هذه رواية قديرة. تكشف مدى قبح (الفِكر المادي) واللهث خلف المظاهر والجاه والسمعة حين يكون الثمن هو التضحية بالقيم الانسانية بل والتضحية بالانسان نفسه. فيصل المسكين لمراده ليكتشف أنه وصل دون روحه ودون عقله ودون جسده. لأنهم تدمروا في سبيل ما وصل إليه. بل ويكتشف أن ما وصل إليه اساسًا لا يستحق.
الرواية عبارة عن تنبؤ بمستقبل العالم. ولكن ليس في قالب خيال علمي . فكثير من الروايات الأدبية التي تتنبأ بالمستقبل تكون متجهة للخيال العلمي. بينما هنا كانت الرواية واقعية جداً ، وهي لم تتنبأ بالتكنولوجيا أو الحياة الرقمية ، لكنها تنبأت بما هو أخطر وأعمق من ذلك ، تنبأت بشكل الانسان المستقبلي من الداخل . تنبأت بكيف سيكون عصرنا الحالي متسم بالانسلاخ عن الروح والانغماس في الجسد وفقدان السيطرة على العقل في مواجهة الطمع والمنافسة والشهوة والقلق ، وهي سمات عصر التكنولوجيا والعصر الرقمي.
في بداية القصة - مع مشهد لقاء البطل بالطلسم الخاص بخاتم سليمان - قد يظن القارئ أنه أمام حكاية تعتمد على الخرافات والأساطير والأسلوب الغرائبي . لكن لا! الرواية تتجه بعد ذلك في قالب واقعي.
عندما يحكي البطل الفقير الذي كاد أن ينتحر عن قصة حياته ، لنفهم ما الذي دفعه للتفكير بالانتحار.
بلزاك منذ البداية كان يشير لذلك على لسان الشيخ الذي يهب الشاب خاتم سليمان:
- أتظن أيها الشاب أن أرض متحفي يمكن أن تنشق لترى جنيًا من مردة الجن يحمل إليك ما تريد... إنه يفعل فعله بصورة لا تخرق قوانين الطبيعة المألوفة.
أي أن الخاتم لن يسقط عليك كل شيء من السماء بل سمنحك كل شيء بشكل واقعي وطبيعي. وفي نهايات الرواية نكتشف أيضا أنه حتى عندما يكاد الشاب أن يهلك ويشارف على الموت فذلك لا يحدث بشكل سحري ، بل بشكل واقع جداً . إذ في مقابل الملذات التي حققها بواسطة الخاتم السحري كان يفقد شبابه وصحته وعقله من فرط انغماسه بجسده وفكره .
(حقيقةً أجد صعوبة بعض الشيء في هذه المراجعة ، وأحاول أن لا أطيل وأتشعب لكن يبدو أنه لا مفر من ذلك.)
تزامنت قراءتي لهذه الرواية مع قراءة كتاب "فلسفة المادية وتفكيك الإنسان" للمفكر عبدالوهاب المسيري. وكم هي عجيبة مصادفات القدر عندما جعلني أقرأ الكتابين في نفس التوقيت ليصبح كل منهما مكملاً للآخر من حيث الفكرة والمضمون. فأحدهما تحليلي فلسفي والآخر سردي أدبي. فاكتملت التجربة البديعة والموغلة في مفاهيم الفكر المادي.
وببساطة تعتمد فكرة المادية على إخراج الأشياء من تحت سلطة الإنسان والفكر الانساني السامي، ونقلها لعالم مستقل بها له فكره الخاص ومبادئه وأخلاقياته المتفلتة والتي هي بعيدة كل البعد عن الروح السامية، ثم بعد ذلك يتم وضع الانسان تحت سيطرة وقوانين وفكر هذه الأشياء وعالمها المادي. فيصبح الإنسان وعالمه خاويين من الروح وفي لهث مستمر للمادة.
واستطاع بلزاك بعبقرية عظيمة تجسيد الفكر المادي في شخصية (الكونتيسة تيودورا) حيث كانت طباعها ونفسيتها وتصرفاتها مشابهة للفكر المادي في قساوتها وبهرجتها ولامبالاتها ، بل وقدرتها على خلق الوهم لآلاف الرجال الذين يتنافسوا فيما بينهم بشكل تراجيدي\كوميدي على كسب ودها .
وفي الحقيقة هي نفسها كذلك ليست سوى ضحية للفكر ذاته. إذ لا يوجد رابح في كل من يدخل تحت مظلة الفكر المادي.
نلاحظ في القصة تبادل أدوار عجيب بين الذكورة والأنوثة . وهو سمة من سمات الفكر المادي العلماني كذلك.
حيث في الرواية تجد البطل وصديقه وكثر غيرهم أشبه (بالبنات ) من الرجال ، فتفاصيل حياتهم وحواراتهم كلها تدور عن كيف يحصلوا على زوجة غنية تذيقهم رغد الحياة. اذ الرجال في هذه القصة فقراء معدومين ماديًا وعاطفياً وروحيًا.
بينما السيدات هن المتسمات بالقوة والصلابة والثبات كما في شخصية تيودورا ، أو بالشهامة والكرم والصبر كما في شخصية بولين .
وشخصية بولين الجميلة أظنها تجسيد للقيم والأفكار الانسانية المفقودة في عصر المادة.
بيولا هي انتصار للروح السامية في هيأة بشر.
حتى أن بطل الرواية لم ينل حبها ويعيش برفقتها إلاّ بعد خلوة مطولة في قصره نأى فيها عن زيف المجتمع ومغرياته.
فكانت بولين هي روحه التي عادت إليه.
وكم أحببتها هذه النبيلة في فقرها وثرائها.
قلما نجد انسان يبقى نبيلاً في فقره وغناه. هؤلاء كنوز تمشي في الارض.
في النهاية خاتم سليمان هو رمزية "للدنيا" التي قد ينالها أي أحد وتنسيه تنفسه وروحه. بينما الأهم هو سلامة الروح وراحة البال والجسد. التي منذ البداية كانت فينا وليست خارجنا.
ملاحظة:
شكرا للمترجمة صوفي عبدالله ولدار النشر على اختيار هذه الرواية لترجمتها ونشرها.
الترجمة موفقة والغلاف تصميمه زاد التجربة بهاءً.