على الأدب أن يقاوم النسيان , و أن يحبس الغياب في الحرف الحاضر , و عليه أن يكون صرخة البقاء في وجه الاندثار ... حتى لو لم يحصل ذك إلّا بالتذكير بهذا الاندثار !
ارتباط اللغة بالخلود ... هو ما يجعلها العدوّ الأوّل لمن يريد لخصمه الفناء ..
الرواية تستوحي بناءها فيما يبدو ممّا بدأه ماركيز في " مائة عام من العزلة " ثمّ نجيب محفوظ في " الحرافيش , تتبّع عائلة عبر أجيال , أصبح النهج المتبع لدى الباحثين عن حبكة مرتبطة بالتاريخ و تنقّلاته المفصليّة الممتدّة طويلاً .
تبدأ الرواية من رحيل أبي عبدالله الصغير لتروي قصّة المتبقّين من أهل الأندلس بين فكّي التراب القديم\الحاضر و الحديد الحاضر\المستقبل , تتمحور القصّة حول حيّ البيّازين من غرناطة لتتفرّ إلى كلّ الأرض الضائعة , و تروي كيف قاوموا الموت -الحقيقي و المعنوي و النفسي- أمام السلطة المغتصبة و وحشيّة ديوان التحقيق , هذه السلطة التي كانت تبحث عمّا وراء الامتلاك الظاهري للأرض , كانت تريد اغتصاب الذكريات و انتزاع الماضي من الأفئدة و محو أيّ أثر للذات التاريخيّة و الثقافيّة المتجاوزة للأجساد , كانت قد عرفت سبيلها الوحيد لتمتلك الأرض حقّا ... و حاربت مثل كلّ الطغاة الذاكرة !
هل نجحوا ؟ , و هل نسيتهم الأرض فعلاً ؟!
هذا سؤالٌ يقع خارج مجال الأجهزة الجيولوجيّة و الأبحاث التاريخيّة , إنّه سؤالٌ برسم وحي الحجارة و المتبقّي من صوت الماضين ... وحيٌ قد يكون جليّا كصرخة مظلوم ... وقد يكون خفيّا لا يفهمه إلّا نبيّ بين جموع المشركين ..
اهتمّت رضوى بالحكايات ... بتشتّت العلاقات و انفصام خيوط الصلة شيئاً فشيئاً في داخلها و نزعة المقاومة المريرة لهذا لدى الشخصيّات .
إنّها تعيش معهم , تنقل ما كان يظهر لديهم - كأيّ شعب مهدّد بالوجود- من أحلام بارقة من أوهام من فيضان الفرح لدى أيّ أمل يلوح في البعيد , من مراسم سريّة لتناقل الهويّة و حراستها من الموت , من رمزيّة كلّ الأشياء الصغيرة التي تصبح خطّ الذات الأخير لتثبت ماضيها و حقّها في الاستمرار , و من قداسة اللغة بحدّ ذاتها و المعرفة التي كانت تهمةَ الموريسكيّين الأخطر ...
كانت حرباً ضروساً تتمّ في السرّ و في العلن .. بين الهويّة و المغتصب ...
حين تخصر مقوّمات وجودك كذات ممتدّة متجاوزة للجسد , بأسرتها و أصدقائها و قدرتها على الفرح و الاغتسال و الحبّ و حتى الموت كما تشاء أنت , و حين تتسلّل من وجودك عناصر ما كنت تتنفّسه من الهواء .. و الحياة .. شيئاً .. فشيئاً , و حين تفقد الأمل و يصبح اليأس من النور و اليقين بالنهاية هو الأمل الوحيد .... إذ ذاك ربما يصبح البحث عن وجود آخر هو الحلّ ... قد فقدت الأرض نفسها ...
نقلت رضوى حكايات واقعيّة من تعذيب و قتل الموريسكيّين , لكنّها اهتمّت أكثر بالعلاقات الإنسانيّة بتجلّياتها المختلفة في العائلة و الحبّ و الجنس و الصداقة و الكره و الغيرة و الحنين ... رأت الحقيقة هناك أكثر .. و أبدعت
علينا نأن نملك قراءة التاريخ خاريج مقعد المهزوم ... هذا الذي لا يرى بركان البشاعة في تاريخ الآخر .. و يلطم على الشرارة في تاريخه هو ... هذا الارتهان لرضا الآخر الذي يصبغ نفسه بالبريق ليعميك عن تراكمات القتامة فيه .. و يصبغك بالضآلة لتقيم في الهامش حيث لا ترى إلّا بريقه و تحمي لسانك من خطيئة الاعتداد ..
هذا الاترهان هو غشاء على الوعي و خروج من عبء التاريخ
كذلك , من لا يستطيع الخروج من أسر حلمه باليوتوبيا و التفكير بالأندلس كجنّة كاملة لم يجد بعدها سوى الضياع , هو أيضاً غشاء على الوعي و هروب من التاريخ .. مهما طلا نفسه بالخطب الهادرة الواعدة باسترداد المجد ..
النجمات الثلاث لأنّني اعتدت من الأدب لغةً أعلى ... ربما لو كتبتها باللغة التي ترضيني لما حقّقت انتشارها .. من يعلم !؟
تستحقّ القراءة ... على الأقلّ لنشترك في حرب التاريخ على النسيان و تحدّي الذاكرة لتخرج من مشنقة التهميش .. عليكم بها !