من فترة طويلة وبعيدة جدًا, كنت كلما شعرت أن الكتابة ضاقت عليّ, أن اللغة صارت ضيقة وما عادت تتسّع لأفق جديد, أعود لتاج السِر, ومعاه السِر, كان يلهمني وما زال يفعلها, وببراعة متفرّدة ومختلفة في كل مرة.
لا أعرف أي كلام يليق, أمام الشخص الوحيد الذي أتساءل دائمًا:
من أي له هذا الوصف؟ كيف وصل لهذا التصوير؟ كيف كتب هذا السطر,
ثم أردفها مراتٍ عديدة بـ يا ألله.
الأمر ليسَ غريبًا أبدًا, لإنه فعلًا خلّاق لغوي وكاتب من طِراز عجيب.
عجيب وعلى قمة الفرادة أيضًا.
قال مرّة في حِوار: "تعودت منذ بدأت الكتابة أن أهتم بنصوصي خاصةً من الناحية الفنية. أنا أنفقت زمنًا طويلًا في الكتابة".
وقال في نفس الحِوار أيضًا: "لا أستدعي الكتابة أبدًا، ولا أخطط لها، وأنتظر حتى تأتي الفكرة وحدها، ثم قد أظل وقتًا طويلًا أبحث عن بداية. البداية عندي هي المشكلة، وكم من مرة ضاعت مني نصوص مكتملة في الذهن لأنها أتت بلا بدايات وحين أقترب من إكمال الرواية، تأتي مشكلة أخرى، وهي إنهاؤها. أحيانًا أتعاطف مع شخوصي، وأحاول أن أتدخل في مصائرهم، وأحيانًا أترك الأمر يمضي بخيره وشره".
-
وعن "سيرة الوجع" يقول صاحبها: "هي مجموعة حكايات من السيرة، كتبتها عن ذكرياتي أيام عملي مفتشًا طبيًا في الحدود السودانية الإريترية, وبعض الذكريات من مدينة بورتسودان، وتؤرخ لفترة هامة من تاريخي الشخصي وتاريخ الوطن".
* اللغة حيوية جدًا, حركيّة مبهرة, وتُشعر معها أن الحياة كلها في رئتيك وأنت راضي ومستمتع.
بعض النقّاد الأعزّاء أوردوا في قراءاتهم أن هذا الجانب يُنقِص من الرواية, لكني وقفت على عكس ذلك, شاعرية الكاتب لم تُفسد جوّ الملمح الدرامي الواقعي في الأحداث. كان كل شيء منظمًا ومحبوكًا بطريقة جيدة.
والرواية جمعت بين الذاتية والمكانية والموضوعية عمومًا. لم تكن مملّة أبدًا
مثل هذا القرب من البيئة السودانية يحرّضك على إلتقاط أمور عديدة وجديدة ربما لا تعرفها أبدًا من قبل.
أيضًا فيها شيء آخر, يمكنك قراءتها متصلّة/منفصلة. أقصد بعض المقاطع يمكنك فصلها وأن تجعلها قِطعْ منفردة, أو مثل قصة قصيرة وسوف تلاحظ بنفسك أنها لا تخلو من أي جانب من جوانب القصة.
قصة قصيرة من رواية؟ تحدث وحدثتْ هنا وبشكلٍ محترف.
بالمناسبة.. في الحِوار الذي ذكرت منه أجزاء في الأعلى, وجه للكاتب سؤال عن اللغة الشعرية وما إذا كانت تؤثر سلبًا على المفهوم العام للرواية, وماذا تقدم أصلًا للرواية. فكان جوابه: "أكتب بلغة شعرية، ولكن لا ألهث خلف غواية الشعر كما يفعل البعض، للشعر قوانينه وللسرد قوانينه، ولا أعتقد أن لغتي تضر بنصوصي إذا اعتبرناها تأتي هكذا مع النصوص من دون تعسف أو إكراه، إنها اللغة التي ولدت مع كتاباتي وظللت معها، وستظل ما دمت أكتب، ولم أسمع عن شكوى من كتابتي غير مفهومة بسبب اللغة الشعرية".
ومثل سِر جانبي:
امتلك الطبعة الأولى من سنة 2008,
لكنّي اشتريت الطبعة الثانية لإعادة القراءة.. ولإن الغلاف بصراحة أعجبني :p