"قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً"
بقيت تلك الآية الكريمة تجول في فكري وخاطري طوال قراءتي لهذا الكتاب..
ولكن شتّان بين من تتبعه ليعلّمك ممّا علّمه الله رشداً
وبين من تتبعه وهو يحقق غاياته الاستعماريّة والجاسوسيّة ضدّ بلادك..
يتحدّث الكتاب عن رحلة أحد الأشخاص الفرنساويّة وبصحبته شابٌ مسيحي من حلب..
جالا في بادية سورية من أقصاها لأقصاها
تكبّدا فيها من المصاعب والمتاعب ما لا يوصف
تحمّلا فيها الحرّ والقرّ
ومع ذلك بقي الفرنسي – صاحبنا – مُصرٌّ على المتابعة لمعرفة أدقّ التفاصيل.. ومن ثمّ تدوين مشاهداته أوّل بأوّل..
وفي كلّ مرّة يذبح الفضول مرافقه الحلبي.. فينهاه فوورا ويذكّره بشرطه.. ألم نتفق بداية على أنّ السّؤال ممنوع..
نفّذ تعليماتي بصمت وطواعية..
تاريخ الرّحلة عام 1810 وما بعد..
لنرى أنّ المخطّطات بدأت من تلك الأيّام..
لا أقتنع أن يقول أحد لي: لسنا في بالهم ولا نهمهم لا من قريب ولا من بعيد..
فمن يقرأ هذا الكتاب يقتنع بخلاف هذا.. فاهتمام بطل تلك الرّحلة بمعرفة أدق أدق التّفاصيل لا أعتقد أنّه أمر عادي وغير مريب..
الرّحلة مريبة جداً جداً..
والأحلى من هذا عندما تراها تتقاطع مع رحلة متزامنة مع رحلة أخرى في المنطقة ذاتها ولكن من َقِبل رحّالة – وأضع خمسين خطّاً تحت كلمة رحّالة – إنكليزي، وآخر سويسري..
أتراهم لسواد عيوننا يكابدون كلّ تلك المشاق؟!!
أم أنّ حياة البداوة المريحة السّلسلة مغرية للعيش فيها!!
ولكن من لديه هدف وغاية يسعى لهما مستعد لتحمّل أسوأ الظروف لأجل تحقيق مأربه..
كل هذا وراءه ما وراءه..
وبعد اطّلاعي على هذا الكتاب وجدت كيف أنّ حياة البدو عالم قائم بذاته لا نعلم عنه شيئاً
حياة يوميّة صعبة وشاقّة..
شاقة جداّ بكلّ شيء فيها..
التّرحال المستمر.. تحمّل حرّ الصّيف.. ومكابدة رمال الصّحراء.. وغيره الكثير الكثير..
وها أنا أعيش اليوم نتائج تلك الرّحلات..
التي بدأت قبل قرنين من الزّمن..
والغريب أنّ من كابد مشاق تلك الرّحلة يعلم علم اليقين أنّه لن يحصد نتائجها.. وهو أصلاً مجّرد حجر في رقعة شطرنج كبيرة وهناك من يلعب به كبيدق صغير.. نراه في نظرنا لا يقدّم ولا يؤخّر..
ولكنّه يقدّم الكثير الكثير..
لأنّ تعدّد تلك البيادق تؤتي الثّمار المرجوّة..
ومعظم النّار من مستصغر الشّرر..
أحزن عندما أقرأ كتباً كهذا..
أراني وجهاً لوجه مع التّاريخ والخطط والدسائس.. وبالمقابل الضعف والغفلة والبساطة – لم أشأ أن أقول سذاجة – من طرفنا..
كنت قبل يومين في زيارة لسميحة خانم – بطلة أحاديثي المعروفة – ورأيت كيف أنّ الزّمن ووقع السّنين قد أخذوا منها الشيء الكثير..
رأيت فيها مصداق قوله تعالى : "ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر"..
عبارة عن جسد كبير تداعى عليه الزّمن من كلّ حدب وصوب وقاست من مصاعب الحياة ما لا يخطر في بال..
وفي سياق حديثنا معاً ذكرَتْ حياتها مع جدّها وأمّها وأبيها وخالاتها..
فرأيت بريق الحياة قد لمع في عينيها من جديد.. وارتسمت بسمة مشرقة على شفتيها أعادت لوجهها الكثير من السّعادة..
ففكّرت يومها..
هؤلاء رأوها في أوّل حياتها.. وقد اختبأت فيها أسرار السّنين القادمة..
وأنا رأيتها آخر حياتها.. وقد انكشفت كلّ تلك الخبايا.. ورأيتها جهاراً بعد أن كانت أسراراً..
فأيّها أفضل يا ترى..
أو لا أدري كيف أقول..
ليس الموضوع أفضليّة..
حتّى الآن لم يستطع فكري أن يحرّر تلك المشاعر التي انتابتني من تلك الزيارة في عبارات كلمات معبّرة..
وها أنا في هذا الكتاب أعيد تداعيات زيارتي..
فأنا أعيش حالياً واقعاً بدأ التّخطيط له من بداية القرن ما قبل الماضي..
بهدوء ورويّة..
تحت غطاء من رحلات سياحيّة أو – استكشافيّة – مغلّفة بغلاف مزيّف من محبّة العودة إلى الحياة البدويّة البسيطة..
مع الاهتمام بمعرفة أدق ما يمكن من تفاصيل في تلك الحياة..
ليأتي بعدها ربط خيوط رحلات أخرى في مناطق أخرى مع بعضها البعض..
ليعرفوا بعدها من أين تؤكل الكتف..
وها هي – للأسف - قد أُكِلت..
فيا ترى أيّها أحسن أن تعيش بداية الأمر وأنت لا تعرف عنه شيئاً ولا ما سيؤول إليه؟! أم تعيش نتائجه وترى ما آل إليه.. وما حصدته كل تلك الجهود..
لا شكّ أن نجاح من يكيد لا يأتي بسبب كيده ولكن بسبب مثابرته ودأبه.. وبالمقابل غفلة وعدم اهتمام من تحاك ضدّه المكائد..
ليس ما كتبت نتاج قراءة هذا الكتاب فقط.. ولكن تراكمات قراءات لكتب مشابهة..
كل مرّة تزداد قناعتي بهذا الفكرة وتقوى أكثر فأكثر..
وأخيراً..
لكلّ من سيسأل عن الكتاب وفحواه ويقول لي أنّي تكلّمت عن كلّ شيء إلّا الكتاب الذي أنا بصدد الحديث عنه..
فالكتاب عبارة عن رحلة "فتح الله الصّايغ الحلبي" إلى بادية الشّام وصحارى العراق والعجم والجزيرة العربيّة
وهو شاب حلبي وقع اختيار رجل فرنسي عليه ليرافقه في رحلته تلك ليطّلع على أسرار حياة البدو وخفاياها، ويعرف علاقاتهم مع بعضهم البعض..
فقاما بتلك الرّحلة ودوّنا يوميّاتهما ومشاهداتهما..
ويقول الحلبي أنّه تمّ الاستيلاء على ما كتبه صاحبه الفرنسي من قبل الحكومة الإنكليزيّة بعد موته..
وعندما أعملت حسّي البوليسي قلت في نفسي: لربّما تمّ قتله لأخذ ما كتب ولكتم أسرار وبواعث رحلته تلك..
أو لا داعي لقتله.. ربما كذبوا على الحلبي وأخبروه أنّه مات كيف لا يسأل ولا يبحث..
الله أعلم..
ولكنّنا في النّهاية – كما ذكرت – نعيش نتائج تلك الرّحلة وأمثالها..
والله المستعان..
كلّي أمل بفرج قريب قادم..
وفاء
ذي الحجّة 1441
تمّوز 2020