"تتداخل الصّورُ في مخيلته، وتتقاطع الأصوات: الدّين رياء، القضاء ظلم، القدر عبث. هكذا كان يردّد مع صديقه هاشم، وهو مفعَمٌ بآمال جامحة قبل أنْ تبدّدها رياحُ الأقدار."
"شتاء 97" كانت مغامَرة. مغامرة تركتني ثقيلًا، ولا أعرف كيف أتخفّف منها الآن.
للكاتب لغة بليغة دقيقة، ومع أنّها بدَت كلاسيكيّة جدًّا في أحيان، فإنّ الفصول القصيرة والأحداث المتوالية أبعدت الملل. كما أنّ النّصّ اقتحم بجرأةٍ مناطقَ محرّمة كثيرة، كحريّة المعتقد الدّينيّ والتوجّه السياسيّ والحريّة الجنسيّة والهويّات الاجتماعيّة. الشّخصيّات -كما الأحداث- عديدة، ومتنوّعة في توجّهاتها وهويّاتها وخلفيّاتها، كانت المشكلة في سطحيّتها (داخل السّرد)، فالبَطَلانِ مثلّا لا أفرّق بينهما إلا في الاسم ومسار الأحداث. افتقدتُ أيضًا وجودَ أداور حقيقيّة للنّساء في القصّة، لكنهن كنّ مقصورات على دور العاشقة (أو الزوجة)، بلا تأثير حقيقيّ في محرى الأحداث.
عُقب انتهائي من رواية "شتاء ٩٧" تيّقنت من أن دور الرقابة الإعلامية والصحفية والأمنية على أعمال كهذه هو صورة من الصور التي أوردها يوسف الحاج في بطن الرواية. بإمكان المرء أن يقول بصراحة وفهم : "آها، لهذا مُنعت هذه الرواية"، وأحياناً الصدق له معنىً خاص في معاينة الواقع الذي يُريبنا ونخافه ولكنه يتجذر فينا. الصدق في الأعمال الأدبية له طعم خاص وحقيقيّ، وهذا الهاجس ما فتئ يُراودني طِوال قراءتي للعمل، حتّى حين نسيتها في المنزل لأسبوع. مقدار صدق العمل هو ما يجعل القارئ يرتبط به ويشعر به وبالتالي لا يتعامل معه معاملة الأدب الخيالي مهماً كانت تفاصيله من نسخ الخيال، يبقى صادقاً، ومَحوَرة الواقع بقشور خياليّة لا ينزع عن العمل صفة الصدق أو الواقعية.
أرى أن يوسف الحاج قد وُفِّق في طرح مأساة وجودية تنهش صدر العالم اليوم، لقد وصّلَ للمتلقي بنجاح -أنا على سبيل الحصر- معضلة إنتكاسة الضعيف تحت وطأة القوي، وفي حالات كهذه لا يهم مَن على حق ومَن على باطل، ما هو واضح وجليّ كون السلطة الساقطة في أيادٍ تؤمن أو تعتقد برؤية ما، سوف تعمل ما يتطلبه الأمر في فرض هذا الإيمان/ الاعتقاد وفي دحض ما يعاكسه بأبشع الطُرق اللا إنسانيّة.
الشيء الذي لا يمكنني فهمه بحق -ربما قصوري الذاتيّة لها يدٌ في ذلك- هو مدى الرُعب الذي تتسبب فيه الأفكار والمعتقدات لكيانٍ صاحب قوة وسيادة. ربما التفسير الذي قد أحصل عليه بسهولة يكمن في جوف الكيان المهتزّ نفسه، ذلك الوجود الجمعيّ الذي يمتلك جميع الموارد العسكريّة وغيرها ويستعملها في طرح المُخالِف أرضاً بخوفٍ واضح من شلل المنظومة التي حاول أن يُثبّتها قسراً على العقول والأرواح، سعي مضنٍ وجاحد في تحوير عقول لألّا تتخذ الطرق الخاصة بها، أو ربما هو جهلٌ تام بماهية الضعيف نفسه. خوفٌ يُرعب كيانات كهذه من قوة الفِكرة وقوة من يحملها، لذلك ترى أشدّ المشاهد الباعثه على الاشمئزاز تمارسها -بحقٍ وثقة وعجرفة- هذه الأنظمة من تعذيب وتهديد ودوس لكيان الفرد البسيط مُمحيَّةً بذلك أبسط الحقوق الفردية له. لا أعلم صراحة كيف لأُناس كهذه أن تعبد هذا التتابع الممل والمُسكِت للعقل والتغيّر والديناميكية، كيف لهم أن يفرضوا على الأغلبية -نفسياً واجتماعياً وعُرفياً ودينياً- هذا النوع من الجمود المُبغض والتبعية العمياء لما هو سائد، فقط لأنه سائد ومُتعوَّد عليه، كيف لا يطرحوا إحتمالية كونهم مخطئون؟
هناك شيء أثار اهتمامي اجتماعياً في هذه الرواية؛ هو كونها جاءت مُطبعةً لأفعال تتشدق بها الأعناق عند ذكرها، أفعال مكروهة بمقاييس عدّة ولكنها واقعياً تُرى مرأى العين رغم جميع التشنجات الفكرية والدينية والعُرفية في مجتمعاتنا العربية، ولطالما نحن لا نسوّف في تحريف الواقع فقط لإتباع مثاليّات واهية فهذا الشيء ليس بسيئ.
أسلوب أدبيّ جميل مارسة الكاتب هنا في طرح رواية تتخللها وتنسلّ منها أفكار عدة. أستمتعت بالفصول القصيرة التي تسحب القارئ للخضوع طوعاً لسلطان الأدب والتسلسل العميق للأبعاد المختلفة التي تكتويها الرواية، إنها حقيقية جداً! وبعكس حِراكات أخرى تمخّضت عن روايات واقعية أخرى، إلا أن هذه الرواية تمحورت حول حِراك فكري من نوعٍ آخر وأعمق في ما يتعلق بأدبيات السياسة والحق الشعبي رغم أنها لم تحدث فعلياً (هُنا على الأقل)، أو ربما حدثت ولكن لا أعلم بها. أنصح بها..
الكثير من الخيوط المكومة والمتداخلة تبدأ بالتفكك شيئًا فشيئًا ولكن إلى ماذا يفضي كل ذلك، سؤال قد يدور في بال القارئ وسط سيل الأحداث المتداخلة والتي تبدأ من تلك الحارة المطلة على الشاطيء بمشاكل الحارات المعتادة، قضايا دينية، أسئلة وجودية، وجدليات أخلاقية. رغم أنني وجدت أن الكاتب كان يتعمد التصوير والاستعارة في توصيفاته إلا أنك تدرك مع انحلال العقد المختلفة أن كل التوصيفات لم تكن إلا أدوات من السهل جدًا أن تنتبه إليها تنسى أحداثًا تشكل مجرى الرواية.
كانت أولى الخيوط التي تبدأ بالتفكك هي وضع الشاب وسط كل التيارات والتحولات الدينية وبالطبع بورود الكثير من الأسئلة الوجودية والحقوقية وهنا تنطلق شخصيتين ملازمتين لبعضهما هاشم وجهاد وكل كانا يقودان غالبًا كل التحولات التي تطرأ وهذا ما حرك الرواية نحو تفكيك كل الخيوط المتشابكة.
الدين وموقف الضعف، كانت الأحداث لا تخلى من الإشارة إلى الدين والممارسات المتعلقة به وتظهر تلك الإشارات في تطبيق الدين كفكرة ومبدأ وكيفية تعامل العموم مع الفكرة والمبدأ، وهنا نلاحظ أن خط الدين بدأ واضحًا وسط كل شيء ولا يمثله أحد بعينه بل كان حالة سائدة ينتمي إليها الجميع ويخطئ فيه الجميع على حد سواء وهنا تظهر طبيعة وواقعية السرد حيث أنها كانت تعمم الحالة وتخصص ممارستها فرغم تزمت الديك إلا أنه شوهد متسللًا لمصنع خمر ورغم ضياع الطفس إلا أنه لا ينسى رفع يديه مبتهلًا.
الحالة الفكرية والتغيير، وهنا يظهر التفاوت الذي مكّن للطفس فهم فلسفة حياتية ما، ولكنه فقد قدرته على الفهم عندما تعلق الأمر بالإيدز، كما أن التجارب الثقافية والمعرفية سرعان ما كانت تنتقل من تيار لآخر مكونةً المشهد العام، بين المكروه والمحبوب ولم يكن صدى صوت التيارات الدينية إلا مؤشرًا على وجود تغييب قدسي معلن.
الانعطافات، شكلت التحولات في حياة الشخصيات خيوطًا جديدة، كونت مفهوم علاقة السلطة بالفرد، وهنا يظهر عبدالحكيم وفراس وبهما يتكون وجها عملة الدولة بين فساد يؤدي إلى الجريمة وفساد برعاية القانون.
ختامًا، كان شتاء ٩٧ بارد ومظلم وموحش، كان الهلاك المحتمل غير أنه اختبئ كثيرًا بشكل متقن ولكن غرشة خمر كانت كفيلة باستدعاء الهلاك وانتهاء كل شيء.