قال أبو عبيدة: أشعر الناس أهل الوبر خاصة، وهم امرؤ القيس، وزهير والنابغة، فإن قال قائل: إن امرأ القيس ليس من أهل نجد، فلعمري! إن هذه الديار التي ذكرها في شعره ديار بني أسد بن خزيمة. وفي الطبقة الثانية الأعشى، ولبيد، وطرفة. وقيل: إن الفرزدق قال: امرؤ القيس أشعر الناس؛ وقال جرير: النابغة أشعر الناس؛ وقال الأخطل: الأعشى أشعر الناس؛ وقال ابن أحمر: زهير أشعر الناس؛ وقال ذو الرمة: لبيد أشعر الناس؛ وقال ابن مقبل: طرفة أشعر الناس؛ وقال الكميت: عمرو بن كلثوم أشعر الناس؛ والقول عندنا ما قال أبو عبيدة: امرؤ القيس ثم زهير والنابغة والأعشى ولبيد وعمرو وطرفة. وقال المفضل: هؤلاء أصحاب السبع الطوال التي تسميها العرب السموط، فمن قال: إن السبع لغيرهم، فقد خالف ما أجمع عليه أهل العلم والمعرفة، وقد أدركنا أكثر أهل العلم يقولون: إن بعدهن سبعاً ما هن بدونهن، ولقد تلا أصحابهن أصحاب الأوائل، فما قصروا، وهن المجمهرات، لعبيد بن الأبرص، وعنترة بن عمرو، وعدي بن زيد، وبشر بن أبي خازم، وأمية بن أبي الصلت، وخداش بن زهير، والنمر بن تولب. وأما منتقيات العرب: فهن للمسيب بن علس، والمرقش، والمتلمس، وعروة بن الورد، والمهلهل بن ربيعة، ودريد بن الصمة، والمتنخل بن عويمر. وأما المذهبات: فللأوس والخزرج خاصة، وهن لحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ومالك بن العجلان، وقيس بن الخطيم، وأحيحة بن الجلاح، وأبي قيس بن الأسلت، وعمرو بن امرىء القيس. وعيون المراثي سبع: لأبي ذؤيب الهذلي، وعلقمة بن ذي جدن الحميري، ومحمد بن كعب الغنوي، والأعشى الباهلي، وأبي زبيد الطائي، ومالك بن الريب النهشلي، ومتمم بن نويرة اليربوعي. وأما مشوبات العرب، وهن اللاتي شابهن الكفر والإسلام، فلنابغة بني جعدة، وكعب بن زهير، والقطامي، والحطيئة، والشماخ، وعمرو بن أحمر، وابن مقبل. وأما الملحمات السبع فهن: للفرزدق، وجرير، والأخطل، وعبيد الراعي، وذي الرمة والكميت بن زيد، والطرماح بن حكيم. قال المفضل: فهذه التسع والأربعون قصيدةً عيون أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، وأنفس شعر كل رجل منهم. وذكر أبو عبيدة في الطبقة الثالثة من الشعراء: المرقش، وكعب بن زهير، والحطيئة، وخداش بن زهير، ودريد بن الصمة، وعنترة، وعروة بن الورد، والنمر بن تولب، والشماخ بن ضرار، وعمرو بن أحمر. قال المفضل: هؤلاء فحول شعراء أهل نجد الذين ذموا ومدحوا، وذهبوا في الشعر كل مذهبٍ، فأما أهل الحجاز، فإنهم الغالب عليهم الغزل. وذكر أبو عبيدة: أن الناس أجمعوا على أن أشعر أهل الإسلام: الفرزدق، وجرير، والأخطل، وذلك لأنهم أعطوا حظاً في الشعر لم يعطه أحدٌ في الإسلام، مدحوا قوماً فرفعوههم، وذموا قوماً فوضعوهم، وهجاهم قومٌ فردوا عليهم، فأفحموهم، وهجاهم آخرون، فرغبوا بأنفسهم عن جوابهم وعن الرد عليهم، فأسقطوهم، وهؤلاء شعراء أهل الإسلام، وهم أشعر الناس بعد حسان بن ثابت لأنه لا يشاكل شاعر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أحدٌ. وذكر عن أبي عبيدة قال: قيل لجرير: كيف شعر الفرزدق؟ قال: كذب من قال إنه أشعر من الفرزدق! قيل: فكيف شعرك؟ قال: أنا مدينة الشعر! قيل: كيف قول الراعي؟ قال: شاعر ما خليته وإبله وديمومته! يريد راعي الإبل؛ قيل: كيف شعر الأخطل؟ قال: أرمانا للأعراض! قيل: كيف شعر ذي الرمة؟ قال: نقط عروسٍ وبعر ظباء! وأما جرير فأعزنا بيتاً، وأما الفرزدق فأفخرنا بيتاً. وقال أبو عبيدة: فتح الشعر بامرىء القيس، وختم بذي الرمة، رواه أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء. وعنه: عن مسلم عن أبي بكر المديني قال: جاء رجل من بني نهشل إلى الفرزدق، وهو بالبصرة، فقال: يا أبا فراس! هل أحد اليوم يرمي معك؟ قال: والله ما أعلم نابحاً إلا وقد انحجر، ولا ناهساً إلا وقد أسكت، إلا أبياتاً جاءت من غلام بالمروة. قال: وما هي؟ قال قوله: الطويل فإنْ لم تكنْ في الشّرقِ والغربِ حاجتي *** تَشاءمتُ أو حَوّلتُ وَجهي يَمانيَا فُردِي جِمالَ الحيّ، ثمّ تَحَمَّلي *** فما لكِ فيهم من مُقامٍ، ولا لِيَا فإنّي لَمغرورٌ أُعَلَّلُ بالمُنى، *** لياليَ أدعو أنّ مالَكَ مالِيَا بأيّ سِنانٍ تَطعنُ القَومَ، بعدما *** نزَعْتَ سِناناً من قَناتِكَ ماضِيَا بأيّ نِجادٍ تَحمِلُ السّيفَ، بعدما *** قَطَعْتَ القُوى من مَحملٍ كان باقيَا لِساني وسَيفي صارِمانِ كلاهما *** ولَلْسَّيفُ أشوى وَقعةً من لسانِيَا فقيل: من هو؟ قال: أخو بني يربوع. وقال أبو عبيدة: قيل للأخطل: أنت أشعر أم الفرزدق؟ قال: أنا، غير أن الفرزدق قال أبياتاً ما استطعت أن أكافئه عليها: الكامل يا ابنَ المَراغة! والهِجانُ إذا التَقَتْ *** أَعنَاقُها وتَمَاحَ: َ الخصمانِ كانَ الهَزيلُ يَقُودُ كُلَّ طِمِرَّةٍ *** دَهْمَاءَ مُقْرَبَةٍ وكُلَّ حِصانِ يا ابنَ المَراغَةِ! إنَّ تَغلِبَ وائلٍ *** رَفَعُوا عِناني فوقَ كلِّ عِنانِ
رتب أبو زيد القرشي في هذا الكتاب عيون الشعر العربي كما يراها , مبتدئاً من المعلّقات منتهياً بالمنتقيات, على سبعة أجزاء كلّ منها تضمّ سبعة شعراء , مدوّناً لكلّ منهم أفضل قصيدة له, فهي تسع وأربعون قصيدة. في مقدمته يتكلّم عن علاقة الشعر بالقرآن, وأن لغة القرآن كانت من جنس كلام العرب,قد يحيل هذا إلى جدل كان في عصره فيمن يحاول اللمز بعربية القرآن , حتى كان هذا المبحث ممكناً و بحاجة للإثبات, المبحث الذي لم يخترعه أبو زيد القرشي طبعاً , بل هو مثبت ومتردّد في كتب التفاسير واللغة. ويتكلّم عن علاقة الشعر بالجنّ , و الشعر بالنبي , ثم الشعر بالصحابة ,ليس فيما قالوه من شعر فقط, و إنما في مفاضلاتهم بين الشعراء. التحقيق في النسخة التي لدي ( دار الكتب العلمية )سيء و ضعيف ومحدود الجهد والمصادر, ولا علم لي بالنسخ الأخرى التي أرجو أن تكون أفضل.
تسع واربعون قصيدة من عيون الشعر العربي، تقرأها تعيش بها تبحث عن معانيها تًذهل من سعة خيالها وروعة وصفها, شعر في الوصف والحماس والفخر في الرثاء والشجاعة. لن تجد مثيلاً لها في اي شعر او لغة، احيانا كنت اقف اما البيت مرة ومرتين وثلاثة حتى اجلو ما غمض من كلماته، وخلال قراءتي لهذا الكتاب ادركت كم هي ضحلة معرفتي باللغة العربية، وصدق ابن العباس حين قال: من اراد ان يفهم القرآن فعليه بشعر العرب فهو لسانهم والمعبر عنهم.
عن المرءِ لا تَسألْ وسَلْ عن قَرينهِ فكلُّ قرينٍ بالمقارنِ مُقتدِ
ومنتقية عروة بن الورد،
فيَوْمًا على نجدٍ وغاراتِ وأَهلِهِا ويوماً بأرضٍ ذاتِ شَثٍ وعرعَرِ فذلكَ إن يلقَ المنيةَ يلقها حميداً وإن يَستغنِ يومًا فأجدِرِ
ومُذهبة حسان بن ثابت،
لَعَمْرُ أَبِيكَ الخَيْرِ حَقّاً لَمَا نَبا عَلَيَّ لِسَاني في الخُطُوبِ ولا يَدِي لِسَاني وسَيْفي صَارِمَانِ كِلاَهُمَا وَيَبْلُغُ، ما لاَ يَبْلُغُ السّيفُ، مِذْوَدِي وإنْ نَالَني مالٌ كَثيرٌ أَجُدْ بِهِ وَإنْ يُهْتَصَرْ عَودي على الجُهْدِ يَجْمُدِ فلا المالُ يُنْسِيني حَيَائي وَلاَ وَاقِعاتُ الدّهرِ يَفْلُلْنَ مِبْردي
ومرثية مالك بن الرَّيب،
أَلاَ لَيْتَ شِعري هَلْ أبيتَنّ ليلةً بجَنبِ الغَضَا، أُزجي القِلاص النّواجِيا فَلَيتَ الغَضَا لم يقطَعِ الركبُ عَرضَهُ وليتَ الغَضَا مَاشىَ الركابَ لَياليِا لقد كان في أهل الغضا، لو دنا الغضا مزارٌ، ولكنّ الغضا ليْسَ دانيا
ومَشوبَة القُطَامي،
كانت مَنَازِلَ مِنّا قد نَحُلّ بها حتى تغيّر دَهرٌ خائنٌ، خَبِلُ لَيسَ الجديدُ به تَبقَى بَشاشَتُه إلاّ قليلاً، ولا ذو خُلّةٍ يَصِلُ والعَيشُن لا عَيشَ إلا ما تَقَرُّ بِهِ عينٌ، ولا حالةٌ إلاّ سَتَنْتَقِلُ والنّاسُ، من يَلْقَ خيراً قائلونَ لَهُ ما يشتهي، ولأمِّ المُخطىءِ الهَبَلُ قَدْ يُدْرِكُ المتأنّي بعضَ حاجتِهِ وقد يكونُ معَ المُسْتعجِلِ الزَّلَلُ
ومُلحَمَة الكُمَيت،
رأيْتُ عذابَ الماءِ إن حِيلَ دونَهُ كفاكَ لما لا بُدَّ منه شَريبُها
إحدى عيون الشعر العربي في مهده الأول وريعان شبابه، وتحري أفضل قصائد من ألوان الشعر المختلفة ( المعلقات - المجمهرات - المنتقيات - المذهبات - المراثي - المشوبات - الملحميات) أضفى عليه جمالًا فريدًا ورونقًا حالمًا عذبًا، فحسم الحيرة في أشعر الشعراء
وحديثه عن علاقة القرآن بالشعر هو مبحثٌ فريد وكذا الشعراء وشياطينهم والجن الذي يأتي إليهم، والإبحار لمعرفة من قال الشعر أولًا وصفات الشعراء وتراجمهم وأخبارهم، فهو مصداق لقوة اللغة العربية وعذوبتها وعزّتها المخبوءة فلا يكاد يظفر بها إلا من بذل نفسَه في معرفتها والاطلاع على شؤونها.
تحب الشعر , تعيش بالشعر , تسكر بالشعر ..... تقفز كل هذه المشاعر المرهفة تتخلص قي قصيدة من قصائد أمروء القيس أو طرفة بن العبد.... كتاب يقسم الشعراء من حيث الشاعرية والقدم.....
تعجبني فكرة تصنيف المبدعين إلى طبقات، فضلًا عن ترتيبهم فرادى؛ لما يحمله الإبداع من فرص غير منتهية للتنوع. وقد سبق القرشيُّ الجمحيَّ في هذا. لكن الترتيب غير مفهوم، ولم يبرره القرشي، وأرى أن بعض القصائد والشعراء مظلومون بعدم تواجدهم في "سباعيات" القرشي، مثل: المثقّب العبدي ونونيته الشهيرة "أفاطم قبل بينك متّعيني"، وعلقمة الفحل وما ورد عن سجاله مع امرئ القيس، والشنفرى بلاميته وتائيته. لكنها من المحاولات الأولى في هذا المجال، التي لن تخلو بالضرورة من عيوب يتلقفها مبدعو العصور التالية ويطوّرون عليها.