّرُ خيباتهم وخياناتهم، ويبقى شاهدًا على تلك الأوصال المبتورة، يكتُب قصّصهم كاملة، والخائنون لا يعيشون طويلًا، بل يمحى ذكرهم ويُنسَونَ إلى الأبد، وتبقى خياناتهم عبرَ الأزمان عِبَرًا لسيوف الحقّ، تسّل بها لتكون بالمرصادِ لكل محاولات الخيانة، "أين يعيش الموتى؟ في القبور. كلا العظام تعيش في القبور. في السّماء، كلا الأرواح تعيش في السّماء. يتدلّون من تحت الأشجار؟ كلا: قطرات الندى هي التي تتدلّى. يذوبون في الهواء. كلا، السحاب يذوب هناك. فأين؟ في الكتب. الخالدون يستوطنون الكتب، الكتب التي لا تموت، أرأيت إلى هذا الكون الفسيح؛ كلّه في كتاب!!"
ما قبل البداية بدأت القصّة عِندما كان "مشهور" طفلًا تشبّعت عيناه بمواقف البطولة، ورسمت الصحراء خرائط وجه، وشكّلت الحرب دواخله، وعزفت الشقراء سيمفونيتها على جدران قلبه، فأصبح الصبيّ المتعلّم، والشاعر المدجج، والجنديّ الباسِل، والمقاتل الشجاع، والقائد الفذّ. "بوصَلة لا تشير إلى فلسطين، ستكون بوصلة عميلة عمياء" هكذا عرَف البطل "مشهور" وهو يمتطي ظهر الشقراء، ويسابِق الريح على رمال الصحراء الشاهِقة، وهو يرسم النجمات في السماء، ويغني لها ألحانه الشجيّة، وهو ينظُر في أعين الراحلين، فيرى تراب الوطن يتشبّث بأوصالهم، ويغلي دم الحقّ في عروقهم، وتأبى دمعة الفراقِ أن تفرّ من أعينهم كي لا تمحي أثر الحرقة التي في نفوسهم، يتأمل عجبًا، ويتساءل ألمًا، وينتفض غيرةً، ويتسلل إلى القلوب العليلة بتفقدها ليلًا، ويرى ما أصابها من ضنٍّ يأكلها ويتشعَّب في أرواحها. يرى النفوس المهترئة، والأجساد البالية التي تركت أرواحها خلفها في أوطانها الممزّق.
"إنّ سرّ الصحراء يسري في دمي، وشغف الهُيام بها تحوّل وسواسًا منذ ذلك اليوم الذي سقط فيه رأسي على رمالها اللدنة، إنّ الصحراء ساحرة، لا يعرف سحرها إلا من أذن لها أن تنتزع قطعة من فؤاده، وعلى قدر ما تهب على قدر ما تأخذ"
هل لعبت الصحراء دورًا كبيرًا في تشكيل هيئة البطل، أم كانت سحرًا تشرّب طينته منذ أن وُلد على رمالها؟ وماذا عن غياهبها وكيف تاهت فيها قوافل وأبنية ومخلوقات عديدة، وحفظ هو جميع مخابئها وألغازها عن ظهر قلب! وهل أذن لها أن تنتزعه بالفعل لتأخذه إلى عالمها وتجعله ينتمي إليها إلى الحدّ الذي يفدي حبّة رملٍ منها بدمه وكلّه.
لماذا "يومٌ مشهودٌ" وليس شيئًا آخر؟ هل كان البطل شاهدًا على ما جرى أمام عينيه، وما خطّه بيمينه، وما قطعه وراء الحقّ وأين يسير، أم كان شاهدًا على ما كان يُحاك خلف الأستار ويخفى عن الأعين، وتراه البصائر اليقِظة والضمائر الحيّة. إنّ أشرّ ما يفعله الإنسان؛ أن يكون على مقربةٍ من الباطل، وأن يمتزج معه، وإن من أشدّ المصائب ألا يفرّق بينه وبين الحق، خاصّة إن كان هذا الحق برّاقًا يراه الداني والقاصي.
"إنّ معظمهم أطفال، كانوا يحلمون بفلسطين"
هل كان شاهِدًا على أولائك المهجّرون الذين كانوا في المنافي يعيشون في الخيام، يأكلون التّراب، ويشربون الطّين، ويقبضون بأصابعهم المرتجفة على مفاتيح بيوتهم، وينتظرون أن يعودوا إليها، الذين كانوا يومئذٍ أكثر شعوب الأرض رومانسية، ليس لشيء إلا لأنّهم كانوا يعتقدون أنّ الأنظمة ستُمرّغ أنفَ إسرائيل في التُراب، وكان أنفَ إسرائيل يكبر! هل لأنه كان شاهدًا على أنفَ إسرائيل قبل أن يكبُر؟
لقد كان شاهِدًا بالفعل على مئات المستوطنين، وعلى حافلاتهم، وعلى طرقِ الاغتصاب المتعددة التي مارسوها في حقّ أرضِ فلسطين الجميلة، لقد ركبَ ذات يومٍ حافلاتهم، ورأى أعينهم ترمقهُ وتتّسعُ دهشةً وخوفًا، وتنظُر إليه بعين الفزع تارة أخرى، وبعين الترقُّب أنه سيُصبح يومًا سيفًا يجول فوق رؤوسهم.
الحقّ والنِّباح! في هذه الرواية، خرج العتوم عن النصّ المعهود عنه، وأخذنا إلى نقطةٍ فاصلة في تاريخنا الحديث. لقد وضع السفّود الملتهِبِ على الجرح الذي لم يلتئم، وحرّك دواخِلنا وأوقد فينا نار الحمية التي كانت على وشك أن تهمَد، وأخذنا إلى حيث يجب أن نكون واقفين هناك، ندافع ونقاتل وننتصِر، لقد قال أننا لابد أن ننتصر، ليس من وقتٍ لبديل آخر، وليس من بطل خارقٍ ينزل من السماء، ولن يكون ذلك.. لقد قال لنا أنّ الأبطال هم أناسًا مثلنا تمامًا، أو –ربما- هُم أقلّ منّا في العدة والعتاد، قد لا يمتلكون ما نمتلكه نحن، ولكن يمتلكون شيئًا أثمن وأوفى من كل ما نمتلكه نحن الآن؛ كانوا يمتلكون قوّة النفوس الطموحة، وسواعِد التغيير الأبيّة، التي كانت تحمل سيفَ الحقّ بتّارًا لكل عدوّ محتلّ أو متآمرٍ غاصِب.
عِندما يجري الحقّ من المرء مجرى الدمّ، يجعله يمضي في طريق الصِعاب غير آبه لأخاديده المُخيفة، ولا أنيابه الحادّة. "أنا هنا.. ما زلت واقفًا على حد السيف أقول للتاريخ كلمتي، وأنقل للأجيال هذه الروح النّضالية".
الرواية: يوم مشهود المؤلف: أيمن العتوم عدد الصفحات: 368
رواية يوم مشهود والتي أخذت اسمها من يوم الكرامة الذي استطاع أن يقلب الهزيمة إلى نصر ويقلب الذلة إلى عزة ويقلب الموازين التي تسير عليها الجيوش العسكرية وفن الحرب، كل ذلك انقلب في هذا اليوم فكان يوماً مشهوداً.
"كنت أريد لهذه الروح المقاومة أن تنداح في روح الشباب العربي الفتي. لم يغرني النصر؛ لأنني اعرف أن الثبات على النصر أصعب من النصر، وأن البقاء على روحه متجددة يحتاج إلى نصر آخر."
الرواية تصنف تحت باب الرواية التاريخية وتروي قصة شخصية أُريد لها أن تموت في ذاكرة الناس والتاريخ "مشهور حديثة الجازي" الفتى الذي انطلق من صحراء الرشادية والتحق بالجيش العربي عندما كان يبلغ من العمر 14 عاماً وكان شاهداً على حربي النكبة والنكسة يروي لنا الكاتب على لسانه تاريخاً مهماً من تاريخ أمتنا ليبرزه لنا بأسلوبه المبدع.
"كنت حالماً، كائناً من حلم، يحلم بالوحدة العربية من المحيط إلى الخليج، وبالأمة الاسلامية تقود العالم إلى حضارة توازن بين العلم والروح، ولا تغلب أحدهما على الآخر. "
شخصية مشهور كان لها علاقة بشخصيات أخرى لم تأخذ حقها من التاريخ قُدمت في الرواية ترتبط مع بعضها والأحداث بشخصية واحدة هي شخصة "مشهور" الذي يعتبر شاهداً على العصر ..
"قضيت حياتي في الحرب، لم تكن حرباً واحدة، كانت حروباً متشعبة، والذين يكتبون عن الحروب عليهم أن يكتبوا بالدم لا بالحبر"
ويأتي ذلك اليوم المشهود والذي سميت الرواية على اسمه يوم الكرامة، تتنقل بك الرواية بين تدريبات الجنود لتشعرك كأنك معهم وتأخذك إلى مقر قيادة العمليات وأخيراً في ميدان المعركة حيث تظهر لك صور من بطولات الفدائيين الذين واجهوا الموت دون تراجع.
"لقد أرادوا للذين قاتلوا بصدق في الكرامة أن يموتوا، أن يُنسوا من الأرض، ولكنهم لن يقدروا على ذلك، فالتاريخ ليس بضاعة يشتريها من يملك مالاً أكثر، إنه روح، إنه حركة، إنه يكتب بدماء التضحيات. لن ينسى التاريخ أولئك الذين صنعوا الكرامة في الكرامة، وصرخوا والدم يفور من أوادجهم: "لن يمروا"
أسماء لعدة شخصيات تاريخية وسياسة ذكرت في الرواية مثل الملك عبدالله وتشرشل ودايان وغولدامائير التي تضمنت الرواية جزءاّ من اعترافاتها.
"الذين يذكرهم التاريخ محظوظون، والذين يلعنهم كذلك"
كما تفلسف الرواية فكرة حب الوطن والنضال لأجله...
"كم من مأساة عليها أن تحدث من أجل أن ندرك أن الوطن لا يمكن أن يساق إلى المذابح ونحن نتفرج، وأنه أغلى ما يمكن أن تراه عينان، أو تصغي له في ليل الشجي أذنان!"
لم ينل مشهور التقدير الذي يستحقه سواءاً من حكومة بلده أو من التاريخ، ومع الأسف فالكثيرون لا يعلمون عن قائد معركة الكرامة شيئاً!
الرواية جمعت الأسباب التي أدت إلى هزيمة العرب في حربي ال48 وال67 أمام العدو الصهيوني وأوضحت أيضاً أسباب الانتصار في معركة الكرامة...
"لقد تركنا أمتنا تؤكل على موائد اللئام يوم تركنا فلسطين تقاتل وحدها، وسيقتطعون في كل حرب يوقدونها جزءا جديدا من أمتنا، لا لقوة فيهم وجبروت، بل لأننا لسنا أمة واحدة."
وتمر الرواية في الختام بسرد سريع على حرب أيلول الاسود التي دارت على أرض الأردن بين المقاومين والجيش العربي والتي انتهت مع إنهاء وجود المقاومة في الاردن.
" راية النضال ستبقى خفاقة في سماء فلسطين، وستأتي أجيال تظل على العهد، ربما هم قادرون على سرقة أرضنا، لكنهم غير قادرين على سرقتنا، نحن وعد الله بالنصر، ولئن تأخر، إنه آتٍ لا محالة، وكل موعود منتظر."
الرواية إبداع يضاف إلى إبداعات الكاتب أيمن العتوم عمل تاريخي أنصح بقراءته وقراءة باقي أعمال المؤلف التي تتميز بالواقعية وتركز على المشترك الانساني.
شاهدت منذ قليل فتاة فلسطينية تصرخ بصوت هادر تتوعد فيخاي و جنوده بأنهم ليسوا سوى فئران سيتم دعسهم يوما ما على باب الأقصى .. و إذا بي أدور في دوامة من الذكريات التي رسمها لي مشهور مشهور الجندي رقم 505 الذي سيروي لنا أحداث سايرها أثناء فترة تجنيده في الجيش الأردني.. عادت إلي لوحة النصر في معركة الكرامة و تلك الشهورالعشر من التدريب و العزم التي ضخها في دماء الجنود كي يحصل على جيش يغسل من على وجوهنا عار هزيمة النكسة عام 1967 .. عاد مع كل ذلك صوت خضر و هو يطلب منهم أن يقصفوا مكانه حتى يحصد معه عشرات اليهود .. مشهور الجازي حفيد الشيخ حمد شيخ مشايخ الحويطات و كبير الرشادية إحدى قرى الأردن الأصيلة المعروف بمشهور حديثة ذلك الطفل الذي سقط في البئر صغيرا و سقط في البئر كبيرا ، مشهور تلك الروح التي تلبستها الحرية فلم تستطع أن تسعى سبيلا الا إليها يروي لنا أيمن العتوم بطريقته و أسلوبه المعتادين قصة حلم و سعي و تحقيق و خيبة و ألم و إنطفاء و غيرهم خلال صفحاته 364 المقسمة إلى 45 جزءا رحل بي أيمن العتوم إلى نهر الأردن تارة و إلى ساحة الأقصى تارة اخرى و جعلني أشهد مقتل الملك عبد الله تارة و أشهد محاولة تصفية موشي دايان تارة أخرى .. قد تصاب بالملل إذا قرأت كتاب تاريخ عادي لكنك أبدا لن تمل و ان تسمع السرد بقلم أيمن العتوم على لسان من شهد الواقعة .. بين صحراء الرشادية و بين جامعات لندن بين غلوب و السم في العسل بين شخصيات صهيونية نظن أننا نعرفها لكننا لا نفقه عنها سوى اسمائها بين أبو عمار و جبال الأردن الأبية بين مقاومة و فدائيون بواسل بين الأمل و الإنقسام بين كل هذا و ذلك سترحل نحو يوم مشهود لن تنساه ما حييت .. شهادتي مجروحه في قلم هذا الرجل لكن دموعي التي سكبتها أثناء القراءة الأكثر من دموع أم مشهور يوم رحليه الى العسكرية ستشهد أنكم أمام ملحمة متكاملة تنقل لكم جنين حلم تحرير فلسطين الذي أجهضته الإنقسامات ، إنقسامات لم يضحك لها سوى سن اليهود ..
روايةٌ تحمل في طياتها ألم يعتصر القلب ، و همّ أثقل من أن تحمله روح ، تعكس واقعاً مؤلماً مليئاً بأحلامٍ عظيمة لم ترَ النور ، مليئاً بإرادات حرّة قُتلت قبل أن تحقق غايتها و مسعاها ، فيها زخمٌ من آلام متأصلة داخل كل روح عربية كان من المخزي لها أن ترى ما حصل ، أن تعيش خيبة مريرة زرعناها بأيدينا و سقيناها بدمائنا ، و من سذاجتنا اعتقدنا أننا سنحصد خيراً إن نحن زرعنا شراً بسوء تصرفنا و بلهاء قراراتنا ، و كأن أرضنا ستغفر لنا عندما ترى غباءنا هذا .. كان من المؤلم أن نرى روحاً حقيقية تحمل عقيدة قوية و مبادئاً ثابتة تجاهد كي تحقق بعضاً مما عجزت عنه بلاد عربية كاملة ، من المحزن رؤية ( مشهور ) الذي لم يكرمه تاريخنا بجعله ( مشهوراً ) فعلاً كما يستحقّ ، أن يكابد كل هذا العذاب و يتجرع كل هذه الخيبات ممن كانوا يقفون بجانبه يحميهم و يحمونه .. من المخزي جدا رؤية بوصلة البنادق تنحرف لتُصوّبَ نحونا ، أن نقتل أنفسنا بذرائع تطعن كرامة العربيّ .. كانت تلك معركة الكرامة ، و أنّى لها أن تعود !! رأينا أنفسنا بأصدق صورة كنا بها ، عربي يقتل عربيّاً و يهودي ينظر إليهما مستلقياً ضاحكاً على هدف كان عليه أن يبذل جهداً حتى يصيبه ، و لكننا عطفنا عليه بكل ما يحمل القلب العربي الساذج من رحمة و رأفة و أخبرناه أن ابقِ نفسك مستريحاً.. سنحقق لكَ الهدف و هذا ما اعتبرناه واجب الضيافة !! و هنا أستحضر شعراً لأمل دنقل ، حيث قال : لا تصالح على الدم.. حتى بدم! لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟ أقلب الغريب كقلب أخيك؟ أعيناه عينا أخيك؟ وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
استطاع أيمن العتوم كما في رواياته السابقة كلها أن يترك أثراً عميقاً لا يغادر النفوس ، و صورة تطبع في جدران الذاكرة ، بلغة أدبية متقنة ..
لم تنتهي والله هذهِ الحكاية فقد احيت جسداً وعقلا بالياً منذ سنين وأزاحت ضباباً كثيفاً اعماني كيف للتاريخ أن يكون قاسيا ً الى هذا الحد ... وكأنه ضربنا بسواطٍ غليظ ليأدبنا الهذا الحد هُنّا لا يوجد جملة تصف ما يدور في ذهني و لا كلمة ولو اجتمعت حروف اللغات على وصف كمية النكسة اللتي تمتلكني على ما فعلنا بنا و ما الت اليه حالنا علنا نجدنا يوما وعل هذه الصفحاتِ تعيدنا الى رشدنا تجمعنا كما جمعت الكلمات في اللغة العربية و تهدينا كما هدت يعقوب ليوسف و ترجع لنا حفنةً من كرامةأُحرِقت في اعوام مضت لعل الحلم يوما يضئ على السفح معلناً النصر و الظفر ولعلها ساعة استجابة اللهم وحد صفوفنا على كلمتك و شتت شمل من اراد بهذه البلاد سوءا اللهم أعِز كل عامل و كل عالم وكل شيخ وكل شخص مخلص مؤمن برسالة و مبدئ اللهم اجعل لي اثرا يضيئ هذا العالم بعد وفاتي فإن لي أحلاما لو علت لوصلت السماء اللهم علما وعملا صالحا نافعا نتقرب به اليك أيمن العتوم #أيمن_عتوم #يوم_مشهود #حمد_بن_جازي #مشهور_جازي #الأبطال #الكرامة
This entire review has been hidden because of spoilers.
يوم مشهود رواية للكاتب الأردني أيمن العتوم التي كانت تسرد فيها أحداث احتلال فلسطين ومعركة الكرامةوتخاذل العرب وانقساماتهم وهذه بعض الاقتباسات التي اعجبتني من الرواية هل تطغى لجج الخضم على السباح فيستسلم في النهاية لموج كالجبال؟
أنه لا رابح في الحرب، وأن الحرب إذا كانت بين الأشقاء فإن الأطراف كلها ستخرج منها خاسرة مهما حدث.
إن نقطة دم واحدة تسيل على هذا الوطن من أي طرف من الطرفين فإنها تعني نقطة دم تسيل من الوطن نفسه، وفي النهاية نحن لا نقتل بهذا أنفسنا، بل نقتل أوطاننا، فإننا نحن أوطاننا
الذين يبيعون ضمائرهم موجودون في كل عصر وفي كل مصر
لم أكن أخشى الموت ، فالموت حين يأتي لا يدفعه أحد ولا يستبقه أحد ولن يؤخره أحد
الدنيا حظوظ ، ولكنها مقسومة، ولم يذهب بحكمتها إلا التغافل عن حكمتها!
ماأقسى الغياب وما أقسى اللوعة التي يحفرها في القلب
ألا يمكن أن يعيش الناس دون أن يشرعو الرماح ويجردوا السيوف في وجوه بعضهم بعضا؟
إن الجنود ليسوا هم الذين يوقدون الحروب بل الساسة الذين يفعلون ذلك فإن الجنود لا يرغبون في الحروب ولكن حين تحدث يستفز الجنود تلك الغريزة الانسانية المشبعين بها تشبعا عميقا لأن يضحو بأنفسهم
لا تفسير للحروب ،ولو جمعت كل فلاسفتها ما خرجت برأي يقنعك
إن الحرب لا ترحم من يتلقاها دفاعا ، ولكنها قد تخضع لمن يعتلي صهوة وحشها الهائج فيعمل في عنقها سيفها
قتلتنا التحالفات ولوكان من تحالف صحيح فيجب أن يكون مع الحق واستعادته لمن فقدوه ولكن الحق ضاع في منطق الدبابة والصاروخ
استعادة الحقوق تحتاج إلى وقت ويستدعي بعض التنازلات من أجل أن تتقدم خطوتين عليك أن تتراجع خطوة
الحقوق لا تنتظر ولا تحتاج وقتا، ولا تستدعي أي تنازل ، وحتى تملكها عليك أن تنتزعها انتزاعا
وعلمتُ أن الحياة قافلة ممتدة امتداد النجوم في السماء ، وكلما سقط من هذه القافلة مرتحل حل مكانه مرتحل سواه ، وهكذا يموت أحدهم وينهض آخر ، القافلة هي هي والزمن هو الذي يتغير ، وستظل هذه القافلة سائرة لن تتوقف حتى ذلك اليوم الذي يبدل الله فيه الأرض غير الأرض والسماوات
حتى المنتصرون الذين يفوزون في حربهم الأخيرة يبحثون عن حرب جديدة يابني، الحياة حرب
لا تدم النظر في الأشياء فإن إدامة النظر تورث شيئين : العمى والندم ولا تفكر أبعد مما يُطلب منك فإن ذلك يُورث الحسرات
أن بوصلة لا تشير إلى فلسطين ، ستكون بوصلة عمياء
من استعجل الغاية فاتته اصبر حتى تنضج الثمرة
ليس المهم أن تصبح ذلك الضابط الذي تحلم به، بل المهم أن تكون حر الإرادة حين تصبحه.
نحن لسنا أشجا��اً نحن أرواح والارواح خلقت لكي تظل حرة
الأعمار ليست سنوات، السنوات نبأ كاذب في صحيفة العمر ، السنوات شهاب خادع ، لم أر شهابا يضيء أكثر من ومضة
أنا كائن من الحلم تقتلني الدهشة وتصيدني الأحزان.
الإنسان لا يعرف ماذا يحدث. يحدث الذي يحدث ويتقبله.
لم أسال في بداية حياتي ولو مرة واحدة لماذا حدث هذا ؟ لماذا أسال إذا كانت الأجوبة معلقة ولا يعرفها أحد إلا القديسون الذين يخبرون عن الله.
الحياة مهزلة هكذا تبدو أحيانا
هل يمكن أن يتحول الإنسان إلى قنبلة إلى طرد متفجر إلى رجل له روح بارود وصوت رعد وأثز الزلازل ؟ هل يمكن للموت أن يمشي على قدمين، أن يسمي نفسه في لحظة فارقة بالشهادة ؟
لم يكن واحد منهم يدري أن للصوت ذاكرة ، أن للصوت صورة
تراب الوطن مهما كان قاسيا لكنه لا يسبب الألم ، تراب الوطن مهما ذر في أعيننا العمى، فسوف نظل نحتفظ به في تلك العيون، حتى يكون عونا لنا على إكمال الطريق
كم من مأساة عليها أن تحدث من أجل أن تدرك أن الوطن لا يمكن أن يساق إلى المذابح ونحن نتفرج ، وأنه أغلى ما يمكن أن تراه عينان أو تصغي له في ليل شجي أذنان.
هل يُعير الشهداء الراحلون وجوههم للشهداء المحتملين ؟ هل تحل أرواحهم في أجساد آخرين تحمل الاسم نفسه والوجه نفسه ؟ والعينين؟ أليس للعينين بصمة ؟ والصوت ؟ كيف يكون لجسدين، أو لروحين لصوت ذاته ؟
كيف تختار الصدف ضحاياها أو قديسيها ؟ كيف يمون في أمر ما صدفة إذا كان كل شي مخططًا له في السماء ومكتوب في الأقدار التي لا تتبدل ولا تتغير ولا تتحول ؟!
هل يسكب غياب الأبناء في عيون الآباء كل هذا الحزن ؟
إن للصوت ذاكرة ، إن للصوت صورة
القادة يماطلون ، القادة يكذبون إلا أن يكون هناك ما يردع، أو ما يؤخر تلك الكذبة ، أو يضطرهم إلى تحقيقها في ظرف طارئ خارج عن الإرادة
هل تكفي القاتل كلمة اعتذار لكي يسامحه القتيل ؟!
الخيول تعمر إذا عمر صاحبها بها
الموت كائن حي يُرى، ويحس قبل ذلك ، وعلاقته معك تحددها أنت، إما أن يكون صديقا لطيفا، أو عدوا مرعبا، وأنا قررت أن أتخذ صديقا، فرحبت يع ابتسم لي ، وأراني منازل اصدقائي الراحلين في نعيم
الأرواح تتلاقى وتتعارف قبل الأجساد
أوطاننا تشبهنا ونحن أحياء، لكنها تصبح أجمل حين نموت من أجلها.
كانت الحرب مثل فتاة لعوب تسكر في الليل ، تنام مع الجميع، وتشتم كل الذين ناموا معها في الصباح!
اليهود ليسوا أصدقاء لأحد، لكنهم سيصبحون يوما ما كذلك.
هل يمكن أن يبدل الموت ضحيته؟ هل يمكن أن يهب أحدنا جسده للموت نيابة عن آخر؟! وهل الأجل محتوم على من نظر الموت في عينيه، وترك من ام ينظر فيهما؟
( لقد هُزمنا). هزمتنا الارتجالية، هزمتنا الأنظمة المتعفنة، هزمتنا الفرقة. وهزمتنا الإنجليز الذين كشفنا لهم ظهورنا قبل اليهود، وهزمتنا أنفسنا قبلهما معا
اللوم وجه من وجوه الهزيمة المقنعة
الهزيمة؛ هي خذلان إخوتنا، كانوا وحدهم ، وتركناهم وحدهم، الهزيمة خيانة الصوت الداخلي الذي كان يقول لنا إن هؤلاء محتلون ومغتصبون، وإن قتالهم واجب لا يعفي منه أحد وكنا نُخمده بالاطمئنان إلى صوت الغربان التي كانت تنعق: انسحبوا)).
الهزيمة هي العمى الذي كنا نسير فيه إلى تلك الديار، كان العمى في كل شيء في الطريق، وفي البوصلة، وفي البندقية، وفي الضمير ، وفي القيادة، وفي القادة
هل جربتم شعور أن ترى رفيقا لك في الحرب ينحر أمام عينك وأنت لا تملك أن تفعل له شيئا ؟ جزء منك ، من جسدك يقتطع بدم بارد وأنت لا تحرك ساكنا، ولم يكن مسموحا لنا حتى أن نصرخ!!
التخلي عن السلاح موت، موت من نوع آخر ربما أشد من الموت نفسه
البيوت أرواح ساكنيها الراحلين
الحياة مهزلة
لكي تتقدم خطوتين عليك أن تتراجع خطوة
الخالدون يستوطنون الكتب ، الكتب التي لا تموت ، أرأيت إلى هذا الكون الفسيح ، كله في كتاب
القسمة لا تقبل الجدل ؛ هكذا قسم الخالق الحظوظ ؛ الجحيم خلق للجبناء. اللذة للمجانين . الدنيا للملوك . الموت للبشر . الحكمة للفلاسفة . النصر للمتمردين. والهزيمة للمترددين والنهايات لمن يملك البدايات
التعليم مهنةصعبة، ولكن أجرها عظيم
من الصعب أن تحافظ على هدوئك إذا كان كل مافي أعماقك يلتهب.
النظر في العيون يفضح القلوب
المرأة قادرة بحكمتها أن تلين الجبال الراسية والقلوب القاسية كما يقولون
أن مفاتيح الأبواب المغلقة تحتفظ بها النساء الحكيمات
مالذي يتبقى من الإنسان إذا عاد إلى التراب ؛ موطنه الأصلي؟!
هناك عوالم كثيرة مخفية عن البشر، عوالم لا تدركها حواسهم المحددة، لو خرجت هذه الحواس عن نطاقها ، لخرج العالم البشري عن حدوده إلى عوالم أرحب وأكثر إدهاشا
اقرأ عقل خصمك قبل أن تصوب نحوه. خطط إلى أقصى حد، وتوكل بعدها إلى أبعد مدى . واضرب عدوك دون رحمة. واعرف أن التفكير بالتراجع بعد الإقدام خيانة.
إن الخيانة الصغيرة مثل الخيانة الكبيرة فإن الاسم وحده عار لا يغسل
لا يُقوّم العود الأعوج إلا بالكسر
لا تهاجم لتختبر، بل هاجم لتقتل.
هذا زمن إحراق كل السفن من خلفك. قاتل لتنتصر، فإذا مت فقد أعذرت ؛ ما يصير الشاه سلخلها بعد ذبحها
كلما كانت الضربة خاطفة أرعبت حتى أولئك الأقوياء
إن المحاربين الذين يموتون في سبيل أوطانهم لا ينساهم الناس
سنقاتل من أجل العودة من أجل إلا يسرق أحد منا حقنا في الهواء وفي التراب.
الثأر إذا استولى على القلب صنع المعجزات، فكيف إذا كان الثأر لضحايانا وشهدائنا وأراملنا ومدننا الذبيحة، ولأجل قضية عادلة ومقدسة هي قضية فلسطين
ليس من علاج للغرور أحيانا سوى أن تمرغ أنف صاحبه في التراب
تدرك أحيانا أن وقوف امرأة إلى جانبك يمكن أن يحولك إلى منتصر في كل المعارك، إنهن نبع هذا العطاء ، وهذا السر الغامض؛ أحيانا أتساءل عن قيمة وجودنا نحن الرجال ومعناه دون وجود رفيقات دربنا إلى جانبنا يقمن بتحصيننا ضد الهزيمة، وصد العبثية، وضد اللاجدوى
إنهم يتعلمون الذبح، يتعلمون أن الرب يقربهم نجياً كلما قتلوا مسلما أو عربيا ، إن حياتهم لا تستمر إلا بخنقنا ، بالشرب من دماء أطفالنا، وبقر بطون نسائنا
كان الموت يمشي بين الناس ينظر في وجوههم ولا يمهلهم كي ينظروا هم في وجهه، كان يحصد أرواح الأبرياء دون رحمة، وكان ينداح في الأرض اندياح الطوفان الذي لايبقى على شيء
إن الوطن الذي ينسى أبطاله يموت مبكرا، وهل ذاكرة الوطن إلا ذاكرة أبطاله؟!
صانعوا التاريخ هم حراسه، وحراسه يكتبون صفحاته، ولو أن السلطة وكل إليها حراسة التاريخ لفعلت الأعاجيب؛ إنها ستشوه كل مجد حقيقي وبطولة ناصعة وأبطال حقيقيين ، لتستبدل بها أقزاما مزيفين، تنفخ فيهم بوقها، ثم تنفخ، ثم تنفخ، ولكنها مهما نفخت فإنما تنفخ في رماد. وإنهم مهما كبر حجمهم فليسوا أكثر من طبول جوفاء
هل يعرف النخل الانكسار؟ ماذا لو عبثوا به؟ ماذا لو مرغوا سعفه في الطين، ولطخوا قلبه في الوحل؟ أليس للنخل روح كروحنا؟ أليس له احساس كإحساسنا؟ فلماذا رضينا بالهوان ، وأبى هو إلا أن يظل عزيزا؟
هل الكراسي تصنع أمجاد؟ كلا. إنها تصنع المنافقين، تقدم أبطال دونكيشوتيين ، وأنبياء كذبة وحراسا لا يحملون في أيديهم إلا سيوفا من خشب
ماذا يبقى من الإنسان حين تموت أمه؟ لا شيء. مجرد بقايا مبعثرة على أرصفة الحنين والذكرى
كيف يمكن أن يعود الموتى لتطلب منهم أن يسامحوك ؟
This entire review has been hidden because of spoilers.