لا يمكن لامرئٍ يريد قراءة وفهم تاريخ البحرين الحديث والمعاصر أن يتجاوز تشارلز بلجريف وكتاباته عنه؛ فقد قضى هذا الرجل واحدًا وثلاثين عامًا من حياته في البحرين (1926-1957)، مستشارًا لاثنين من أهمّ حكّامها (الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة، وخليفته الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة)، واضطلع خلال تلك السنوات بدور محوري في إدارة شؤون الحكومة وتطوير مؤسسات الدولة الحديثة، وطالت مسؤولياته ومجالات عمله القضاء والصحة والشرطة والأمن والتعليم والميزانية العامة والجمارك وغيرها من شؤون الدولة.
وتكتسب كتابات بلجريف أهمية خاصة نظرًا لمركزه كمستشار للحاكمين المذكورين، بل ورئيسًا لحكومتهما -كما وصف نفسه في لقاء صحفي-، ونظرًا لطول الفترة التي عاشها في البحرين والدور الذي لعبه خلالها، ولكونه أيضًا شاهدًا مباشرًا على مرحلة شهدت تحولات عميقة في تاريخ البلاد، انتقلت خلالها البحرين من نظام إداري تقليدي محدود المؤسسات إلى دولة حديثة أخذت تتشكل فيها أجهزة الحكم والإدارة والقضاء والتعليم والصحة وغيرها من مؤسسات الدولة الحديثة التي شارك بشكل فعّال في بنائها.
ورغم هذه الأهمية البالغة، لم تتوافر حتى اليوم ترجمة عربية كاملة وأمينة لسيرة بلجريف الذاتية (التي نضعها بالعربية كاملةً هنا لأوّل مرة)، ولا ليومياته التي كتبها خلال السنوات الإحدى والثلاثين التي قضاها في البحرين. ولعل أكثر ما يدعو إلى الأسف، بالنسبة للباحث والقارئ العربي المهتم بتاريخ البحرين، هو غياب ترجمة كاملة لهذا المصدر الذي يروي جانبًا مهمًا من تاريخ البلاد بلسان رجل كان قريبًا من أحداثه وصانعًا للعديد من تفاصيله.
وقد تُرجمت هذه السيرة إلى العربية لأول مرة على يد الأستاذ مهدي عبدالله، ونُشرت عام 1991 بعنوان "مذكرات بلجريف: مستشار حكومة البحرين سابقًا" . غير أن هذه الترجمة كانت، للأسف، ناقصة، وهو أمر أقرّ به المترجم نفسه في لقاء مع الأستاذ وسام السبع. فعندما سُئل ما إذا كانت ترجمته كاملةً أم لا، أجاب موضحًا أن هناك فصلًا من ثماني صفحات يتعلق بالخلافات التاريخية بين قطر والبحرين لم يترجمه (وهو الفصل الرابع عشر، الذي ورد هنا في الترجمة الكاملة بعنوان "البحرين وقطر والزبارة")، كما حذف أو اختصر أجزاء أخرى تتناول بعض الوقائع السياسية في الخمسينيات، إضافة إلى مقاطع تتعلق بالمذهب الشيعي ومواكب العزاء في شهر محرم، موضحًا أن دوافع ذلك تعود إلى اعتبارات سياسية وحساسية بعض الموضوعات، وإلى رؤيته الخاصة لما كان مناسبًا للنشر في ذلك الوقت. كما أشار إلى أن بعض الفقرات المترجمة حُذفت أيضًا أثناء نشر حلقات الكتاب في مجلة "صدى الأسبوع" عام 1989.
أما العمل العربي الآخر الذي تناول سيرة بلجريف، فهو كتاب الشيخة مي بنت محمد آل خليفة "تشارلز بلجريف: السيرة والمذكرات" . وهو كتاب مهم جدًّا، ولكنه لا يقدم ترجمة كاملة للسيرة الذاتية لبلجريف، ولم تدّعِ مؤلفته ذلك أصلًا. وإنما هي جمعت فيه بين أجزاء مختارة من سيرة بلجريف الذاتية، وأجزاء من يومياته، ووثائق بريطانية ووثائق من الحكومة البحرينية، إلى جانب عدد كبير من الصور والوثائق، لتقدم صورة أوسع عن بلجريف وعن المرحلة التي عاشها في البحرين. ومن هنا تحديدًا تأتي قيمة الكتاب وتميزه؛ فهو عمل بحثي وتركيبي يجمع مصادر متعددة، وليس ترجمة كاملة للسيرة الذاتية.
وقد قمتُ بترجمة كاملة سأتيحها عما قريب للقراء الكرام، ثمة فرق جوهري بينها وبين العملين السابق ذكرهما: فالأول ترجمة عربية سابقة للسيرة، لكنها غير كاملة؛ والثاني دراسة ووثيقة مركبة عن بلجريف وعهده، تستند إلى مقتطفات من سيرته ويومياته ووثائق أخرى؛ أما ترجمتي، فهي محاولة لإتاحة السيرة الذاتية لبلجريف كاملة باللغة العربية، دون حذف أو اختصار.
ومنذ صدور السيرة الذاتية الأصلية عام 1960، وحتى اليوم في 2026 (أي منذ أكثر من خمسة وستين عامًا)، ظل القارئ العربي المهتم بتاريخ البحرين يفتقر إلى هذه الترجمة الكاملة. وقد حان الوقت، في تقديري، لإتاحتها للقراء والباحثين بوصفها مصدرًا تاريخيًا بالغ الأهمية؛ مصدرًا كتبه رجل جاء إلى البحرين ابتداءً كمستشار ماليٍّ للشيخ، فأصبح، ومنذ البداية، مستشارًا عامًّا ورئيسًا لحكومة حاكمين من حكّام البحرين المهمّين، وطالت صلاحياته القضاء والصحة والشرطة والأمن والتعليم والميزانية العامة والجمارك وما إلى ذلك من كل مفاصل الدولة!