لكم يطيب للمرء أن يكبر وهو يشع بأن ثمة بلدًا ملكه , وبأنه يحق له أن يتكلم فيه بصوت عال!
هل امتلكت ذلك الوطن ؟ هل استنشقت عبير الحرية في بلادك ؟ هل أحسست بنعمة أن تكون إنسان حر في مجتمع حر ؟ أم أنك آثرت الرحيل ؟ وهل لو بقيت في ذلك الوطن انجرفت مع قاذوراته , أم قاومت وبقيت شريف ؟
من نحن ؟ وإلى أي عقيدة ننتمي ؟ وأي دين نتبع ؟ هل وصل الإيمان قلوبنا وفاض فظهر في سلوكياتنا ؟ أم أن الدين عندنا مجرد ظاهر من مظاهر الحياة (كلون الملبس ولون دهان البيت ) ؟ ما هي ماهيتنا الحقيقية ؟
هذا رابع لقاء لي مع العظيم أمين معلوف , وأفضلهم على الاطلاق , ففيه عرض لتجربته الذاتية مع تصرف شديد , ليقدم لنا في المجمل تجربة انسانية شاملة من أعظم ما يكون .
رفقاء ضاع بهم السبيل وأصدقاء فرّقتهم سبل الحياة , ليتخاصم من يتخاصم ويفارق من يفارق , ويبيع منهم نفسه ويثبت آخر , ولكن في النهاية هناك منهم من هاجر بحثًا عن راحة , وهناك من بقى أملًا في إصلاح ولكن عن بُعد , بوسعنا أن نرفض ونفلت من العقاب , أما عن قرب فنحن لا نتمتع دوما بتلك الحرية .
هي قصة وطن , وقصة مجتمع , فتك بأبناءه ليعانوا من كونهم أبناءه , ويتخذ بعضهم هذا عذر في ترك الوطن ويقول لنفسه:
فالرحيل عن الوطن سُنة الحياة , وأحيانًا , تفرضه الأحداث , وإلا , فيجب أن تخترع له عذرًا , لقد ولدت على كوكب , لا في بلد , أجل بالطبع , ولدت أيضا في بلد , في مدينة , في طائفة , في أسرة , في حضانة , في فراش ... ولكن المهم عندي وعند جميع البشر على السواء أنني جئت إلى هذا العالم , إلى هذا العالم! فالولادة هي المجئ إلى العالم , لا إلى هذا البلد أو ذاك , لا إلى هذا البيت أو ذاك
ولكن يبقى ضمير المرء الحي , ذلك الضمير الذى يظل يقول لك :
أما أن يرغب بالعيش سنة تلو الأخرى في بلد غريب , متخفيًا في حاضرة مترامية الأطراف , فلم يكن ذلك بالنسبة إليه تخليًا عن الأرض الأم فحسب بل إهانة للأجداد , وتشويها للروح نوعًا ما .
في العمل صراع نفسي بشع , بين الضمير الحي والندم وبين الراحة والأمل , بين احساس دفين بالحزن وبين لحظة سعادة حقة نحلم بها , بين الرغبة في دفن الماضى وبين فوات أوان دفنه , وعندما يسبق الموت لا يسعنا إلا القول بأن :
إذا كانت هناك حياة ما بعد اللحد , فسيكون لدينا الوقت للمصارحة , أما إذا لم يكن هناك سوى العدم فلن تعود لخصومات كائنين محكومين بالفناء , في جميع الأحوال , أهمية تذكر.
العمل يقدم لك شخصيات عجوز تستذكر شبابها الضائع ويبكون عليه : يالله كم أكره الزمن الذي يمضي ويحولنا جميعًأ إلى أشخاص عاديين مثيرين للشفقة !
في العمل هناك أحد الشخصيات يصرح ويقول بلغ بي الأمر أنني اعتقدت بأن الحل الأمثل هو أن أنام للمرة الأخيرة وسط غرفتي محاطًا
بكتبي و موسيقاي , و ألا أستيقظ أبداً .
قل لي بربك , في أي المجتمعات تسمع شاب يبلغ ال20 من عمره يتفوه بذلك الكلام ؟
مجتمع هُزم في كل صراعاته , ولكن لطالما وجد الحجة جاهزة :
فالمهزومون ينزعون دوما لإظهار أنفسهم بمظهر الضحايا الأبرياء . ولكن ذلك لا يطابق الحقيقة , فهم ليسو أبرياء على الإطلاق . إنهم مذنبون لأنهم هُزموا . مذنبون تجاه شعوبهم , ومذنبون تجاه حضارتهم. ولا أتحدث فقط عن الحكام , بل أتحدث عني , وعنك , وعنا جميعًا . إذا كنا اليوم مهزومي التاريخ , و إذا كنا مذلين بنظر العالم أجمع كما بنظرنا, فالحق ليس فقط على الآخرين , بل علينا أولًا .
العمل ناقش قضية غاية في الأهمية , وهو قضية المتغرب أكثر من الغرب نفسه , المتفرنج , ولكن في نفس الوقت يعاني من ضمير حي وروح مثقلة فنجد القول :
الغرب هو المؤمن , حتى في علمانيته , والغرب هو المتدين , حتى في إلحاده . وهنا , في المشرق , لا يكترث الناس للعقائد الإيمانية بل للانتماءات. فطوائفنا عشائر وغلونا الديني شكل من أشكال القومية .
ولم يخلُ العمل من تطرق لانقسام العالم إبان تشتته بين المبادئ والمذاهب :
فلقد استعبدت الشيوعية البشر باسم المساواة , والرأسمالية تستعبدهم باسم الحرية الاقتصادية . وبالأمس كما اليوم , أصبح الله ملاذ للمهزومين , وملجأهم الأخير . باسم ماذا تريد أن تحرمهم منه ؟ وللاستعاضة عنه بماذا ؟
عمل ثري , خصب مكثف , تناول واقعنا وحاضرنا وماضينا وتطرق إلى مستقبل مجهول يدفع للتشاؤم , بين الصداقة الحقة التي تفرقها الظروف والطوائف , صداقة مزقتها مشاكل كانت بعيدة عن أشخاصهم ولكنها مسّت صلب طوائفهم فانجرفوا بالرغم منهم .
أحداث متسلسة بطريقة بديعة عظيمة , ونهاية مؤلمة تذرف معها الدمع , ليحق قوق الكاتب :
ليس بيدك أو بيدي حيلة . نحبهم ثم يموتون . عبثًا نحاول استبقاءهم , ولكنهم ينزلقون من بين أصابعنا , ويرحلون , ويموتون.
ترجمة النص كانت من الجمال بمكان تدل على عظمة النص الأصلي فائقة العظمة .
أمين معلوف : لقد حفرت محبتك في قلبي بنور , فلست فقط بروائي متمكن ولكن مفكر رفيع الطراز ومؤرخ من أكمل ما يكون . فشكرًا من القلب .
عمل من أعظم ما قرأت ما حياتي .