الإنسان كائن تلقائي – إبراهيم البليهي
لديَّ مشكلة مع هذا النوع من الكتب، فهي تملك فكرة سديدة وجيدة، ولطرحها تلجأ إلى خطاب طويل وأمثلة عديدة ومواقف كثيرة واقتباسات متنوعة ومهولة، فيشعر القارئ بالملل وبضياع وقته وهو يقرأ المزيد والمزيد من الصفحات التي تدعم فكرة واحدة فقط وتظل تدور حولها حتى "يحفظها" عن ظهر قلب، فلا يعود بإمكانه مساءلتها إلا إن أفلت من الملل الذي يضعه فيه الكتاب وظل على مسافة منه ليُسائل أفكاره وخطابه.
فكرة الكتاب جيدة، بل جيدة جداً، وكل فصلٍ منه يتناول الفكرة من جانب مختلف، لتتضح معالمها في ذهن القارئ، ولكنه استعان بأكثر من خمسمئة صفحة ليطرح فكرة يمكنه كتابتها في مئة صفحة، ودعمها بقدر كافٍ من الأمثلة والأدلة، فيختصر على نفسه والقارئ الجهد والوقت والتعب.
يتحدث الكتاب عن الإنسان التلقائي في طبيعته، والذي يحكمه الفكر الاندفاعي والتلقائي (أو اللاوعي بمصطلحات علم النفس)، فيُحدد خياراته ويضيق منظوره ويحكمه بطريقة قد لا يفهمها في تفاصيلها، أو حتى قد يجهل أثرها الكبير والضخم عليه، فإن استطاع، فيما بعدُ، مساءلة مسلماته وطرح لاوعيه للنقاش وتصدير الأسئلة بدلاً من تقديم الأجوبة، عُد من القلائل الذين يستثنون من هذه المعادلة، ومن هنا، يثبت الكاتب فكرة أن الإنسان تلقائي في طبيعته، وأن الإبداع حدث استثنائي في حياته.
ويفرِّق الكاتب بين التلقائية العامة التي يسير بها معظم الناس، فيقبلون الثقافة الممنوحة لهم ويعيشون نسخاً عن غيرهم ويريحون أذهانهم من التساؤلات، والتلقائية الريادية التي يمنح فيها المرء لقدراته الإبداعية الفرصة للتمثل في أبهى صورها، فتدفعه إلى العبقرية والنبوغ، ويشير إلى أن المجتمعات تتقدم عادة بفضل هؤلاء العباقرة الذين يُستثنون منها، أو يُحاربون أو يُنفون، قبل أن تُعتمد أفكارهم حقيقة واقعة.
كما يتناول الكاتب الأثر الهرموني على تلقائية الإنسان وتركيبة الدماغ التي "تُنتج" العقل وخصائصه، وعن التعارض الكبير بين الإرادة والتلقائية، فالمحاولات العديدة التي يحاول فيها المرء "إرادة" رغباته تبوء بالفشل عادة، لأن التلقائية الريادية لا تُطلب بالإرادة، بل يُمارسها المرء ويعتاد على وجودها ومنح الفرص العديدة لها قبل أن تتبدى في أبهى صورها فترفع من شأنه أخيراً.
ويتحدث عن "انفراط التلقائية" التي قد تودي بصاحبها إلى الهلاك، سواء في شكلها الأولي أو الريادي، وأن الإنسان يمكن أن يكون مجرد آلة ووسيلة في يد الفكرة التي تتملكه و"تستخدمه" للتقولب في قالب لغوي أو فني معين، لهذا، يجب أن نعي تلقائية المرء وأشكالها وأن نمتلك الواعي الكافي لقبول عباقرتنا ومنحهم الفرص للإبداع دائماً، ويوصي الكاتب بأهمية تعليم التفكير الفلسفي النقدي، مقابل التفكير التلقائي والتفكير العملي، فبوساطته فقط يمكن للمرء الانطلاق حُراً في كيانه، لنفع نفسه ومجتمعه.
وكما أسلفتُ، كتاب جيد في طرحه، ولكنني أكره الإسهاب ببساطة.