Depuis plusieurs années déjà s’élèvent des critiques d’une radicalité inouïe contre le cœur même de l’héritage des Lumières : le rationalisme, le progressisme, l’universalisme. Ces critiques se revendiquent de l’émancipation des dominés, marqueur traditionnel des différents courants de gauche. Mais s’inscrivent-elles dans le prolongement de celles qui, depuis l’émergence des mouvements socialiste, communiste ou anarchiste, avaient pour horizon un prolongement et un élargissement des combats des Lumières « bourgeoises » ? Il est malheureusement à craindre que non. Une partie de la gauche est-elle dès lors en train de se renier elle-même ?
Stéphanie Roza est chargée de recherches au CNRS, spécialiste des Lumières et de la Révolution française. Ses recherches actuelles portent sur l’héritage du XVIIIe siècle français dans le monde contemporain. Elle a publié Comment l’utopie est devenue un programme politique. Du roman à la Révolution (Classiques Garnier, 2015). A paraître : Lumières de la gauche (Editions de la Sorbonne). Stéphanie Roza est chargée de recherches au CNRS, spécialiste des Lumières et de la Révolution française. Ses recherches actuelles portent sur l'héritage du XVIIIe siècle français dans le monde contemporain. Elle a publié Comment l'utopie est devenue un programme politique. Du roman à la Révolution (Classiques Garnier, 2015). A paraître : Lumières de la gauche (Editions de la Sorbonne).
يقدّم كتاب ستيفاني روزا دراسة فلسفية وسياسية كثيفة تنشغل بسؤال أصبح في قلب النقاشات الفكرية المعاصرة داخل اليسار. ماذا يتبقى من إرث عصر الأنوار حين تتجه بعض التيارات التقدمية إلى التشكيك في العقلانية والكونية وفكرة التقدم نفسها؟ تبدأ الكاتبة من فرضية أساسية مفادها أن جزءًا من اليسار المعاصر دخل في مسار نقدي انتهى به إلى مهاجمة الأسس الفكرية التي قامت عليها المشاريع التحررية الحديثة، وهي الأسس التي تمثلت تاريخيًا في الثقة بالعقل النقدي، والإيمان بإمكان تحسين الواقع الإنساني، والدفاع عن القيم الكونية المشتركة.
يتدرج الكتاب عبر فصول مترابطة ترسم مسارًا تاريخيًا وفلسفيًا واضحًا؛ إذ تستعرض روزا العلاقة بين الأنوار والتقاليد التقدمية، ثم تنتقل إلى تتبع موجات النقد التي عرفها الفكر اليساري منذ مدرسة فرانكفورت وصولاً إلى تأثيرات ما بعد البنيوية، قبل أن تخصص فصولاً لمناقشة الهجمات الموجهة إلى العقل والكونية والتقدم، إضافة إلى صعود السياسات الهوياتية وبعض المقاربات ما بعد الكولونيالية. وقد وجدتُ أنَّ هذا البناء يمنح الكتاب قدرًا كبيرًا من التماسك، لأنَّ كل فصل يبدو امتدادًا منطقيًا لما يسبقه.
في ما يتعلق بمسألة العقلانية، تقدّم روزا موقفًا حازمًا ومقنعًا. فهي ترى أنَّ اليسار لا يستطيع التخلي عن العقل إذا أراد الحفاظ على طابعه التحرري، لأنَّ فهم العالم شرط أساسي لتغييره. غير أنَّها تميز بوضوح بين عقل نقدي تأملي قادر على مراجعة ذاته، وعقل أداتي يتحول إلى أداة للهيمنة والتقنين. ومن خلال هذا التمييز تدافع عن إمكانية الجمع بين النقد الجذري والتمسك بالعقل، معتبرةً أنَّ بعض الاتجاهات ما بعد الحداثية ساهمت في طمس هذا الفارق حين وضعت كل أشكال العقلانية في سلة واحدة.
أمّا في ما يخص فكرة التقدم، فقد بدت الكاتبة أكثر حذرًا. فهي لا تتجاهل الكوارث التي شهدها القرن العشرون ولا الأضرار التي ارتبطت ببعض أشكال الحداثة، غير أنَّها ترفض الاستنتاج القائل باستحالة أي تحسن تاريخي. ومن هنا تدعو إلى تصور نقدي للتقدم يبتعد عن الرؤية الخطية الساذجة للتاريخ ويأخذ في الاعتبار التحديات البيئية والاجتماعية المعاصرة، مع الحفاظ على الأمل في إمكان تحقيق أوضاع أكثر عدالة.
وتحتل قضية الكونية موقعًا مركزيًا في الكتاب. تميز روزا بين كونية تاريخية ارتبطت أحيانًا بالمشاريع الاستعمارية، وكونية معيارية تقوم على المساواة في الكرامة والحقوق بين البشر جميعًا. وقد وجدتُ أنَّ هذا الجانب من أكثر أجزاء الكتاب قوة، لأنَّها تبيّن كيف استندت الحركات النسوية والعمالية والمناهضة للعنصرية تاريخيًا إلى مبادئ كونية في مطالبها، الأمر الذي يجعل التخلي عنها باسم مقاومة الهيمنة أمرًا يثير مفارقة فكرية حقيقية.
ويحتل تحليلها لفكر ميشيل فوكو مكانة بارزة في الكتاب، إلى جانب الإشارات إلى كارل ماركس ومارتين هايدغر. وقد وجدتُ أنَّ قراءتها لفوكو، خاصة في مرحلته الجينيالوجية خلال سبعينيات القرن الماضي، تفسّر بصورة مقنعة أثر نقده للسلطة والمعرفة في نشوء بعض الاتجاهات ما بعد الحداثية. مع ذلك، يظل الانطباع قائمًا بأن بعض تعقيدات مشروعه الفكري قد جرى اختزالها من أجل تعزيز تماسك الحجة العامة.
يمتاز الكتاب بلغة واضحة، وثقافة فلسفية واسعة، وصرامة ملحوظة في تتبع تاريخ الأفكار، فضلاً عن حرص الكاتبة على محاورة خصومها الفكريين دون السقوط في السجال التبسيطي. إلّا أنَّ ثمة نقاط ضعف لا يمكن تجاهلها؛ فاليسار الذي تنتقده يظل أحيانًا مفهومًا فضفاضًا يضم مواقف شديدة التباين، كما أنَّ البديل النظري الذي تدعو إليه يبقى في حدود الإشارات العامة أكثر من كونه مشروعًا متكاملاً. كذلك شعرتُ أنَّ إسهامات التيارات النسوية وما بعد الكولونيالية تحظى باعتراف محدود لا ينعكس بصورة كافية داخل الرؤية التركيبية التي تقترحها. وعلى الرغم من هذه الملاحظات، يظل الكتاب مساهمة فكرية جريئة ومهمة تعيد فتح النقاش حول العقل والتقدم والكونية، وتدعو اليسار إلى إعادة التفكير في الأسس التي قامت عليها وعوده التحررية الأولى.