المُطالع لما يكتبه الأستاذ محمد شعبان صوان سيجد أن أفكاره في كل مؤلفاته تقريبًا تدور حول ثلاثة محاور، الأول منهما هو الدفاع عن الدولة العثمانية ومقارنتها بما بعدها من دول التجزئة القطرية التي أنشأها الاستعمار، المحور الثاني هو التركيز على جرائم الاستعمار ونقده، المحور الثالث هو الدفاع عن القضية الفلسطينية ونقد الجرائم الصهيونية، هذه المحاور الأساسية في كل مؤلفاته، لكنه هنا في كتابه " معضلة قراءة التاريخ" لا يأخذ محورًا واحدًا من هذه المحاور، بل هو يستعمل هذه المحاور كلها ويطرح بها ومن خلالها كيف يمكن قراءة التاريخ وتجنب القراءات المتحيزة.
ورغم أن المؤلف قد قسّم كتابه إلى قسمين في معالجة هذه القضية وهما: القسم النظري و القسم العملي، إلا أنه يمكن القول أن التقرير العملي أكثر من التقرير النظري، بل التقرير النظري في حقيقته يتم شرحه عبر آلية تحليلية تاريخية راقية، وهذا أضاف للكتاب بُعدًا مهمًا وهو " متعة القراءة" حيث رغم صفحات الكتاب الكثيرة إلا أنك بكل سهولة يمكن لك أن تلتهمها ولا تريد على الحقيقة ترك الكتاب من يدك.
هذا الكتاب في حقيقته ليس عبارة عن قواعد نظرية جاءت من الخيال، في الواقع يبدو أن الكاتب استعمل القراءات التاريخية الغير موضوعية لبعض المؤرخين والباحثين ليرد عليها ويصوغ من خلال هذا الرد قواعده التاريخية التي تهدم تلك القراءات الغير موضوعية، وأنا أفضل هذا التعبير " الغير موضوعية" بدلًا من لفظ " التحيز" إذ لابد أن يكون كل كاتب أو مؤرخ متحيزًا، فالتحيز – بتقديري- ليس لفظ سيء السمعة إلا إذا أضيف له تعبير " الغير موضوعي"، على كل حال قبل أن يبدأ الكاتب في بيان " كيف نقرأ التاريخ" قام في فصل مهم من فصول الكتاب بيان أهمية القراءة التاريخية، لم يوضح تلك الأهمية بشكل إجمالي، بل قام وعلى سبيل التفصيل ببيان أهمية قراءة التاريخ العثماني وأهمية قراءة التاريخ الأمريكي وأهمية قراءة التاريخ الأوروبي وأهمية قراءة التاريخ الإسلامي العام.
أهم ما في كتابات الأستاذ محمد شعبان صوان أنه ليس منهزمًا أمام القراءات التاريخية التي تمجّد في التاريخ الأوروبي وتحط من قدر التاريخ الإسلامي، بل هو في قواعده التي يصوغها للقراءة التاريخية الجادة موقن أن التاريخ جهد بشري يعتريه من الآفات البشرية ما يعتريه، وأن الإيجابيات التي قدمها التاريخ الإسلامي أفضل وأرقى مما قدّمه التاريخ الأوروبي، وأن كل مأخذ نقدي على التاريخ الإسلامي يوجد مثله بل ويفوقه في التاريخ الأوروبي .
ومن هنا لا ينخدع الأستاذ صوان بالكتابات البرّاقة التي تُمجِّد التنمية الاستعمارية أو تتكلم عن تحرير العبيد وما شابه، فهو يقرأ كل ذلك في ضوء المنفعة الغربية، وأن التاريخ الغربي ليس فيه ميزة أخلاقية لوجه الأخلاق، بل لوجه ما يحققه من نفع لأوروبا الاستعمارية، لذلك هو يضع هذه الدول الاستعمارية في وضع المقارنة مع الدول العثمانية، بل هو يضع الدول العربية القومية التي نشأت بعد الاستعمار في نفس وضع المقارنة مع الدولة العثمانية، فهو يرى أن الدولة العثمانية لم تمص دم الشعوب كما فعل الاستعمار، وأن الدولة العثمانية في أضعف حالاتها هي أفضل من كل وجه من الدول القومية القطرية التي أنشأها الاستعمار.
الكتاب لا يحاول صياغة قواعد مثالية للقراءة التاريخية، بل يحاول صياغة قواعد منهجية تراعي النظرة الشاملة للتاريخ، ووضع الأحداث في سياقها التاريخي والزماني والمكاني، وتراعي تعقيدات النفس البشرية وتقلباتها، وغير ذلك من القواعد المنهجية التي صاغها صوان، ورغم دفاع صوان عن الدولة العثمانية إلا أنه ذكر مآخذ عليها كقانون قتل الأشقاء مثلًا، لكنه قرأ تلك المأخذ النقدية عبر سياقين السياق التاريخي والسياق المقارن للدول الاستعمارية، وقد أوضح أنه لايبرر الخطأ، ولكنه يشرح ظروفه وفي أي سياق تم، فهو يرفض التهويل التاريخي الذي يرفع إلى الملائكية أو ينزل إلى الشيطانية، ولذلك المقاربة بين الإيجابيات والسلبيات وأيهما له الريادة على الآخر له دور في التقييم التاريخي الإجمالي.
في الشق العملي من الكتاب سوف يقوم المؤلف بتقديم نموذجين عمليين للقراءة التاريخية، نموذج نقدي ونموذج تقريري، ففي الأول سيُقدِّم قراءة نقدية للمقدمة التي كتبها الدكتور مسعود ضاهر لكتاب إيفانوف عن الفتح العثماني للأقطار العربية، وهي مقدمة خالفت فرضية إيفانوف الرئيسية حول دور العثمانيين الهام والمحوري في حماية الأقطار العربية، وسيرى أن قراءة ضاهر قراءة ماركسية حاولت الالتفاف على الإيجابيات التي ذكرها إيفانوف، وفي النموذج الثاني سوف يقوم المؤلف بقراءة تقريرية لكتاب " دولة محمد علي والغرب" للدكتور حسن الضيقة، ويمدح الؤلف منهجية الكتاب ونتائجه حيث نجح الضيقة في رصد تاريخ المجتمعات التي قهرتها حركة الزمن الغربي وفرضت عليها لغاتها المسيطرة التي مزّقت ثقافتها وسياستها، ثم يشرع صوان في نفس الفصل العملي من الكتاب في نقد القراءات الصهيونية حول تاريخ فلسطين، وفي نهاية الكتاب وخاتمته يقترح المؤلف (54) مرجعًا من المراجع التي نقدت التاريخ والواقع الغربي نقدًا متنوعًا في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وهي على الحقيقة قائمة من الكتب المهمة والممتعة.
بالنهاية الكتاب ممتاز ويقدم تفكيكًا للسرديات الغير موضوعية للتاريخ، ثم يطرح أليات وأسسًا للقراءة التاريخية الجادة، ويتمز الكتاب بكمية المراجع [الضخمة] التي رجع إليها الأستاذ محمد شعبان صوان كعادته في كل كتبه، والكتاب من توزيع مكتبة الشبكة العربية للأبحاث، ومن إصدار ابن النديم ودار روافد.
#معرض_الكتاب٢٠٢٠
مكتبة الشبكة العربية للأبحاث والنشر - فرع القاهرة