لعب الأداء المتدني للإقتصاد السوداني، والمعاناة المستمرة نتيجة الحروب المتقطعة (منذ الاستقلال)، والتمثيل غير المتكافئ للأقاليم في الحكومة ومؤسسات الدولة، لعبت هذه العوامل جميعها دورا في إشعال أشكال جديدة من الحراك الاجتماعي والسياسي خاصة بعد الانتفاضة في عام 1985. أما في ما يتعلق بالتفكير السياسي والبحث الأكاديمي ذي الصلة، فهناك عدد من المساهمات التي تناولت قضايا عدم المساواة في الدخول والفرص وتقاسم السلطة وتوزيع الدخل والثروة، وقد استنتج بعض الباحثين أن المشاكل انفة الذكر يمكن تفسيرها أو ارتباطها بهيمنة سياسات طبقة الاسلاموعربية التجارية وسعيها لترقية مصالحها.
في هذه الورقة نطرح إطارا اخر نحاول من خلاله أن نتفهم الأسباب التي أدت إلى سوء إدارة الشئون الاقتصادية والسياسية في السودان منذ الاستقلال وكشيء مرتبط بذلك، لماذا لم تتم معالجة الخلل في التوازن التنموي بين الأقاليم المختلفة في السودان. تفترض الورقة أن الدور الذي لعبته النخبة كان مركزيا، وتري أن أن نوعية التعليم الذي تلقته وأهدافه وخلفيات أفراد هذه النخبة الجهوية والاجتماعية والاثنية، وانتماءاتهم السياسية، كلها مهمة في تفسير سلوكياتها وتعاملها مع القضايا القومية الكبيرة.
يتحدث الكتاب عن الأسباب الموضوعية أحيانا والاعتباطية في أحيان اخرى التي ساهمت في تركز طبقة المتعلمين الجامعيين وشاغلي الوظائف في خلفيات مناطقية وعرقية - تحديدا الخرطوم والإقليم الشمالي والأوسط -، بينما يصل في أحيان كثيرة إلى الصفر بالنسبة لإقليمي دارفور والجنوب. يناقش الكتاب عددا من الأسباب حرص طبقة التجار على تدوير مصالحهم، زعماء القبائل وكذلك المهدية وأنصارها. إلا أن المبحث المهم الذي أهمله الكتاب برغم إشارته إليه هو لم يم يتم فك احتكار هذه النخبة. يشير الكاتب في هذا الاتجاه سريعا إلى نمط الاقتصاد الريعي وحرص النخبة على تدوير مصالحها. الكتاب مثير للاهتمام ويطرح عددا جيدا من النقاط أثارت اهتمامي تقاطعات مصالح النخبة كقضية توطين الرحل وقضية سودنة الخدمة المدنية عند الاستقلال.
حيث يورد الكاتب عن الضباط الإداريين حينها بأنه"كان يتم اختيار الغالبية العظمى منهم من نخبة المجتمع الفكتوري في بريطانيا. أما عن مستوى مؤهلاتهم الأكاديمية الرفيهعة فيورد تقنور أنه " من بين 393 من الضباط السياسيين (الإداريين البريطانيين) الذي كانوا في خدمة الحكم الثنائي في السودان كان 310 أي 79% منهم من خريجي الجامعات، و 90% من هؤلاء هم من خريجي جامعتي أكسفورد وكامبريدج العريقتين كما أن عددا مقدرا منهم قد تخرج بالدرجة الأولى" ، كما يورد في قسم اخر أن الإداريين البريطانيين كانوا يتلقون تدريبا في مدرسة الدراسات الشرقية بجامعة لندن ومكتب المستعمرات في لندن، بالإضافة لتدريبهم في مكتب السكرتير اإداري في الخرطوم ورئاسات المديريات وكل ذلك قبل أن يتولوا أي مسؤوليات أو ينقلوا إلى مواقعهم الإدارية قارن ذلك بسودنة الوظائف الأدارية بالكتبة أو شغل وظيفة مدير الطيران المدني بباشكاتب حينها أو مقولة إذا كانت الحرية تعني انهيار الخدمة المدنية يعني فلتنهار!.