عاش محمد سلماوي، أحد رموز الثقافة والصحافة في مصر والوطن العربي، حياة حافلة. فقد ولِد في أسرة مصرية ميسورة في أواخر الحقبة الملكية، وتفتَّحت مداركه مع قيام ثورة يوليو ١٩٥٢، وحصل على الشهادة الثانوية في مرحلة المد الثوري الناصري، وشهد خلال دراسته الجامعية انتصارات الثورة وانكساراتها، وعُرضت أولى مسرحياته قُبيل حرب يونيو 1967، ثم عايش المرحلة الساداتية، وتفاعل مع تقلُّباتها من خلال الكتابة الصحفية والنشاط السياسي الذي أدى به إلى الاعتقال أثناء انتفاضة يناير ١٩٧٧. بأسلوب مُمتع، وتفاصيل شيقة، يكشف لنا محمد سلماوي في مذكراته عن كثير من التفاصيل غير المعروفة لبعض أهم الأحداث السياسية والتطورات الاجتماعية والثقافية التي شكَّلت عالمنا خلال أهم عقود القرن العشرين، مصحوبة بأكثر من 150 صورة من أرشيفه الشخصي والعائلي، تُشكِّل لوحة حية لمصر من بعد الحرب العالمية الثانية وحتى مقتل السادات.
محمد سلماوى رئيس اتحاد كتاب مصر والأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب الوظيفة الحالية رئيس تحرير جريدة "الاهرام ابدو" الصادرة بالفرنسية وكاتب بجريدة "الاهرام" اليومية وعدد من الصحف والمجلات الأخرى وظائف أخرى شغلها معاون وزير الإعلام (2004 - 2005 ) مدير تحرير "الاهرام ويكلي" الصادرة بالإنجليزية ( 1991 ـ 1993) عضو الدسك المركزى بجريدة الأهرام (1998- 1991 ) وكيل وزارة الثقافة للعلاقات الخارجية ( 1988 - 1989 ) نائب رئيس قسم التحقيقات الخارجية بالأهرام (1979- 1988 خبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام (1977- 1979) محرر للشؤون الخارجية بجريدة الأهرام ( 1970 - 1977) مدرس للغة الإنجليزية وأدابها بكلية الآداب ، جامعة القاهرة ( 1966 - 1970) الدراسات ليسانس آداب لغة إنجليزية ، كلية الآداب ، جامعة القاهرة ، 1966 - دبلوم مسرح شكسبير ، جامعة أكسفورد ، 1969 - دبلوم التاريخ البريطانى الحديث ، جامعة برمنجهام ، 1970 - ماجستير في الاتصال الجماهيري ، الجامعة الأمريكية بالقاهرة ، 1975 - حضر أكثر من دورة فى حلقات سالزبورج الدراسية كما كان احد المحاضرين بها - الإصدارات أولا : المؤلفات الأدبية
فوت علينا بكرة واللي بعده ( مجموعة مسرحية ) ، 1983 الرجل الذي عادت إليه ذاكرته ( مجموعة قصصية ) ، 1983 القاتل خارج السجن ( مسرحية تقديم د. لويس عوض ) ، 1985 سالومي ( مسرحية ) ، 1986 كونشرتو الناي ( مجموعة قصصية ) ، 1988 إثنين تحت الأرض ( مسرحية ) ، 1987 الخرز الملون ( رواية ) ، 1990 الجنزير ( مسرحية ) ، 1992 باب التوفيق ( مجموعة قصصية ) ، 1994 رقصة سالومي الأخيرة ( مسرحية ) ، 1999 رسائل العودة ( مجموعة قصصية ) ، 2000 وفاء إدريس وقصص فلسطينية أخرى ( مجموعة قصصية ) 2002 شجرة الجميز (قصص للأطفال) 2003 مسيو إبراهيم وزهور القرآن» ـ رواية إيريك إيمانويل شميت (ترجمة وتقديم محمد سلماوى) 2005 نجيب محفوظ- المحطة الأخيرة» (يوميات) 2006 ثانيا : المؤلفات الصحفية والسياسية
- محرر الشؤون الخارجية ، 1976 - أصول الاشتراكية البريطانية ( تقديم د. بطرس غالي ) ، - الصورة الجماهيرية لجمال عبد الناصر ، 1983 - وطنى مصر : حورات مع نجيب محفوظ ،1996 - مائة كتاب وكتاب 1999
ثالثا : الإصدارات الأجنبية
- Come Back Tomorrow and Other Plays : Three Continents Press,Washington,1985 - Two Down the Drain : General Egyptian Book Organization, Cairo, 1993 - Al-Ganzeer (les chaînes): ALEF Puplishing House, le Caire,1996 - Mon Egypte : Naguib Mahfouz dialogue avec Mohamed Salmawy, J.C. Lattès,Paris,1996 - Naguib Mahfouz at Sidi Gaber : Reflections of a Nobel Laureate from Conversations with Mohamed Salmawy, AUC Press, Cairo, 2001 - La Dernière danse de Salomé : L'Harmattan, Paris - 2001 - The Last Station: Naguib Mahfouz Looking Back, AUC Press, Cairo, New York, 2007
الصور جعلت منها حميمية بل جعلتها من أكثر السير الذاتية التى عشت بداخلها بالفعل وخرجت منها بأحترام كبير لصاحبها الذى كان متاحاً له أدعاء البطولة لكنه لم يفعل وفضل الحقيقة
ربما لم أكن أهتم أن أقرأ شيئا من الإنتاج الأدبي لمحمد سلماوي المسرحي والقصصي، لم أقرأ له من قبل غير كتاب كان يحاور فيه نجيب محفوظ، و ربما بعض المقالات العامة. لكن لاهتمامي بكتب السيرة الذاتية، واهتمامي بفترة النصف الثاني من القرن العشرين، وإشادة البعض بسيرته الذاتية، قرأتها. وهي تستحق الإشادة. يمكن خلالها مطالعة أحوال المجتمع المصري مع أسرة مصرية قاهرية من التمدد لجذورها في النصف الأول من القرن العشرين، حتى أوائل ثمانينيات القرن، وومضات سريعة لبعض ما صارت إليه الأمور بعد ذلك. لغة محمد سلماوي سلمية وسلسة، يقول أن ذلك يرجع لاهتمام والده بتعليمه اللغة العربية على يد معلم خاص لتعويض اهتمام المدرسة باللغة الإنجليزية قبل العربية. عرضه مشوق لحوادث حياته وأسرته ومعارفه، وحركة المجتمع من حوله. ترك العمل الأكاديمي بالجامعة ليعمل بالصحافة في الأهرام قبل خروج هيكل منها، فأشبعت شغفه بالعيش في وسط الأحداث الملتهبة، بدلا من الحياة الأكاديمية الباردة، وميزته بين أقرانه ثقافته الفنية والأدبية الواسعة -وربما علاقاته الاجتماعية أيضا-، فترقى في مجاله وعلا اسمه. اتهم في مظاهرات يناير ٧٧ بتنظيم وقيادة المظاهرات مع ٤ آخرين، قبض عليه وقضى بضع أسابيع في سجن القلعة وسجن الاستئناف. كتب يومياته أثناء هذه التجربة وأعاد كتاباتها في سيرته الذاتية فشكلت نواتها الأكبر. حظى هذا الجيل بمعاصرة كبار كتاب ومثقفي جيل الأربعينيات والسيتينيات. فخلال عمل محمد سلماوي بالأهرام، التقى بتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ولوبس عوض وزكي نجيب محمود وحسين فوزي وثروت أباظة ولطفي الخولي .. وغيرهم من "سكان الدور السادس"، فكانت ذلك فرصة عظيمة لالتقاء الجيلين وتمازج الخبرات، أثقلت ثقافة وأوسعت مدارك من عرف كيف يستغلها.
ينضم محمد سلماوي إلى مجموعة من الشخصيات التي قرأت مذكراتها في الآونة الأخيرة، مع عدم حبي لهذه الشخصيات. والحاجز النفسي الذي بيني وبين الكاتب يرجع للإنطباع الذي ترسخ عندي من مطالعتي لمقالاته الأسبوعية في الأهرام قديماً. ربما لا أذكر من هذه المقالات حالياً سوى جملة واحدة، لكن كما ذكرت من قبل، ربما تسقط تفاصيل كثيرة من الذاكرة بمرور الوقت وتعاقب السنين، لكن الانطباعات والمشاعر من الصعب أن تُنسى. وعلى الرغم من هذا، نجحت هذه المذكرات بأسلوبها السلس في جذب انتباهي، إلى أن أنهيتها، ثم شرعت في جزئها الثاني.، والآن أكتب هذه المراجعة عن الجزئين معاً. كعادة المذكرات الخاصة بأبناء هذا الجيل من الكتاب، تكتسب المذكرات أهميتها من عرضها للمحة من الحياة الاجتماعية منذ نهايات العهد الملكي، والتغيرات التي حدثت في مصر منذ ثورة 52 وحتى عصرنا الحاضر، أضف إلى ذلك التعرف على جوانب أخرى للكثير من الشخصيات التي احتك بها صاحب المذكرات، وأشهرهم هنا: نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وهيكل. يبدأ سلماوي سيرته بحديث عن أسرته من جهة والده ومن جهة والدته، والتي توضح أنه ولد الإبن الأكبر لأسرة ميسورة الحال، وبعدها يعرض سني طفولته وإقامته في أغلبها في شقة الأسرة الواسعة بعمارة ليبون بالزمالك، وسنوات الدراسة في كلية النصر Victory College) ( بفرعها الثاني بالمعادي، والتي ذكر أن من ضمن عرفهم من طلبتها من الدفعات السابقة عليه الوزير منصور حسن، والذي كان له موقفٌ لافت وهو طالب، حيث كان يتحدى الإدارة الإنجليزية للمدرسة بصفتها من بقايات تمثيل الاستعمار بإصراره على أداء الصلاة في موعدها، إلى أن تم فصله، فرفع قضية على المدرسة وكسبها.
الحقيقة أن والده كان شخصية لافتة بحق، ويبدو كنموذج لرجل الأعمال الشاطر المغامر الباحث دائماً عن الفرص، والذي في الوقت ذاته لا تلهيه إدارة أعماله عن تربية أولاده بشكلٍ عملي. وكان من اللافت هو موقفه من تأميم أعماله ومصانعه، حيث جمع زوجته وأولاده وعرض عليهم الأمر وشرح لهم بهدوء فلسفة الدولة في التأميم، وأنه سيسعى جاهداً لعدم تغيير نمط حياتهم بشكلٍ حاد، لكن سيكون مقابل ذلك عدم تمكنهم من تنفيذ بعض ما اعتزموا عليه، بدايةً من إرسال محمد للدراسة الجامعية في الخارج. ولم ينكسر الرجل من التاميم، بل فكر في البدائل ووجد أن تنمية أرض الأسرة الزراعية بكفر الشيخ هي السبيل الأمثل للحفاظ على نفس المستوى الاجتماعي قدر الإمكان. لكن اللافت بحق هو الموقف الذي حكاه سلماوي، حينما بدأ في عهد السادات توجيه الانتقادات للعهد الناصري، فوجد سلماوي والده ينتقد بعض الممارسات الناصرية ومن ضمنها قرارات التأميم، فسأله: إذا كان هذا هو رأيه، فلم حاول إقناعهم يوم تأميم شركاته بجدوى هذا التأميم؟ فأخبره والده أنه لم يشأ أن يكون أولاده على خلاف مع عصرهم، فيشعرون أنهم غرباء في المجتمع الذي يعيشون فيه، لأنهم بذلك لم ينتموا إلى عصرهم، وسيظلون يشعرون بالمرارة دون أن يحققوا أي نجاح في حياتهم، لذا شعر أن واجبه نحو أولاده هو أن ينقل لهم منطق ذلك القرار، لا أن ينقل لهم تظلمه منه!
الجزء الأول من المذكرات يعرض سنوات الطفولة والنشأة والصبا، وبداية تعلقه بالقراءة والأدب، ثم دخوله كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية وانبهاره بأستاذه د.رشاد رشدي ومدرسته في النقد الأدبي، ثم عمله في سلك التدريس الجامعي، إلى أن أتته فرصة العمل في الأهرام، والتي اقترب فيها من هيكل، وتعرف فيها على كوكبة الأدباء والمفكرين الذين كانوا يكتبون في الأهرام في ذلك الوقت، ومنهم الحكيم ومحفوظ وإحسان عبد القدوس. قرابة ربع الكتاب تقريباً عرض فيه تفاصيل اعتقاله على خلفية أحداث 18 و19 يناير 1977، والتي لم يشارك فيها أصلاً وقُبض عليه من منزله، ليمضي قرابة الشهرين في السجن، إلى أن نال البراءة. وربما تكون هذه التجربة هي أقسى تجربة تعرض لها في حياته، لذا استفاض في وصفها بهذا الشكل. وأفضل ما فيها هو وصف أحداث يوم 19 يناير من داخل قسم شرطة المعادي، ووصف التخبط الحاصل في الدولة في ذلك اليوم. يستمر الكاتب بعد ذلك في عرض مساره المهني سواء في الصحافة أو في الكتابة، ويتكلم عن كل تجربة خاضها سواء في الكتابة المسرحية أو الروائية، وكذلك تجربة الأهرام ويكلي ورئاسته لتحرير الأهرام إبدو، ويعرض تفاصيل عرض بعض مسرحياته الشهيرة وأشهرها الجنزير، والتي حضرها مبارك والسلطان قابوس في عرضٍ خاص. وقبلها المشكلة التي واجهته مع الرقابة قبل عرض مسرحيته (اتنين في البلاعة)، والتي قالت له فيها رئيسة الرقابة أنها لا تستطيع أن تسمح بمسرحية تقول إن مصر بلاعة، فلما أكد لها أنه لا يقصد أبداً أن يقول إن مصر بلاعة، فمالت عليه وقالت في أذنه: هو فيه بلاعة غيرها!
يتحدث سلماوي عن تجربته القصيرة في العمل الحكومي حينما عرض عليه فاروق حسني العمل كوكيل لوزارة الثقافة للعلاقات الثقافية الخارجية، ويحكي عن ما أنجزه خلال الفترة القصيرة التي تولى فيها المنصب إلى أن قدم استقالته. يسهب سلماوي في الحديث عن فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، واختيار محفوظ له لإلقاء كلمته بالعربية والإنجليزية أمام الأكاديمية السويدية، وموقف بعض المثقفين المصريين والنفسنة التي صاحبت هذا الفوز. وخوفه من أن تطلب لجنة نوبل حذف الفقرة الخاصة بالانتفاضة الفلسطينية من خطاب محفوظ. أغلب بقية الجزء الثاني يسرد محطات مهنية أو موقف كتاباته المسرحية والشعرية والروائية، ثم تجربته كرئيس لاتحاد كتاب مصر، ورئيس اتحاد الكتاب العرب، ثم أمين عام اتحاد كتاب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ثم يتحدث عن الثورة باقتضاب، ثم يستفيض في انتقاد الإخوان ومشاركته في 30 يونيو، وسفره بعدها في إطار الدبلوماسية الشعبية لمخاطبة الغرب لنفي صفة الانقلاب عن هذه الأحداث، ثم اختياره ضمن لجنة الخمسين الخاصة بتعديل الدستور، وشغله منصب المتحدث الإعلامي عنها. على هامش هذه المذكرات تتعرف على الكثير من الشخصيات، وتتعرف أكثر على شخصية سلماوي. وإن كنت قد بدأت حديثي بأن إنطباعي عنه من واقع متابعة مقالاته في الأهرام كان انطباعاً سلبياً، فإن هذا الإنطباع ترسخ بعد إنهائي للمذكرات. فسلماوي في هذه المذكرات هو نموذج للشخص (العايق) الحريص على أن يعرض طول الوقت ثناء الناس عليه، والذي يكثر من عرض صوره، والحريص على الظهور في المناسبات وأخذ اللقطة لكن ليس هذا هو الأساس في نظرتي السلبية له، وإنما الأساس هو انتماء الكاتب لهذا الجيل الذي نشأ على القيم الغربية والعلمانية، ثم صار هو (النخبة المثقفة) في بلادنا، والتي يعتبر الدين بالنسبة لها هو في أفضل الأحوال ممارسة تراثية فولكلورية على الهامش، وإذا اصطدمت بما يرونه أنه من قبيل (الإبداع)، فحينها، يجب أن يتنحى الدين، لأن الإبداع وثقافتهم المزعومة مقدمان عليه. الدين في منظور هؤلاء له نسخة مصرية خاصة، هذه النسخة في أحسن أحوالها تقتصر على أداء بعض العبادات، لكنها تتسامح في الوقت ذاته مع ارتكاب كل الموبقات باعتبارها حرية شخصية، وترفع هذه النخبة بأفكارها المستوردة ما يظنونه مشاعل التنوير، ومن يشتبك مع أفكارهم يوصم بأنه من طيور الظلام، وأنه مبعوث الجهل والتطرف والإرهاب وهذا الجيل من المثقفين غير المشتبك مع قضايا أمته هو نموذج للمثقف النصاب، الذي تغاضى عن الجرائم التي شهدها العهد الناصري، والذي لم نسمع منه نقداً خلال عهد مبارك، ثم الذي أخذ اللقطة في ميدان التحرير وسط حشود الثوار بعد ما ظهر أن كفتهم سترجح، والذي لم يخرج في مظاهرة إلا ضد الإخوان لأنه مطمئن من أنه في مظاهرات آمنة، وأخيراً هو متعايش ومؤيد بحماس للنظام الحالي، رغم سجله الحافل بالدماء، والاعتقالات، والأوضاع الاقتصادية المتردية.
لا أدري ماذا كنت أتوقع عندما طالعت الكتاب، فمن ناحية أولى كان كل ما أعرفه عن محمد سلماوي هو قربه من نجيب محفوظ وصياغته لآرائه في سلسلة مقالات بالأهرام خلال إحدى الفترات الأخيرة من حياة محفوظ، وأحاديثه الكثيرة معه وحكاياته عنه وعن أيامه الأخيرة، وهذا ما قرأت البعض منه، لا شيء سوى لصلة الكلام بمحفوظ، لا السلماوي بطبيعة الحال، وكذلك كنت أعلم شيئًا طفيفًا عن وظائف سلماوي الإدارية (رئيس اتحاد كُتَّاب مصر السابق) وعن كتاباته في الأهرام (ولم أكن أقرب ناحيتها) ومن ناحية أخرى فمراجعات مؤلفاته والحديث عن أدبه على الإنترنت لم يكن مشجّعًا لخوض عالمه، ولم يحدث أن أحدث أحد كتبه ضجة حوله سوى روايته التي يقال فيها أنه تنبّأ فيها بحدوث ثورة يناير، وإن كانت غالبية المراجعات حول تلك الرواية بالذات لم تكن مشجعة أيضًا أدبيًا، مما جعلني أتيقن وقتئذ أنه لولا وقعة التنبؤ بها لما لفتت أنظار أحد ليُعاد طبعها وعلى غلافها الجديد عبارة لافتة هي: "الرواية التي تنبأت بالثورة!".
ولكن هذا الكتاب مختلف، نال من الاحتفاء والظهور والضجة نصيبًا وافرًا، وتصدّرت الطبعة الثانية (وطُبعت طبعة ثالثة) من الكتاب بثلاث صفحات امتلأت بمقتبسات كثيرة من التقاريظ لهذا الكتاب، بقلم بعض أشهر الأقلام في الموجودة في الساحة الأدبية والإعلامية (وهذه عادة قديمة)، وإن كنت قد تجاوزتها عندما بدأت في قراءة الكتاب، فلم أكن أتوقّع شيئًا باهرًا، ولكن عندما أنهيت الكتاب رجعت لأقرأها ثانية، وكان الكتاب يستحق حقًا – على مبالغات بعضهم مثل د. مصطفى الفقي التي قال عنها إنها "فتح جديد في عالم السير الذاتية (!!) وهذه المبالغة الأخرى التي امتدحت شجاعة الكاتب، وهي التي لم أرها صراحة، فباستثناء سطر واحد عن إحدى مغامرات الشباب ورد على استحياء ودون تفاصيل، فلم أر معنى لكلمة المقرّظ عن الحديث عن الصراحة ورفع الحرج، فالكتاب عادي من هذه الناحية، وهذا بالرجوع أساسًا إلى أن الأحداث الواردة في هذه السيرة تمثّل أحداثًا منتقاة من الحياة، كنقاط متباعدة على مسار زمني واحد، ولكنها غير متصلة هذا الاتصال المتلاحم الذي قد نجده في بعض السير الأخرى، فكان الإحساس الدائم أن ثمت شيء ناقص، فقد توجد أحداث السنين في أسطر معدودة ناظرة إلى زاوية واحدة فحسب، وقد تأتي أحداث أيام معدودة حدث فيها موقف ما، ممتدة لصفحات وصفحات بلا نهاية قريبة.
هذا عن الصراحة والحرج (والحديث عن فروع العائلة وعلاقاتها وأسماءها يأخذ حيزّا كبيرًا منها، وهو كله كلام ثناء لا أثر لأدنى حرج فيه) وأما الحديث عن الشجاعة، فهذا مما لم أفهمه، فما الشجاعة في عرض أحداث أفقدها الزمن حرارتها؟ والتي هي هنا لا تكاد تخرج عن معارضته لنظام السادات، مقابل رأيه الإيجابي في الناصرية وحديثه الناعم بدون أشواك عن التأميم، فهو لم يتحدث عن ملمح انتقادي بشكل لطيف عن الناصرية سوى في هذه النقطة، التأميم الذي أفقد والده الكثير من أملاكه وأفقده شركاته، ولكن كما قلت كان حديثه في هذه النقطة الوحيدة حديثَ المحبّ الذي يعاتب حبيبه في رفق ويختلق له الأعذار، سواء كان يؤمن في نفسه بصدقها أو لا، ولكن عندما يتحوّل إلى السادات الذي يبغضه، وعندما يتعرّض عن الأعذار التي ذاعت حينئذ لبعض قرارات السادات، فهو كان يوردها بشكل وطريقة تجعل القارئ يسخّفها قبل أن يصل إلى نهاية الفقرة.
وهنا ملاحظة بسيطة، فإنّي وإن كنت أعلم أن الكاتب أعلم بما كُتب في تلك الفترة في الصحف، ولكن لا بد لي من الإشارة إلى أن حديث القومية المصرية، والدعوة للانتماء إلى مصر الفرعونية، وإنكار عروبة مصر .. وإلى آخر هذا، ليس إلا حديث قديم انتشر في فترة الثلاثينيات من القرن العشرين، وخاضت فيه مؤيدة بعض أبرز الأسماء الشهيرة وقتذاك، ومنهم طه حسين وحسين فوزي ولويس عوض، ولا شك أنه أُعيد إحياؤه ثانيًا في السبعينيات، ولكن على خلفية ردّ الفعل، لا الفعل نفسه من الداخل، فمصر وقتذاك كانت مقاطعة من قبل الدول العربية التي على خلفية مفاوضات السادات مع إسرائيل بعد حرب أكتوبر، فطبيعي أن تولّد هذه المقاطعة ردّ فعل، قد يجيء بعضه في الاعتزاز بتراث مصر الفرعوني لا العربي، ولكن ما جاء في هذا الكتاب يجعل القارئ يتصوّر أن هذه الحركة ظهرت لأول مرة في السبعينيات، وتصويرها ببساطة، دون الإشارة لردّ الفعل، على أنه مبالغة من الصحف المصرية لنصرة قرار السادات كمبادرة منهم، أي تزلّف حكومي معتاد للرئيس والسلام.
وهو حرّ، فهذا تكوينه السياسي الذي اختاره لنفسه، فكان كثيرًا ما يشير في مذكراته إلى أنه ابن طبيعي لثورة يوليو ومنجزاتها، وهو أدرى بها، غير أنني أحببت فترة قراءتي للمذكرات، ووددت حتى لو طالت واستمرت الأحداث، وأن يخرج لنا المؤلف بالجزء الثاني منه ليروي ماذا حدث بعد ذلك، وأحببت كثيرًا أحداث وصور حياة والديه في الأربعينيات والخمسينيات، فالأحداث كانت تبدو كقصة سينمائية، حتى أن ملامح والده الراحل وهيئته وملامح شخصيته كانت تشعرني كأنه كان خارجًا توًّا من تصوير إحدى أفلام الأبيض والأسود في تلك الفترة، وأن هذه الصورة الملتقطة له هي كادر من كادرات الفيلم القديم.
وأعترف أن هذه المذكرات حرّكت بي فضولاً لقراءة بعض كتبه الأخرى، لا سيما مسرحياته، وإن عنى هذا شيئًا عندي فهو أن الكتاب كان ممتعًا حقًا.
ذكريات وليست مذكرات، ويبدو من العنوان الفرعي أنها بمثابة جزء أول تليه أجزاء فهو يغطي ال 36 عاما الأولى من حياته. ألقى سلماوي بقدر غير قليل من المعلومات الخفية للصور الخلفية في العوالم المصرية لدنيا الأدب والسياسة والفن والمجتمع. إلا أنني كنت أتوقع أن أرى ما خلف تجاربه الأدبية والمسرحية وبناء شخصيته وتكوينه فيها ولكنه رمى بقشور وفتات ونذر من قطرات لا تروي ولا تسمن ولا تغنى شداة الأدب من جوع. لذا فأنا أتهم الكتاب بعدم الاتزان في الصياغة والسرد فقد تعجل في سرد جوانب وأثقل في أخرى، ويبدو أنه كانت تسيطر عليه حالة بعينها فقد استغرقته تجربة أحداث ١٧ ، ١٨ يناير في عهد السادات أكثر من ربع الكتاب وهو ما لا يتعدى أسابيع من تجربته.
كتاب السيرة الذاتية ( يوما أو بعض يوم ) للكاتب الكبير محمد سلماوى ، و الصادر عن دار الكرمة عام ٢٠١٧ و هو الجزء الأول من كتابين سجل فيهما الكاتب رحلة حياته الغنية و المليئة بالأحداث و الإنجازات و الإنكسارات ، له و للوطن . فى هذا الكتاب يستعرض الكاتب السنوات من ١٩٤٥ و هو عام ميلاده و حتى ١٩٨١ مقتل الرئيس السادات . يبدأ بالعائلة الممتدة من الجدود للأب و الأم ، تعريف بهم و بحياتهم و عملهم و صلاتهم الأسرية ، ثم يكتب عن الأب و الأم سواءا الأحداث أو المشاعر التى وصلته من كلا منهما ، المربية الإنجليزية الصارمة و الفرنسية الحنون و تربية عدة حيوانات أليفة . مراحل الدراسة فى المدرسة العريقة فيكتوريا كوليدج، و علاقة زهرة ( كف مريم ) به و بشخصيّته التى تغيرت و تطورت مع السنين حتى الإلتحاق بكلية الآداب . حبه المبكر للموسيقى و القراءة و قراءاته المتنوعة من علم النفس للإقتصاد و التاريخ و السير الذاتية و الكلاسيكيات العالمية ، أول قصة كتبها بالإنجليزية ثم قراره لاحقا الكتابة بالعربية . تدريسه بعد التخرج بالجامعة ثم إلتحاقه بالصحافة، و تميزه فيها و علاقته بسكان الدور السادس بجريدة الأهرام ( متحف الخالدين ) و بهيكل. قصة حبه لزوجته الفنانة التشكيلية ( نازلى مدكور ) و الصعاب التى واجهتهما حتى تزوجا ، و أنجبا طفليهما سيف و سارة . حبه للمسرح و الكتابة المسرحية و تجاربه التى نجحت و أشاد بها الكاتب و الشاعر الأمريكى الكبير في زيارته للقاهرة . أصعب تجارب حياته … السجن ظلما فى أحداث يناير ١٩٧٧ و هذا الفصل مؤلم جدا و به تأريخ مفصل لكل ما مر به هو و المسجونين معه من مشاهير و مجرمين جنائيين . زياراته الخارجية لأمريكا ، موسكو ، الهند ، أستراليا وغيرها . اضطراب الوضع الداخلى لأسباب كثيرة حتى مقتل الرئيس السادات . الكتاب يعتبر بانوراما واسعة لحال مصر على مدى عقود من نواح كثيرة ، من خلال حياة عائلة مصرية عبر عدة أجيال ، نقل إلينا الكاتب ما سمعه و عرفه عن أجداده ، و ما عاشه هو مع أسرته الكبيرة و الصغيرة . رأيت من خلاله و بعيونه مصر الملكية بكل ألقها و رقيها و جمالها ، ثم مصر الجمهورية التى بدأت بأمال كبيرة و محاولات للإصلاح و التقدم ، نجح بعضها و فشل البعض الآخر . مرارة الهزيمة و آثارها على الناس ، فرحة الإنتصار ، صدمة التصالح ، الظلم الذى وقع على الأبرياء . الحب و المساندة و الدعم من البعض ، الغيرة و الحقد و الأذية من آخرين . حياة كاملة غنية و مليئة بالتقلبات فى عدة عقود فارقة فى حياة الوطن ، سجلها لنا الكاتب بتفاصيل كثيرة تستهوى كل محب للتاريخ، الكتابة ، القراءة ، الصحافة ، سير المشاهير ، السياسة و الأهم حياة البشر العاديين . الكتاب ملئ بالصور النادرة لأفراد الأسرة ، قصاصات صحف ، أماكن ، مشاهير و غيرها ، بعضها من تصوير الكاتب حيث أنه يهوى التصوير الفوتوغرافي. قرأته على تطبيق أبجد و استمتعت به جدا و أرشحه للقراءة .
مُذكرّات أحد رموز الثقافة والصحافة في مصر والوطن العربي، محمد سلماوي...رحلة ممتعة بدأت من الجُدود، وانتهت بموت الرئيس أنور السّادات..
من هو محمد سلماوي الطفل والشاب والرمز الصحفي العربي... حياة غنيّة بالأحداث، فقد أتاحت له عمله كصحفي الالتقاء بشخصيات أدبية وسياسية مرموقة في مصر وخارجها، حياة تخللها الاعتقال أثناء فترة حكم السادات والمكوث في السجن دون ذنب، ليأتي بعدها الإفراج..
تجذبني السير الذاتية دوما، فهي مداخل لسير أشخاص أتاحت لهم الظروف المحيطة بهم أن يكونو متميزين ومختلفين عن البقيّة... هي مداخل للتعرف على الظروف التي ساعدت في تكوين تلك الشخصيات؛ من تربية وتعليم وتجارب عملية وحياتية حلوة ومرة..
بعض ما قال محمد سلماوي في مذكراته:
١. وإذا كنتُ مدينا لمدام جان بإجادتي للفرنسية، فإن إجادتي للغة العربية، التي مكنتني بعد ذلك من أن أكون كاتباً، كنت مدينا بها للشيخ جلال الذب أحضره لنا والدي ليع ضنا عن ضعف تعليم اللغة العربية بالمدرسة الإنجليزية، فكان الشيخ الشاب يعلمنا اللغة من خلال فصاحة القرآن وإعجازه البلاغي
٢. كنتُ أسعد كلما سمعت أن الدكتور مجدي وهبة-الذي كنت أكن له تقديرا كبير- يقول إنني أَنجب طلبة الدفعة.
٣. كنت قد اعتدت ، كلما حلّت الإجازة السنوية التي كنا نقضيها بالكامل في الإسكندرية، أن آخذ معي مجموعة من الكتب التي كنت سأقرأها خلال الصيف
٤. لم إكن أعرف وقتها أن من يدخل سجن القلعة لا يهرج منه أبدا، حتى لو تركه ومضى خارجه إلى حياته الطبيعية، فالسجن يظل معه لا يتركه أينما ذهب.
٥. السياسة هي أن تتعامل مع الواقع كما هو، أما إنكاره، وعلى القدرة على التعامل معه، فيعنيان أن عليك أن تتىك السياسة وتظل في مجال الأدب لتتخيل في كتبك العالم الذي تريده.
٦. ربما كان من فوائد السجن أنه يجعلك تُقدّر قيمة ما كنت تتمتع به خارجه وتعتبره أمرا مُسلّما به
من أجمل ما قرأت هذا العام، فشكرا للأستاذ محمد سلماوي على هذه الحكايات الحلوة المُرّة وشكرا جزيلا للكرمة على هذا الإصدار المميّز...
لم أنتبه كثيراً لمحمد سلماوي من قبل. بل لم أكن أتذكر هل كانت الكتب التي قرأتها عن نجيب محفوظ هي لسلماوي ام لرجاء النقاش. كنت أعرف أن سلماوي كاتباً صحفياً وصديقاً مُخلصاً لنجيب محفوظ تولي تلاوة بيانه أمام لجنة نوبل، وفقط. علي الرغم من ذلك، ولسبب لا أعلمه، بدأت في قراءة سيرته الذاتية ولم ينقضي النهار سوي وقد انتهيت من صفحاتها التي تزيد قليلاً عن الاربعمائة.
والحق أنني لم أقرأ من قبل كتاباً للسيرة الذاتية بهذه الانسيابية والتدفق. وعلي الرغم أن سلماوي لم تشهد حياته أحداث عظام كتلك التي تزخر بها السير الذاتية للرؤساء والوزراء والقادة العسكريين، إلا أنها من أصدق ما قرأت عن فترة من أهم الفترات في تاريخ مصر الحديث وهي نهاية حقبة الملكية وبداية عصر يوليو ٥٢ بكل انتصاراته وانكساراته، ترصد كيف كانت الدولة والمجتمع في تلك الفترة.
ولعل أصدق أجزاء السيرة هي تلك الفصول التي يروي فيها سلماوي تفاصيل اعتقاله خلال أحداث يناير ١٩٧٧، وهي الفصول التي لا تملك من مدي صدقها وبراعة كاتبها سوي أن تشعر أنك وحيداً معه في ظلام زنزانة سجن القلعة تصارع كوابيسك في الظلام.
كتاب مُمتع، واستطاع الناشر إخراجه في طبعة جميلة تتخللها الصور التي أتت أغلبها من مكتبة سلماوي الشخصية. أتمني أن يتبعه الأستاذ سلماوي بجزء ثان عن الفترة من ١٩٨١ وحتي يومنا، والتي ربما أبرز معالمها صداقته بنجيب محفوظ.
* والوجيه محمد شتا بك الذي عرض أن يقرضنا خمسين ألف جنية بدون فوائد... وعلى الرغم من أننا كنا نشعر أن مشاركة محمد شتا تجلب الحظ السعيد فإننا أبينا أن نعرض أمواله للضياع... وأخيراً قال لنا: "ما رأيكم في أن أهديكم خزانتي الحديدية؟ هذه الخزانة تجلب الحظ"... وأحضر لنا خزانته ...خالية... وأصبحت هذه الخزانة هي خزانة "أخبار اليوم"، وقد جلبت خزانتة -شتا بك الخالية- حظاً ل "أخبار اليوم" أكثر مما لو كانت مملوءة. (٣٧)
* ثم تَزَوَّجَت أخيراً من رجل أحبته، هو حسين زايد بك صديق أخيها الأكبر غير الشقيق المرحوم يوسف شتا، وابن حسن زايد باشا الذي تبرع بخمسين فداناً وقيراطين من أجود أراضيه بالجيزة لبناء جامعة القاهرة (جامعة فؤاد الأول آنذاك) والذي عادة ما ننساه ونتحدث فقط عن الأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل التي باعت مجوهراتها وتبرعت بثمنها لاستكمال بناء الجامعة. (٦٣)
* بينما يعزف السلام الملكي الذي لم يضعه المؤلف الأوبرالي الإيطالي (جيوزبي فردي) كما يردد البعض، ولا هو مارش الانتصار في أوبرا عايدة كما يقال، وإنما وضعه مؤلف إيطالي مغمور كلفه به الخديوي إسماعيل وظل يُعزف في المناسبات الرسمية من وقت افتتاح قناة السويس عام ١٨٦٩ إلى ما بعد حرب السويس عام ١٩٥٦، حين جرى تغييره هو والعلم القديم إلى أنشودة أم كلثوم الرائعة "والله زمان يا سلاحي" التي تغنى بها الشعب المصري كله فجسدت الشعور الوطني في تلك الحرب. (٨٦)
* هكذا مات حمادة بلا مقدمات. وهل يحتاج الموت إلى مقدمات؟ هل يحتاج استئذاناً؟ هل يحتاج أعذاراً؟ كنت وقتها في السادسة عشرة من عمري وكان حمادة أصغر مني قليلاً، لكن الموت لا يكترث لأعمار، وإلا لكان ذهب إلى من هو طاعن في السن كما ذهب ذات يوم إلى جدي محمد السلماوي وهو في الخامسة والسبعين من العمر. لكني عرفت يوم موت حمادة أن الموت أعمى لا يبصر، وأطرش لا يسمع، وأخرس لا يتكلم. لو لم يكن أعمى لرأى وجه حمادة المرح الذي لا يعرف العبوس، ولو لم يكن أطرش لسمع ضحكات حمادة التي لا تنقطع، ولو لم يكن أخرس لتحدث أولاً مع حمادة بدلاً من أن يخطفه عنوة هكذا. لكنه لم يفعل أياً من هذه الأشياء بل انقض على حمادة كما تنقض الطيور الجارحة على فريستها، وصعد به إلى حيث لا نعرف. (٩٠)
* إن تفاصيل تلك المعركة، التي كانت حديث الطلبة في المدرسة، علمتني لأول مرة أن الشعور بالإنتماء لا يكون فقط بأن أكون قريباً من والدتي كما كنت أشعر في سنوات الطفولة، أو أن أستمع إلى الموسيقى وأقرأ الكتب التي كنت أحبها كما كنت أتصور بعد التحاقي بالمدرسة، وإنما الانتماء الحق هو الانتماء للوطن الذي هو الهوية الكبرى التي تجمعنا جميعاً، مولعين بالرياضة أو بالموسيقى، فقراء أو أغنياء، كباراً أو صغاراً، وقد لازمتني تلك القناعة العمر كله وحددت مسار حياتي في مختلف مراحلها. (٩٧) (٩٨)
* ووجدته يقول إن الإقتصاد لا يمكن أن يزدهر في ظل الإدارة الحكومية. وفي إحدى المرات سألته، إذا كان هذا هو رأيه، فلماذا كانت محاولته إقناعنا يوم تأميم شركاته بجدوى هذا التأميم؟ فقال لي إنه لم يشأ أن نكون على خلاف مع عصرنا، فنشعر أننا غرباء في المجتمع الذي نعيش فيه، لأننا بذلك لن ننتمي إلى عصرنا وسنظل نشعر بالمرارة، ما سيحول دون أن نحقق أي نجاح في حياتنا. قلت: - لكنك بدوت مقتنعاً بذلك المنطق. فقال: - لقد شعرت أنه من واجبي نحوكم أن أنقل لكم منطق ذلك القرار، لا أن أنقل لكم تظلمي منه. (١١٥)
* كنت أعرف أن الفن تعبير عن الذات، فوجدته يقول إن الفن هروب من الذات، فالفن ليس عملية تعبير وإنما هو عملية خلق، وأن الفنان قد يستخدم في عمله بعض تجاربه الشخصية لكنها، حين تدخل إلى العمل الفني وتختلط ببقية عناصره، تتحول إلى شئ جديد تماماً، مثل الأوكسچين والهيدروچين حين يختلطان في ظروف كيميائية معينة فيتحولان إلى ماء ولا يعودان غازاً كما كانا. (١١٧)
* وكنت أعرف أن الفن يحاكي الحياة، فوجدته يقول إن الفن يقدم ما هو غير موجود في الحياة، فالحياة موجودة من حولنا ولسنا بحاجة إلى من يعيد تقديمها لنا، والعمل الفني كائن عضوي قائم بذاته ومستقل عما عداه، وهو كالمولود، ما لم يقطع الحبل السري الذي يربطه بأمه لا تكتب له الحياة، فحياته في استقلال عما عداه، بما في ذلك الحياة التي يبدو أنه يحاكيها. (١١٧)
* وكنت أعرف أن العمل الفني يتكون من شكل ومضمون، فوجدته يقول إنه في الفن ليس هناك شكل منفصل عن المضمون، فالشكل في العمل الفني هو المضمون والمضمون هو الشكل، وإن تغير أي منها تغير معه الآخر. (١١٧)
* وكنت أعرف أن الفنان يصوغ عمله الفني من مشاعره وأحاسيسه، وإنه كلما عبر عن تلك الأحاسيس استطاع الإبداع بشكل أفضل، فوجدته يقول إن قيمة العمل الفني لا تنبع من أحاسيس الفنان ومشاعره، وإنما من مهارته الفنية وحرفيته، أيَّاً كانت مشاعر الفنان. (١١٧)
* وكنت أعرف أن الأعمال الفنية الكبرى هي تلك التي يمكن أن يُستخلص منها معنى عظيم، فوجدته يقول إن المعنى الوحيد في العمل الفني هو (المعنى الكلي) الذي لا ينفصل عن العمل في مجمله، فلكي ننقل معنى القصيدة يجب أن ننقل القصيدة كلها لأن معناها لا ينفصل عنها بكامل أجزائها. (١١٧)
* وكنت أعرف أن النقد مهمته أن يفسر لنا العمل الفني، فوجدته يقول إن مهمة الناقد أن يحلل لنا العمل من داخله، لا أن يضفي عليه تفسيراته الشخصية. (١١٨)
* فما أقسى أن يشعر الإنسان بالوحدة وهو في ظرف يحتاج فيه العون ولا يجده، يحتاج الدفء والحنان والنصيحة السديدة التي تخرجه من أزمة طاحنة، لكنه لا يجد أحداً هناك. لا أحد البتة. كأنه أُطلق في الفضاء الموحش، فلا بشر هناك ولا أشجار ولا حيوانات ولا حتى حجر، فقط الفضاء الأسود الكبير الذي يحيط بالإنسان أينما نظر. (١٤٥)
* وقد كنت في مكتب نجيب محفوظ حين اتصل به يوسف إدريس ليقول له: - الكلام الي سمعته ده يا أستاذ نجيب أنا ماقولتوش. فرد عليه محفوظ ببساطة: - وأنا ماسمعتوش. وانتهت المسألة بين الكاتبين الصديقين، وإن ظلت الصحف تعيد وتزيد في الموضوع إلى حد الملل. (١٩٠)
* وقد لا يعرف البعض أنه بعيداً عن كل التخمينات التي يجري تداولها كل عام حول المرشحين العرب لجائزة (نوبل) في الأدب، فإن طه حسين كان أول مرشح عربي رسمي في تاريخ الجائزة، حسبما علمت بشكل مباشر من السكرتير الدائم للجنة (نوبل) في ستوكهولم (ستوري آلين) لكن ذلك كان عام ١٩٤٩، أي بعد عام واحد من حرب ١٩٤٨ التي اغتصبت فيها إسرائيل أراضي العرب التي لم يمنحها لها قرار التقسيم. (٢٠٥)
* ولأول مرة تذكرت والدتي. هل الإنسان حين يصل إلى قمة العجز يعود طفلاً يبحث عن حماية والدته ودفء الطمأنينة في أحضانها؟ لكن ربما كانت هي الآن التي تشعر بالعجز وتحتاج إلى الطمأنينة، بعد أن وصلها خبر اعتقالي. (٢٧٣)
- لقد اخترت طريقاً كان عليك أن تدفع ضريبته، ولا أقول إنك كنت تستحق الاعتقال، بل أقول إن الاعتقال بدون وجه حق هو إحدى حقائق الحياة السياسية في بلادنا، وعليك أن تنظر إليه على أنه تدشين لمواقفك السياسية التي اخترتها بكامل إرادتك، كما أنه دليل على أن الدولة تأخذك مأخذ الجد، وإلا لما التفتت إليك. (٢٩٨)
بداية عنوان الكتاب جميل جدا يوما او بعض يوم هو جزء من آية كريمة تعبر فعلا عن حال الانسان عندما ينظر الى شريط حياته كما ان تنسيق الكتاب ايضا في غاية الروعة حيث ادرجت الصور في صفحات الكتاب بحيث تشاهد الصورة وانت تقرأماييتعلق بهذه الصورة بعكس بعض الكتب التي تجعل الصور في ملحق في اخر الكتاب اما مضمون الكتاب فسيرة حياة الكاتب المعروف محمد سلماوي حتى سن الاربعين من حياته وقد صاغها باسلوب سلس وجميل ويستعرض الكاتب الحياة في مصر وقت الملكية وهو من الطبقة العليا في مصر فجده لامه من اغنى اغنياء مصر كما كان ابوه كذلك من كبار التجار وقد وصف الحياة بحيادية رغم انه من مؤيدي ثورة يوليو ثم يتحدث عن فترة مراهقته وشبابه بغاية الشفافية والصراحة عن مغامراته العاطفية والعملية ثم يأتي الاجمل في الكتاب وهو ما يتعلق بسجنه وحياته في السجن ورغم ان المدة قصيرة الا انه ابدع في وصفه لها في الحقيقة احترمت كثيرا محمد سلماوي رغم حملات التشويه التي تعرض لها بعد الثورة
الأستاذ محمد سلماوي أنا كنت من متابعي مقالاته الصحفية.. ولم أعرف يوماً عن مسرحياته أو مشاركاته الثقافية والسياسية العديدة.. الكتاب مدخل لطيف جداً لفترات لم أعاصرها نقلها بقدرعالي من الموضوعية وفي نفس الوقت هو تجربة حياة شخصية لم يتسنى للعديد خوض مثلها بما تهيأ له فيه اجتماعياً وأكاديماً وسياسياً، وهنا فيديو قصير بدون حرق للأحداث تقريباً عن تجربتي مع هذا الكتاب اللطيف https://youtu.be/G1PxqcS0CYk
قرأت نصف سيرتك وتركتها فترة ولكني إلتزمت أن أنهيها، فقرأت النصف الآخر في حماس شديد خلال يوم واحد، ووصلتني مشاعرك ومواقفك الصادقة بالأخص أكلة الكباب! أتضحت لي أموراً كثيرة في هذه الفترة السياسية بالأخص، وأشكرك علي صراحتك.
من أروع المذكرات و السير الذاتية التي قرأتها. تكشف جوانب جديدة لم يسلط عليها الضوء كثيرا , خاصة خلفيات أيام 18 و 19 يناير و الأعتقالات و كوارث عصر السادات التي تم التعتيم عليها . أتمنيى ان يكون هناك جزء ثاني لأستكمال الفترة من 1981 و حتى الان.
أول سيره ذاتيه أقرأه تتداخل فيها الصور مع رواية الكاتب فكره ذكيه جعلت كتاب أكثر متعه في قرأتها أسلوب صاحب السيره جميل وممتع بالرغم من التركيز على فترة السادات بنسبة يمكن تكون خمسين بالمئة
بعد مشاهدتي لأكثر من لقاء للكاتب والمثقف الكبير الأستاذ محمد سلماوي، شعرت بأهمية القراءة له، فهو من جيل الكبار الذين نفتقد حضورهم ومبادئهم الناصعة. بدأت بسيرته الذاتية، فوجدتها ثرية وجاذبة، وأضافت إلى إعجابي به الكثير. كما بصَّرتني بالعديد من الأحداث المهمة في فترة حكم عبد الناصر والسادات. وأضاءت لي جوانب مختلفة من شخصيته النشيطة والمبدعة، والمتواضعة وخفيفة الظل. وكان أهم ما استوقفني قراءاته المتنوعة والغنية، والدروس العميقة التي أثْرت سيرته التي قدمها بأسلوب أدبي رشيق جدًّا وممتع.
كل الشكر لإنسانيتك وجمالك ولوجودك المُلهم والأنيق.
كتاب يستحق القراءة، وبكل حب أنتظر الجزء الثاني الذي أشار إلى قرب صدوره عن دار الكرمة.
This entire review has been hidden because of spoilers.