عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارسه القرآن، فلَرسولُ الله ﷺ أجودُ بالخير من الريح المُرسَلة."
ما أجمل وأطيب أن تعانق رمضانات النبي ﷺ المباركة نفحات شهر رمضان الجميلة، أجواء جميلة نعيش فيها مع النبي ﷺ، ومع رمضاناته العامرة بالعبادة، وومضات من نور حياته المباركه في شهر رمضان... من وقائع وأحداث حياته في رمضاناته كلها، إلى أحواله الطيبة وهديه القويم، في صيامه، وفطره، وسحوره، وقيامه، واعتكافه...
يقبل شهر رمضان، فيقبل ﷺ على أصحابه بوجهه الجميل وهو يبشرهم بقدوم شهر رمضان المبارك، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال يومًا وحضر رمضان: "أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه، فتنزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته ؛ فأروا الله من أنفسكم خيرًا."
يدخل شهر رمضان، فيطلق الأسرى، ويعطي السائلين : يقول ابن عباس : "كان رسول الله ﷺ إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل." فما أرحمك وأكرمك يا رسول الله! ، وكيف لا يطلق الأسير ولا يعطي السائل وقد كان ﷺ، أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان...
يصوم يومه، فيفطر ﷺ على رُطَباتٍ قبل أن يصلي فإن لم تكن رُطَباتٌ فعلى تَمراتٍ فإن لم تكن حسا حسوات ٍ من ماء، وكان ﷺ يقول عند فطره : "اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، فتقبل منا إنك أنت السميع العليم... ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله. "
يجلس في تواضع مع أصحابه فيرشدهم ويرغبهم بتفطير الصائم، في دعوة إلى التراحم والتكافل، ويقول لهم ﷺ: "مَن فطر صائمًا على طعام وشراب من حلال صلت عليه الملائكة في ساعات شهر رمضان، وصلى عليه جبريل ليلة القدر." فيسأله سلمان: "يا رسول الله أفرأيت إن لم يكن عنده؟ قال فقبصة من طعام، قال أفرأيت إن لم يكن عنده لقمة خبز؟، قال: فمذقة من لبن، قال: أفرأيت إن لم يكن عنده؟، قال: فشربة من ماء."
وفي الليل كان يصلي أحيانًا وحده، وأحيانًا مع بعض أصحابه، ففي ليلة من ليالي شهر رمضان صلى رسول الله ﷺ مع حذيفة بن اليمان في حجرة من جريد النخل... فما أسعدك يا حذيفة! وفي الليل أيضًا كان يأتيه جبريل عليه السلام فيُدارسه القرآن، وهكذا في كل ليلة من رمضان.
وفي وقت السحور أحيانًا كان يمر هو ﷺ على أصحابه ليتسحر معهم، في تواضع، ومشاركة وجدانية عظيمة لا تأتي إلا من صاحب الخلق العظيم، فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: "تسحرنا مع النبي ﷺ ثم قام إلى الصلاة." وربما دخل عليه ﷺ صحابي من أصحابه وهو ﷺ يتسحر، فلابد أن يشاركه، فعن عبد الله بن الحارث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال :دخلت على النبي ﷺ وهو يتسحر فقال : "إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوه." أو ربما نادى ﷺ على أصحابه بصوته الطيب، وبابتسامته الجميلة، ليتسحروا معه، وما أعظم فرحتهم وهم يسمعون خاتم الأنبياء والمرسلين وهو ينادي عليهم ليتسحروا معه ﷺ، في مشهد شديد الجمال! فعن العرباض بن سارية قال : "سمعت رسول الله ﷺ وهو يدعو إلى السحور في شهر رمضان، وقال : هلموا إلى الغداء المبارك." ما أعظمك يا رسول الله ﷺ!
أجواء جميلة وصحبه مباركة وطيبة يعيشها ﷺ مع أصحابه في أيام وليالي شهر رمضان المبارك، نغبطهم عليها، وحتي تدخل العشر الأواخر، فيبالغ في العبادة، التماسًا لليلة القدر، وها هي زوجته وحبيبته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول: "كان النبي إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله."
لقد كانت هذه ومضات من نور حياته، ونفحات من هديه ﷺ في شهر رمضان المبارك، وما أجمله وأعظمه وأكرمه من هدي، ومن خُلق عظيم ونبيل.
اللَّهُمَّ صلِّ أفضل صلاةٍ على أسعدِ مخلوقاتك سيدنا مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلم عدد معلوماتك ومِداد كلماتك كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.